أكتب إليك قصتي متمنية أن تقرأها بناتي فترق قلوبهن‏,‏ فلا يبخلن علي بالسعادة الأخيرة في حياتي‏,‏ ولعلها تكون شفيعا لسيدات مثلي يعشن العذاب بسبب أنانية أبنائهن‏.‏



أنا سيدة تجاوزت الخمسين من عمري بسنوات قليلة‏,‏ توفي زوجي منذ عشرين عاما‏,‏ وبعد تجاوزي الثلاثين بقليل‏,‏ تاركا في عنقي أربع بنات‏,‏ كانت مسئوليتهن كبيرة ومفزعة‏,‏ ولكن بفضل من الله وبإصرار مني نجحت بمعاش زوجي الراحل في تربيتهن أفضل تربية حتي أتممن تعليمهن وتخرجن في أفضل الجامعات‏.‏



لك أن تتخيل ـ سيدي ـ كيف لإمرأة صغيرة مثلي تواجه الحياة بأربع بنات وبإمكانات محدودة‏,‏ عانيت وشقيت وسهرت وتألمت وحدي‏,‏ كنت أغلق علي نفسي حجرتي كل مساء لتنهمر دموعي كالسيل‏,‏ بينما أحرص كل الحرص علي ألا تري واحدة منهن دمعة أو لحظة ضعف أو انهزاما في عيني‏.‏

تعلم جيدا كم يتعذب الآباء والأمهات في تربية الأبناء‏,‏ ومنهم من يفشل في السيطرة عليهم أو حمايتهم من قسوة الحياة ومن ذئاب الطريق‏,‏ أولادا كانوا أم بناتا‏,‏ وإن كانت مسئولية تربية البنات أصعب وأقسي‏.‏

كم كانت أيامي مفزعة كلما مرت واحدة منهن بفترة المراهقة‏,‏ كنت لا أنام‏,‏ مرافقة للتليفونات السؤال عن الصديقات‏,‏ لاحتواء الرافيء‏,‏ فكنت صديقة أكثر من كوني أما‏,‏ نسيت نفسي وأنوثتي أمام احتياجاتهن‏,‏ ولم أشعر بأني أضحي بل رأيت أن هذا هو واجبي المقدس‏.‏



تخرجت بناتي في الجامعة واحدة تلو الأخري‏,‏ وعملت بعضهن في وظائف طيبة وبدأ العرسان يتوافدون‏,‏ تزوجت الأولي ثم الثانية فالثالثة‏,‏ وبقيت معي الصغري‏.‏



في السنوات الأخيرة كان في حياتنا صديق للأسرة‏,‏ رجل محترم‏,‏ كان يهتم بنا ويسأل علينا عندما نشتبك أو نختلف في أمر ما‏,‏ نلجأ إليه ونرتضي حكمه‏,‏ بل كن هن يطلبن مني الاتكاء علي رأيه ونصائحه لم يبد منه يوما ما يشير إلي أن مشاعر خاصة‏,‏ تجاهي تحركه وتدفعه نحونا‏,‏ بل كنا نشعر بحبه الحقيقي بلا تكلف أو هدف‏,‏ ولم يكن ظهوره المتقطع أو مكالماته التليفونية تثير الشكوك أو التساؤلات عند أسرتي أو بناتي‏,‏ ولكن‏!‏



لا أخفيك ـ سيدي ـ كانت بداخلي مشاعر خاصة فرحة انسانية بداخلي إذا حضر أو إذا سمعت صوته‏..‏ وجوده كان يشعرني بالأمان ويمنحني الثقة‏,‏ ألمح في عينيه نظرة ما‏,‏ نظرة تهزني‏,‏ لكني كنت أهرب من تفسيرها وأستكثر ذلك علي نفسي بل أستعيبه‏.‏



استمر الوضع هكذا حتي تزوجت ابنتي الصغري‏,‏ وأصبحت وحيدة‏,‏ أو قل تجسد لدي هذا الإحساس‏,‏ فتجسد هو لي‏,‏ احتياجي له أصبح أمرا واقعا في داخلي‏.‏



لن أقول لك ـ مثل النساء في هذه الحالات ـ انشغلت بناتي عني ولم يعدن يهتممن بي لذلك أحسست بالفراغ‏,‏ ما حدث كان عكس ذلك بالغن في الاهتمام‏,‏ لايمضي يوم إلا وتكون واحدة منهن معي‏,‏ تقضي ليلتها تاركة بيتها‏,‏ وإذا غبن جسديا لا تنقطع اتصالاتهن الهاتفية‏,‏ حتي اني كنت أشكو له اختناقي من هذا الاهتمام‏,‏ فيبرره لي بأنه الحب والحرص علي مشاعري‏.‏



الأزمة بدأت يا سيدي عندما عادت أنوثتي الغائبة‏,‏ تلك الأنوثة التي وأدتها عشرين عاما لم أقربها أوقظها ولكن ها هي تستيقظ وتزدهر خاصة عندما اعترف لي هذا الرجل بمشاعره القوية تجاهي ورغبته في الزواج بي‏,‏ فتفجرت مشاعري أيضا‏,‏ وأصبح لحياتي معني‏,‏ أن تكون إنسانا‏..‏نعم سيدي إحساس مختلف غير احساس الأمومة‏,‏ شعرت به كاملا بعد ان أديت دوري‏,‏ احساس لم يأت علي حساب أحد‏,‏ اتفقنا علي الزواج بعد إخبار البنات‏.‏ قلت لبعض اخوتي فرحبوا جدا‏,‏ وقالوا انه انسان مناسب ومحترم‏.‏ وهو قال لابنه برغبته فرحب وطمأنه بان هذه الزيجة لن تؤثر علي أسرته أو علي زوجته‏.‏



المشكلة الآن في بناتي‏,‏ أصبحن مثل القطة عندما يحاول أحد أخذ وليدها‏,‏ قلن لي‏:‏ لا ينقصك أي شيء‏,‏ ألا نكفيك‏,‏ لن يضيف إلي حياتك شيئا‏,‏ صمت وخجلت أن أقول لهن‏:‏ سيضيف لحياتي معني الحياة‏,‏ سيمنحني سعادة حرمت منها طويلا من أجلكن‏,‏ كل واحدة منكن تعيش حياتها وأنوثتها وسعادتها مع من تحب‏,‏ أما أنا فقد ضحيت بكل ذلك حتي ذهبت بكن إلي ماأنتن فيه‏,‏ لن يأخذني منكن‏,‏ يكفينا لحظات قليلة نلتقي فيها‏,‏ نتحدث‏,‏ نخرج يكفي إحساس بأن شخصا مايهمني ويهتم بي كامرأة‏,‏ كأنني كلام كثير أريد أن أقوله لهن ولكن حيائي يمنعني‏..‏ فهل أنا مخطئة؟



هل أخطأت ياسيدي عندما فكرت في الاستمتاع بما تبقي لي من عمر وبما شرع الله؟ وهل علي أن أضحي بحريتي واختياري إرضاء لرغبة بناتي؟ وهل من العيب أن أشعر بالحب والاحتياج في هذا العمر؟ وهل هناك عمر يجب أن يلغي فيه الانسان إحساسه ويجلس منتظرا الموت؟



لا أريد اغضاب بناتي‏,‏ ولا أقبل أن أفقدهن‏,‏ لذا أناشدك أن تطلب منهن أن يرأفن لحالي ولايقسون علي يحترمن ضعفي ومشاعري‏,‏ ولا يضعني في اختيار صعب‏,‏ فليس من السهل علي التضحية بهن ولكن هل ثمن ذلك هو التضحية بحقي في الحياة؟‏!‏



{{‏سيدتي من اللحظة الاولي التي قرأت فيها رسالتك وأنا أحس باتجاهي نحو اختيار محدد وواضح ينحاز إليه تفكيري دائما‏,‏ ولكن صورة إمراة غائبة تشوش علي ذهني وتدفعني نحو التريث لأنها لم تظهرفي سطور رسالتك تلك المرأة‏,‏ هي زوجة ذلك الرجل‏,‏ ماذا عنها ؟ هل سعادتك ستأتي علي حساب سعادتها فيما تبقي لها من عمر في الحياة؟ وهل ستري أن زوجها طعنها بعد رحلة العمر الطويلة‏,‏ أم أنها ارتكبت جرما وتسببت في آلام لهذا الرجل ويصبح من حقه بعدها أن يبحث عن سعادته مع إمرأة أخري أحبها؟ تلك الأسئلة وغيرها حول تلك الزوجة وأبنائها‏,‏ أنت فقط وهذا الرجل القادران علي الإجابة عنها بكل صدق ووضوح‏.‏



عدا ذلك‏,‏ فأنا علي الضفة الأخري من النهر التي تقفين عليها‏,‏ اختلف مع موقف بناتك‏,‏ وأري أنهن يفكرن في صورتهن أمام أزواجهن وبأنانية مفرطة‏,‏ فأنت أتممت رسالتك نحوهن‏,‏ ولن تغيبي أو تسافري بعيدا عنهن‏.‏

لم تخطئي سيدتي‏,‏ من حقك أن تستمتعي بحياتك ولو تبقي فيها يوم واحد‏..‏ من حقك أن تسعدي بمعني الحياة الذي منحه لك هذ الرجل‏,‏ فلا يوجد عمر للحب ولا للسعادة ولا للأحلام‏,‏ خاصة إذا كان كل هذا بشرع الله‏.‏



كل انسان من حقه أن يحصل علي سعادته المشروعة مادامت لم تأت علي حساب الآخرين‏,‏ من حقه أن يشعر بأن هناك من يرقب أنفاسه ويبدي إعجابه به‏,‏ بتفاصيله‏,‏ برائحته‏,‏ وبكل مايفعل‏..‏ بل من حقه أن يوجد في حياته من يختلف معه يخاصمه ويصالحه‏,‏ يبتعد ويدنو‏,‏ حتي تصبح للحياة معني‏.‏



أقول لبناتك ومن يفكر مثلهن‏:‏ حتي تحتفظ بالسعادة عليك أن تتقاسمها مع الآخرين‏,‏ فلاتبخل علي من ضحي من أجلك بأحلي سنوات العمر‏,‏ ودعه يعيش تجربته حتي لوكانت فاشلة‏,‏ فقد فعل ذلك معك وأنت صغير أفلا تفعل ذلك معه الآن‏.‏

احتضن أمكن ولاتقبلن أن تسقط دمعة من عينيها‏,‏ فما أقسي دموع الأم خاصة إذا كانت دموع الحرمان والحب‏.‏