هل المصريون قابلون للإستبداد ؟؟

وفاة مواطن واحد ضحية لإعتداء ظالم من الشرطة , أدت إلى إندلاع إنتفاضة كبرى فى اليونان .. وفى العالم كله , ما إن تحاول أى حكومة تزوير الإنتخابات حتى ينزل ملايين المتظاهرين فى الشوارع , ولا تهدأ ثورتهم حتى يتم إلغاء الإنتخابات وتقديم المزورين للمحاكمة ..
بالمقابل , فإن ما يحدث فى مصر يعتبر فريدا من نوعه .
فالإنتخابات تزور بإنتظام , والضحايا يتساقطون يوميا من جراء تعذيب الشرطة , ونصف المصريين على الأقل يعيشون تحت خط الفقر , بل أن ضحايا الفساد والإهمال من شهداء العبارات الغارقة والقطارات المحترقة , والمبيدات المسرطنة , قد فاق عددهم شهداء مصر فى كل الحروب التى خاضتها .
هذه المظالم تكفى لإندلاع عشر ثورات , لكنها فى مصر لم تؤد حتى الأن إلى تمرد شعبى حقيقى . صحيح أن حركات الإعتراض والإعتصامات والمظاهرات تتزايد كل يوم , إلا أنها مع ذلك تظل أقل بكثير من جحم معاناة المصريين , مما يدفعنا إلى التساؤل : هل المصريون بطبيعتهم قابلون للإستبداد , وأكثر إستعدادا للإذعان والخضوع من الشعوب الأخرى ؟
الإجابة نجدها فى التاريخ .. فقد خاض المصريون نضالا طويلا مريرا ضد الإحتلال البريطانى , ودفعوا ثمنا باهظا وقدموا آلاف الشهداء حتى أرغموا بريطانيا , أكبر قوة إستعمارية على وجه الأرض آنذاك , على أن ترحل عن مصر .. وهذا واحد من عشرات الأمثلة التاريخية , يدل على أن الإذعان للظلم ليس عيبا خلقيا فى طبيعة المصريين , وإنما هو حالة طارئة مستحدثة جعلت المصريين يبدون الآن وكأنهم شعب خاضع مذعن , قدرته على تحمل الظلم بلا حدود .. وظاهرة إذعان المصريين ترجع فى رأيى إلى سببين :
أولا : بالرغم من الإحتلال البريطانى وإستبداد القصر , فإن القمع الذى مورس على المصريين قبل ثورة 1952 أقل بكثير من ذلك الذى مارسته عليهم حكوماتهم الوطنية .. وقد كان والدى , الكاتب الراحل عباس الأسوانى , من الناشطين فى حركة مصر الفتاة , مما أدى إلى إعتقاله بشكل منتظم خلال الأربعينيات , فلم يتعرض للتعذيب مرة واحدة أثناء إعتقاله , بل أنه فى يناير 1952 قبض عليه بتهمة التحريض على حريق القاهرة ( وكانت عقوبتها الإعدام آنذاك ) فتم إحتجازه فى سجن الأجانب , حيث تلقى مع بقية المتهمين معاملة إنسانية كريمة , وكانت أسرته تبعث له بالغداء يوميا من أفخم مطاعم القاهرة , وتمده بالسجائر الأجنبية من النوع الذى يفضله .. ولايمكن مقارنة ذلك , إطلاقا , بالتعذيب البشع الذى تعرض له المعتقلون السياسيون على أيدى حكوماتهم الوطنية بدءا مع عهد عبد الناصر وحتى الآن ..
بل أن حادثة دنشواى التى درسناها فى المرحلة الإبتدائية كدليل دامغ على جرائم الإحتلال البريطانى , تعتبر فعلة هينة إذا قورنت بالجرائم التى يرتكبها اليوم ضابط واحد من زبانية أمن الدولة فى حق أبناء وطنه .. وهنا يتضح أن القمع المروع غير المسبوق الذى تعرض له الإنسان المصرى منذ الثورة حتى الأن , قد أدى للأسف إلى كسر روح المبادرة فى نفوس المصريين . لقد إستبعدت الدولة البوليسية الإنسان المصرى تماما من المشاركة الحقيقية فى أحداث بلاده .. وقد تربت أجيال متعاقبة من المصريين على الإنسحاب الكامل من العمل العام , وإنتشرت روح اليأس من التغيير , وإستقر فى يقين المصريين أنه لاجدوى من الإعتراض على الحاكم , لأنه سوف يفعل مايريده شئنا أم أبينا , بل إن قطاعا عريضا من المصريين يعتبر العمل بالسياسة دليلا على السذاجة أو الحماقة التى لن تجر على صاحبها إلا المصائب... وأنا لا أعتبر عزوف المصريين عن العمل العام دليلا على جبنهم أو تخاذلهم .. ففى أى بلد فى العالم , عندما يعلم المواطن أن إشتراكه فى مظاهرة سيؤدى حتما إلى إعتقاله وضربه وتعذيبه , وقد يؤدى إلى هتك عرض زوجته أو إبنته أمام عينيه أو إعتقاله لسنوات .. من الطبيعى عندئذ أن يفكر ألف مرة قبل أن يشارك فى العمل السياسى .
ثانيا : منذ السبعينات , إنتشر فى مصر التفسير السلفى الوهابى للدين , وساعد على ذلك عوامل عديدة .. إستعمال أنور السادات للدعاية الدينية من أجل تدعيم نظام الحكم, وإرتفاع أسعار البترول بعد حرب أكتوبر مما منح السعودية قوة تأثير غير مسبوقة , ثم قيام الثورة الإيرانية التى أعتبرها النظام السعودى خطرا محدقا , فأنفق مليارات الدولارات لنشر الفكر الوهابى الذى يعتبر المعادل الدينى , وصمام الأمن لحكم آل سعود .. أضف إلى ذلك أن ملايين المصريين قد أرغمهم الفقر على العمل فى السعودية والخليج لسنوات . عادوا بعدها وقد تشبعوا بالأفكار السلفية .. ومن عيوب الفكر السلفى أنه يحجب عن الناس الرؤية الموضوعية للواقع , فمهما تكن المعاناة والمظالم الذى يتعرض لها المسلم , لن تخرج فى المفهوم السلفى عن إحتمالين : إما أن تكون عقابا من الله على ذنوب إرتكبها أو إختبارا من الله لمدى إيمانه وصبرة على المكاره ,.
ومن الطبيعى أن يؤدى هذا الفهم للدين إلى تخدير عقول الناس وإضعاف إرادتهم مما يجعلهم أكثر إستعدادا لقبول الظلم والخضوع للإستبداد ....
ولا يجب أن ننسى هنا الحصانة الكاملة التى يمنحها الفكر السلفى للحاكم .. فالرأى الغالب عن السلفيين وجوب الطاعة المطلقة للحاكم مادام يؤدى شعائر الإسلام , حتى وإن ظلم الرعية وقمعهم ونهب أموالهم .. وهذا الفهم أبعد مايكون عن الإسلام الحقيقى , لكنه إرث فكرى متخلف إنتقل إلينا من فقهاء السلطان الذين إستعملوا الدين لتدعيم الطغاة فى عصور الإنحطاط ..
على أن إنتشار هذه المفاهيم قد ساعد بالتأكيد على تعطيل إرادة المصريين السياسية , ولعل ذلك يفسر لماذا يغضب السلفيون فى مصر من مشهد عار فى فيلم سينمائى أو أغنية مصورة فيعلنون الحرب ويقيمون الدنيا ولايقعدوها .. بينما يتفرجون , فى نفس الوقت , على تزوير الإنتخابات ومحاولات التوريث وإعتقال الأبرياء وتعذيبهم , فلا يحركون ساكنا وكأن الأمر لايعنيهم . والسبب فى ذلك أن الفصل الخاص بالحقوق السياسية محذوف أساسا من كتاب الفكر السلفى ..
وقد أدى هذا الفهم المغلوط للدين إلى إتساع الفارق بين المظهر والجوهر فى حياتنا اليومية بشكل غير مسبوق ....
فإنتشرت فى مصر ظاهرة التدين البديل , حيث تم إختصار الإسلام العظيم فى العبادات والمظاهر فقط .. وبدلا من الجهاد لتحقيق المبادىء التى نزل الإسلام من أجلها : الحق والعدل والحرية .. إقتصر مفهوم التدين البديل على أداء الصلوات ولبس الحجاب والنقاب وتلاوة الأدعية وتحريم الدبلة الذهبية وما شابه ذلك , والحق أننى أتأمل يوم الجمعة آلاف المصريين الذين يزحفون إلى المساجد لأداء الصلاة وأتعجب : فهؤلاء المتدينون الخاشعون بصدق , يعتبرون أن ترك الصلاة أو شرب الخمر أو تبرج النساء ذنوبا عظمى لايمكن السكوت عليها أبدا .. لكنهم فى نفس الوقت يعيشون أذلاء تحت حكم إستبدادى يزور إرادتهم ويقمعهم ويستهين بحقوقهم الإنسانية والسياسية ... ومع ذلك لايجدون فى ذلك الخنوع مايجرح عقيدتهم الدينية ..
الخلاصة : إن الإنسان المصرى ليس مذعنا ذليلا بطبيعته , لكن المجتمع مثل الإنسان يصح ويمرض .. والمجتمع المصرى الآن مصاب بمرض الإذعان للظلم , نتيجة لقمع الدولة البوليسية والقراءة المتخلفة للدين ..
واجبنا الأهم أن نتخلص من ذلك الإذعان المشين .. عندئذ سوف نستعيد قدرتنا على صنع مايحدث فى بلادنا , عندئذ سوف نواجه الظلم ونسقطه وننتزع المستقبل الذى تستحقه مصر ..
إن الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .

مقالة علاء الأسوانى فى جريدة الشروق (( جمله إعتراضية ))
17 فبراير 2009