يعيش المسلمون في زمن انفتحت فيه الدنيا على مصراعيها؛ فقد تعدَّت مقولة العيش في قرية واحدة مرحلتها ، وصرنا نعيش في عالم يجتمع في غرفة واحدة ، فالقنوات الفضائية دخلت البيوت ، والمواقع الإلكترونية استقطبتها أروقة الدور والعمل ، فصار المرء يتلقَّى آراء عديدة، وتوجهات متغايرة، تجعله يتابعها وهو في غرفته ليل نهار.

وفي خِضَمِّ هذه التحديات والاختلافات؛ يجدر بالمسلم ، أن تكون لديه رؤية ناضجة في مواجهة هذه التحديات ، فإنَّ فيها الحق والباطل ، والصواب والخطأ، ومن المهم أن يكون لدينا طرق واضحة للتعامل مع هذه التحديات والاختلافات، فمواجهتنا لهذه التحديات الثقافية تتطلَّبُ منَّا قوَّة عقدية، وركائز ثابتة، تأخذنا لبرِّ الأمان ، وشاطئ النجاة.

ولا بدَّ لسائل أن يقول: وكيف نحصِّن أنفسنا وفكرنا من الداخل ، خشية أن يضلَّنا ما هو زائغ عن المنهج القويم ، وما الأسس والأصول التي تكوِّن لدينا حصانة شرعيَّة ، نستطيع ـ بإذن الله ـ بعدها أن نردَّ الغلط إذا أوردت الشبهات ، وخصوصاً في ظلِّ ما يمارس الآن من الحرب الإعلاميَّة الغازية للأفكار والعقول المسلمة؟

لعلَّ الجواب يكمن في عدَّة نقاط وحلول مساعدة ـ بإذنه تعالى ـ ببناء الحصانة الشرعية في العقليَّة الإسلامية، وسأذكرها في مطلبين خاصَّين ورئيسين، لتيسير المعلومة، وتقسيم كل شيء وما يخصُّه:


• حلول عامة لجميع فئات المجتمع:


الحلول المذكورة في ثنايا هذه السطور تعم جميع شرائح المجتمع، المثقف وغير المثقف، والعالم والأمي، وهي على النحو التالي:

1) التعلُّق باللَّه ـ عزَّ وجل ـ والاستعانة والاستعاذة به ، وسؤاله الهداية والثبات والممات على دين الإسلام من غير تبديل ولا تغيير ، ولنا في رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أسوة وقدوة ، فقد كان يسأل ربَّه الهداية ، وكان كثيراًَ ما يسأله الثبات على هذا الدين ، وعدم تقلُّب قلبه عن منهج الإسلام ، ويستعيذ به من أن يضلَّ أو يُضلَّ ، كما كان ـ عليه السلام ـ يستعيذ من الفتن ما ظهر منها وما بطن ، فالدعاء الملازم لذلك والانطراح على عتبة العبوديَّة ، وملازمة القرع لأبواب السماء بـ:(ربَّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنَّك أنت الوهاب) إذا اجتمعت هذه كلَّها ، فلاشكَّ أنَّ رحمته سبحانه سابقة لغضبه وعقابه ، ومحال أن يتعلق العبد بربِّه حقَّ التعلُّق ، ويعرض عنه الله ـ سبحانه وبحمده ـ وهو الكريم الوهاب.

2) الثِّقة واليقين بالله ووعده وحكمه وأوامره، والشعور بالمسؤوليَّة عن حفظ الدين من شبهات المغرضين ، وعدم خلطه بالباطل ، أو لبسه إياه ، ومن ثمَّ الصبر على مكائد المنفِّذين والمسوِّغين للشُّبهات، فإنَّه سبحانه وتعالى يقول:(وإن تصبروا وتتَّقوا لا يضرُّكم كيدهم شيئاً) وقد قال الإمام ابن تيميَّة ـ رحمه الله ـ:(بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين)[1] وممَّا يشهد لذلك قوله تعالى:(وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لمَّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) السجدة(24).

3)تلقِّي العلم عن العلماء الربَّانيين ، وإرجاع المسائل المشكلة إليهم ليحلُّوها ويوضِّحوا ما أبهم على صاحبها، فلا يستعجل في قبول فكرةٍ أطلقها من لا يؤمن فكره ، ولا يبقي تلك الشُّبهة في صدره حتَّى تعظم ، بل ينبغي عليه أن يضبط نفسه بالرجوع للراسخين من أهل العلم ؛ فإن الله ـ تعالى ـ يقول:(فاسألوا أهل الذكر إن كنت لا تعلمون) وذلك لأنَّ هذا العلم دين يدين به العبد لربِّه ويلقاه به إذا مات عليه، ولهذا قال الإمام محمد بن سيرين ـ رحمه الله ـ:(إنَّ هذا العلم دين ؛ فانظروا عمَّن تأخذون دينكم)[2]

4)البناء الذاتي عبر معرفة مصادر التَّلقي الخاصَّة بمنهج أهل السنَّة والجماعة ، ومناهج الاستدلال الصحيحة ، وملء القلب بنور الوحي من الكتاب والسنَّة، مع ملازمة إجماع أهل السنَّة والجماعة ، فإنَّ هذه المصادر عاصمة من قاصمة الوقوع في الخطأ والانحراف والزلل، وسبب أكيد لسدِّ باب الشبهات المظلمات ، وذلك ـ بعونه تعالى ـ مساعدٌ لحماية العقل المسلم من مضلاَّت الفتن.

قال أبو عثمان النيسابوري:(من أمرَّ السُّنَّة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة ، ومن أمرَّ الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة لأنَّ الله تعالى يقول:(وإن تطيعوه تهتدوا))[3].

ومن ذلك إرجاع المجمل إلى المبيَّن ، والمطلق إلى المقيَّد ، والمؤوَّل إلى الظاهر، والجمع بين الأدلَّة التي ظاهرها التعارض ، بالرجوع لكتب أهل العلم ، واستقاء معاني الألفاظ من العلماء الربَّانيين ، وكذا برد المتشابه إلى المحكم ، وقد روت عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنَّ رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قرأ:(هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنَّ أمُّ الكتاب وأخر متشابهات فأمَّا الذين في قلوبهم زيغ فيتَّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلاَّ الله والراسخون في العلم يقولون آمنَّا به كلٌّ من عند ربِّنا وما يذَّكر إلاَّ أولو الألباب) ثم قال ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ:" فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه ، فأولئك الذين سمَّى الله ؛ فاحذروهم"[4]

5)التعلُّق بكتاب الله قراءة وفقهاً وتدبُّراً وعملاً ، ولو أقبل الخلق على كتاب الله وانتهجوا بنهجه ، لأجارهم ـ سبحانه ـ من الفتن ، فالقرآن شفاء لما في الصدور ، ومن يعرض عنه فسيصيبه من العذاب بقدر ابتعاده عنه (وألَّو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقاً * لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربِّه يسلكه عذاباً صعدا) ورضي الله عن ابن عبَّاس إذ قال:(من قرأ القرآن فاتَّبع ما فيه هداه الله من الضَّلالة في الدنيا ، ووقاه يوم القيامة الحساب)[5] وأحسن منه قوله تعالى :(فمن اتَّبع هداي فلا يضلُّ ولا يشقى* ومن أعرض عن ذكري فإنَّ له معيشة ضنكاً) كما أنَّ هناك آثاراً كثيرة وردت عن السلف بأنَّه من ابتغى الهدى من غير كتاب الله ، فإنَّ الله سيضلُّه ، وقد جاء عن نبيِّنا محمد ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أنَّه قال:(إنَّ هذا القرآن سبب طرفه بيد الله ، وطرفه بأيديكم ، فتمسَّكوا به ، فإنَّكم لن تضلُّوا ولن تهلكوا بعده أبداً)[6] وأخبر ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ حين كان يخطب بصحابته الكرام في حجَّة الوداع قائلاً لهم:(وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به. كتاب الله) [7] ورحم الله من قال:

كتاب الله عزَّ وجلَّ قولي وماصحَّت به الآثار ديني

فدع ما صدَّ من هذي وخذها تكن منها على عين اليقين[8]

6) إصلاح القلب ومجاهدته ، ومن حاول ذلك وجدَّ واجتهد في تحصيله ، فليبشر بالهداية واليقين ، فاللَّه ـ تعالى ـ يقول:(والذين جاهدوا فينا لنهدينَّهم سبلنا وإنَّ الله لمع المحسنين)، وأمَّا من أعرض عن إصلاح القلوب وعن ذكر الله ـ تعالى ـ فسيجد نفسه في شقاق، ومع الآخرين في فراق، وصدق الله ـ عزَّ وجل ـ حيث قال:(فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنَّما هم في شقاق) البقرة:(137).

7)ملازمة الجلوس مع الصالحين ، والمنتمين لمنهج أهل السنَّة ، وتجنُّب مجالسة أهل الأهواء ، وقد نهانا رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ وخصوصاً في آخر الزمان عن الاستماع للضلاَّل، فقد روى أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنَّ رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال:(سيكون في آخر أمتي ناس يحدِّثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإيَّاكم وإيَّاهم)[9]، ونهانا ـ عليه الصلاة والسلام ـ عن صحبة ضعاف الإيمان، وأمرنا بصحبة المؤمنين فقال:(لا تصاحب إلاَّ مؤمناً )[10] فينبغي الحذر من الجلوس إلى أهل الزيغ والهوى والالتفات إليهم ، وخاصَّة إن كانت الخلفيَّة لذاك الجالس مهلهلة في الجانب العقدي ، وقد كان أهل السنَّة يوصون تلاميذهم بمجالسة الأخيار والصالحين ، والإعراض عن أهل الزيغ والفسق والهوى ، ورحم الله الشيخ أبا الحسن البربهاري حين قال:(وعليك بالآثار ، وأهل الآثار، وإياهم فاسأل، ومعهم فاجلس، ومنهم فاقتبس)[11]

ويكفي أنَّ من فضائل ذلك أنَّ أصحاب الخير يدلُّون رفقاءهم على سبل الهدى ، ولهذا فحين كان ابن القيم يورد على شيخ الإسلام ابن تيميَّة بعض كلام أهل الهوى إيراداً بعد إيراد ، أوصاه ابن تيميَّة قائلاً:(لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السِّفِنْجَة ، فيتشربها ، فلا ينضحَ إلاَّ بها ، ولكن اجعله كالزجاجة المُصمَتَة تمُرُّ الشبهات بظاهرها، ولا تستقرُّ فيها ، فيراها بصفائه ، ويدفعها بصلابته ، وإلاَّ فإذا أَشْرَبْت قلبك كلَّ شبهة تمر عليها صار مقراً للشبهات أو كما قال.) ـ ثمَّ قال ابن القيم ـ فما أعلم أني انتفعت بوصيَّة في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك)[12].

8) دراسة تاريخ الأمم، والحوادث الزمنيَّة السابقة، فإنَّ بذلك تتكوَّن لدى المرء حصيلة تراكميَّة معرفيَّة، وتتحقَّق من خلالها ثمرات عديدة منها : معرفة السنن الربَّانية، ومعرفة الحقائق الهامة في حياة البشريَّة، كما أنَّ دراسة التاريخ تعطي حصانة ضد الخرافات ضدَّ الخرافات والبدع والضلالات التي هي من أسباب الهزيمة والخذلان، والتاريخ كذلك يساعد على فهم الحاضر وتحليله[13] وكل هذا مفيد لتحصين المرء من شبهات أهل الزيغ والكيد المعاصر.

9)اكتساب مهارات التفكير المتنوعة المنضبطة بالمنهج الإسلامي، والتي تعود الذهن على طريقة التحليل للعبارات والكلمات والمناهج، فتعطي للمرء دفعة حيويَّة واعتزازاً بمنهجه، وتجعل عقله وقلبه لا يعتمد في أخذه ونهله من شتَّى المعارف والعلوم إلاَّ على ضوء الدليل والحجَّة والبرهان، وليس لمجرد محاكاة الآخرين، أو تقليدهم، أو تسلط بعضهم على بعض؛ لكي يأخذوا بمنهجهم أو فكرهم دون بيَّنة، ولهذا فإنَّ الشخص المحصَّن يرفض ما يسمَّى بـ:(الدوجماتيَّة)أي : تسلُّط الأفكار والآراء غير الصحيحة.


• حلول خاصة بأهل العلم والفكر والقيادة:


فيما يلي ذكر الحلول التي تخص أهل العلم الفكر والقيادة والتربية، حيث إني رغبت بأن تكون لهم كلمة تخصُّهم، من باب الاقتراح والتذكير( والذكرى تنفع المؤمنين)، وهي على النحو الآتي:

1)تنقية الثقافات ممَّا يعتريها من خلل ، أو تشويش، فزمننا زمن الانفجار المعرفي والذي جعل الكم الهائل من المعرفة والمعلومات متاحة لنا في كل وقت ، ومن المؤكَّد أنَّها تحوي الغث والسمين ، ووظيفة المسلم حيال ذلك أن ينقي المعلومات من مصدرها ، ويقدمها بصورة جيدة سلسة خالية من العيوب والنقائص ، وهذا ما نحتاجه في زمن الاتصال الفكري = أن يكون هناك علاج للثقافة الوافدة إلينا وتمييز طيبها من خبيثها ، فثقافة الأرض لكلِّ الأرض ، ومن المهم الانفتاح عليها بشروط وضوابط ، والدور المناط بأهل العلم والفكر المؤصَّلين والمتقدِّمين هو التنقية والتصفية لجميع الثقافات وإدخال الحسن منها إلى دائرة المحيط الإسلامي واستبعاد رديئها.

لقد كان يقول غاندي:(يجب عليَّ أن أفتح نوافذ بيتي؛ لكي تهبَّ عليها رياح كل الثقافات؛ بشرط ألاَّ تقتلعني من جذوري) فإذا كان هذا قول لرجل كافر بالإسلام ويدين بالهندوسيَّة؛ ومع هذا فإنَّه محافظ على جذوره وثوابته التي يراها صحيحة، فما البال بالمسلم الذي يتلقَّى نور الوحي من كتاب الله وسنَّة رسوله ومصطفاه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ إنَّ الجدير به المحافظة على هويَّته والبعد أيَّما بعد عن الانمحاق بالمشاريع التي تستلب فكره وثقافته، شعر أم لم يشعر!

ومن جميل ما اطَّلعت عليه كلام للشيخ المفسِّر محمد الأمين الشنقيطي ـ رحمه الله ـ يتحدَّث عن هذا الصدد، فيقول:(إنَّ الموقف من الحضارة الغربيَّة ينحصر في أربعة أقسام لا خامس لها:

الأول : ترك الحضارة نافعها وضارها.

الثاني : أخذها كلها ضارها ونافعها.

الثالث: أخذ ضارها دون نافعها.

الرابع: أخذ نافعها وترك ضارها.

فنجد الثلاثة الأولى باطلة بلا شك، وواحداً فيها صحيحاً بلا شك، وهو الأخير) [14]

وبلغة فكريَّة موضوعيَّة يقول المفكر والباحث التربوي ماجد عرسان الكيلاني:(لا يُسمح للمسلمين بفتح الأبواب والنوافذ على مصاريعها لأي تيار غريب، وإنَّما الواجب أن يجري من خلال المختصين المسلمين الذين يتلقون الأفكار والعقائد والثقافات الوافدة من خارج ثم يدرسونها ويحللونها ويهضمونها ويسمحون لما يتلاءم مع روح الإسلام منها) [15]

2) العناية بعلم مصطلح الحديث وأصوله؛ فإنَّ له دور كبير في(جعل العقل المسلم ينتقل من عقل خرافي يتبع الظنون والأوهام إلى عقل علمي يتَّبع الحجَّة والبرهان، ومن عقل مقلِّد تابع إلى عقل متحرر مستقل، ومن عقل راكد إلى عقل متحرك، ومن عقلٍ مدَّعٍ متطاول إلى عقل متواضع، يعرف حدَّه فيقف عنده) [16]

3)معرفة مقاصد الشريعة ، ومرامي الدين الإسلامي، لأنَّها تمنح المسلم قوَّة منهجيَّة كبيرة ، ولقاحاً ضدَّ الانحرافات، و(معرفة المقاصد تعطي المسلم مناعة كافية ، وخاصَّة في وقتنا الحاضرـ ضدَّ الغزو الفكري والعقدي، والتيارات المستورة ، والمبادئ البرَّاقة والدعوات الهدَّمة، التي يستتر أصحابها وراء دعايات كاذبة ،وشعارات خادعة ، ويبذلون جهدهم لإخفاء محاسن الشريعة وتشويه معالمها، والافتراء عليها،وإلصاق الشبه والأضاليل بها والتمويه على السذج والبسطاء وأنصاف المتعلِّمين بالطلاء الخادع والمكر المكشوف) [17]

4) تكثيف البرامج التوجيهيَّة ، وأخصُّ بالذكر وسائل الإعلام بشتَّى أصنافها ، ومحاولة زرع الثقة في قلوب المسلمين بالاعتزاز بدينهم وعقيدتهم ، وتمكين قواعد الإسلام في قلوبهم ، والرد على ما يضادها ، وحتماً سيولِّد ذلك قناعة بأولويَّة الأصول الإسلاميَّة في قلوب المسلمين ، وبناء الرسوخ العقدي في قلوبهم ، وذاك التحصين الذي نريد.

5) إنشاء مراكز الأبحاث والدراسات المعنيَّة برصد الانحرافات الفكريَّة ، والتعقيب عليها بتفنيد الشُّبه، والجواب عن الشكوك و الإثارات التي تخرج من بعض المارقين من قيم الإسلام ومبادئه ، والجهاد الفكري ضدَّها، من منطلق قوله تعالى:(وجاهدهم به جهاداً كبيرا) فنحن بحاجة إلى تفعيل هذه المراكز بقوَّة البحوث ، وضخِّ المال الداعم لها ، وتوظيف الباحثين المتمكِّنين فيها، وإعطاؤها قدراً من الشهرة والانفتاح على الوسائل الإعلاميَّة.

6) الانخراط في وسائل الإعلام بشتَّى صورها وألوانها ، من قِبَلِ العلماء والمفكرين المنتمين لمنهج أهل السنَّة والجماعة،وعرض منهجهم تجاه المناهج الأخرى، وبخاصَّة من الأقوياء المتمكِّنين منهم ، وإنَّ ممَّا يؤسف له ، أن تجد بعضاً من وسائل الإعلام ، تستضيف رجلاً بأفكار منحرفة ، وتقابله بآخر من المنتسبين لمنهج أهل السنَّة لا يكون مستواه في التقديم الفكري بتلك القوَّة اللاَّزمة، ممَّا يؤثر سلباً تجاه الناظرين لتلك المحطَّات الإعلاميَّة لحديث هذا الرجل السُّنِّي، كما أنَّ من اللازم لأهل العلم أن لا ينأون بأنفسهم عن تلك المواجهات الفكريَّة والثقافيَّة مع مناقشة المخالفين، بل يغلِّبون جانب المصلحة العظمى والكبرى في نصرة أهل السنَّة وقضاياهم على عدم الخروج في تلك الوسائل بسبب بعض السلبيات أو المفاسد الصغرى، مع الإدراك والمعرفة بأنَّ كثيراً من المهيمنين على الوسائل الإعلاميَّة يأتوننا بمفكرين ومنتسبين للعلم ، ليفصِّلوا لنا إسلاماً على المزاج الغربي ، أو ما يسمُّونه بـ(الإسلام الليبرالي)! وما الدعوات السيئة التي تخرج منهم أو من بعض أذنابهم بما يسمى بـ (تطوير الخطاب الديني) إلاَّ ليصدوا المسلمين عن تمسكهم بدينهم الحق، وليستبدلوا به الانهزامية والتراخي ، والذي لن ينصر حقاً ولن يكسر باطلاً ، بل مقصوده الأساس تحريف المفاهيم لدى المسلمين ، وتحريف المفاهيم أشدُّ خطراً من الهزيمة العسكرية ، ومن هنا كانت مخطَّطات أعداء الإسلام (لأنَّ هزيمة الأمَّة في أفكارها تجرِّدها من الحصانة وتتركها فريسة لأي مرض أو وباء فيسهل بعد ذلك احتواؤها وتفكيك معتقديها)كما يقول الأستاذ المفكِّر: محمد قطب ـ حفظه الله ـ [18]

7)الدراسة الواعية والناقدة للأفكار والملل والنحل المغايرة لمنهج أهل السنَّة ، مع الحذر من أهلها ، وتمكين العقلية الإسلاميَّة من أدوات الفهم والنظر والمعرفة لرصد الانحرافات الفكرية ، ومعالجتها على ضوء الشريعة ، وممَّا يبيِّن أهميَّة ذلك أنَّه تعالى فصَّل لنا وسائل المجرمين وأساليبهم وحججهم ، وردَّ عليها داحضاً لها ، فمعرفة وفقه المداخل التي يدخل بها أهل الزيغ والهوى لإقناع من يريدون ضمَّه إليهم ، أصلٌ نبَّه عليه تعالى فقال:(وكذلك نفصِّل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين)،ولهذا يقول حذيفة بن اليمان:(كان الناس يسألون رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ عن الخير ، وكنت أسأله عن الشرِّ مخافة أن يدركني) [19] فمعرفة الشرِّ وأهله منهج أساس لأهل السنة والجماعة وكشف خُدَعه، كما يقول قائلهم:

عرفت الشَّرَّ لا للشَّر لكن لتوقيه ومن لا يعرف الخير من الشَّر يقع فيه

8)إذا شعر المرء أو غلب على ظنِّه بأنَّه قد يفتن في دينه ؛ فلا ينبغي له قراءة كتب أهل الهوى والزيغ، ولو قصد بذلك الردَّ عليهم، ومناقشة شبههم، لأنَّ درء المفاسد والانحرافات عن هذا المرء مقدَّمة على جلب المصالح في الذبِّ عن هذا الدين ، بل ينأى المسلم بنفسه عن الشبهات، ولا يجعلها متهافتة على قبولها، ويجعل نفسه مطمئنَّة إلى الاستيقان بعظمة هذا الدِّين ، وثبات أصوله ، فيخلِّي قلبه ونفسه من متابعة الشبهات ، ولا يجعلها لاقطة لأي تشكيك في دين الإسلام ، وقد قيل : من اتَّقى الشبهات سلم قلبه من الشتات ، ومن تأمَّل قوله تعالى:(فلمَّا زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) وقوله :(ولكنِّكم فتنتم أنفسكم وتربَّصتم وارتبتم) علم أنَّ بعض النفوس تتطاير على منافذ الشبهات والضلالات ـ عياذاً باللَّه ـ وحين بلغ عمر بن الخطَّاب ـ رضي الله عنه ـ أنَّ رجلاً يقال له: صبيغ بن عسْل قدم المدينة وكان يسأل عن متشابه القرآن ، بعث إليه عمر بن الخطَّاب ـ رضي الله عنه ـ وقد أعد له عراجين النخل، فلما دخل عليه وجلس قال: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ. قال عمر: وأنا عبد الله عمر، وأومأ عليه، فجعل يضربه بتلك العراجين؛ فما زال يضربه حتى شجه، وجعل الدم يسيل عن وجهه، قال: حسبُك يا أمير المؤمنين! فقد والله ذهب الذي أجد في رأسي) [20].

لقد حدَّثتنا كتب التاريخ أنَّ عمران بن حطَّان، كان من رجال أهل السنَّة والجماعة، بل كان لديه شيء من العلم، ولكنَّ قلبه عشق امرأة من الداعيات لمنهج الخوارج، وهي الفرقة التي أخبرنا ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنَّها تمرق من الإسلام كما يمرق السهم من الرميَّة ـ عياذاً بالله ـ وظنَّ عمران بن حطَّان برؤيته المبدئيَّة أنَّه يستطيع أن يصرف زوجه عن ذلك الرأي (المتطرف)، ولكن كما قال الشاعر:

أتاني هواها قبل أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكَّنا

فعمران حين تزوجها وعلق قلبه بها، استطاعت زوجه أن تؤثِّر عليه، وتقلب فكره ليكون فيما بعد، زعيماً من زعماء الخوارج، وقائداً من قادتهم، وذلك لضعفه تجاه زوجه، واستيلاء الشبهة على قلبه، فكان ما كان! ولهذا قال عنه ابن حجر العسقلاني:(تزوج عمران امرأة من الخوارج ليردها عن مذهبها فذهبت به) [21]

9)التربية للنشء بما يرضي الله، والتحاور معه بتبيين فساد شبهات أهل الزيغ والهوى، مع قوَّة الإقناع، وأدب الحوار ، فالتنشئة الصحيحة على التحصين العقدي هي أول عمليَّة في التربية؛ بتربيتهم على العقيدة الصحيحة ، وحماية ذواتهم من العبث الفكري ، وبناء الشخصية الإسلاميَّة التي لا تؤثِّر فيها تيَّارات التشكيك ، وإرسالهم إلى المربِّين الثقات لتربيتهم على أصول ديننا ، وإنَّ من مهام التربيَّة الجادَّة عدم تسليم الأبناء إلى الأماكن الموبوءة بالشبهات ، فإنَّ ذلك خيانة وغش للرعيَّة ، وفي الحديث الذي رواه معقل بن يسار المزني ـ رضي الله عنه ـ في مرضه الذي مات فيه : قال سمعت رسول ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ يقول: (ما من عبد يسترعيه الله رعيَّة يموت يوم يموت وهو غاش لرعيَّته إلاَّ حرَّم الله عليه الجنَّة) أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له ، وأحد لفظي البخاري :(ما من مسلم يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة).

وهاك نموذج فريد يتضح من خلاله دور أهل التربية والفكر في الحفاظ على هويَّة أولادهم، ووقايتهم من الانحرافات الفكريَّة والمخالفات الشرعية، فهذه عابدة المؤيد العظم حفيدة الشيخ المربي علي الطنطاوي ـ تغمده الله بواسع رحمته ـ تقول عن جدها:(وعلمني فن القراءة؛ أي الطريقة الصحيحة لقراءة أي كتاب ..... ـ ومن الطرق التي نبهها عليها ما قالته حفيدة ـ ثم أنتبه لاسم المؤلف فلا أقرأ لأي كان لأنَّ اتجاهات الكاتب وقناعاته في الحياة سوف تظهر ـ على الأغلب ـ في كتابه، وربما كان مفسداً مدلسا وقد سمَّى لنا بعضاً من أولئك الكتَّاب ونهانا عن القراءة لهم قبل أن يشتد عودنا؛ لما يعرف من انحرافاتهم وفساد عقيدتهم، مثل جورجي زيدان في رواياته المسماة:(روايات تاريخ الإسلام) خوفاً من أن نعجز عن التمييز بين الصحيح والخطأ) [22]

وما أجمل ما قاله أيوب السختياني ـ رحمه الله ـ:(إنَّ من سعادة الحدث والأعجمي ، أن يوفِّقهما الله لعالم من أهل السنَّة) [23] ليكون أهل التربية معينين لهم على تقوية عقيدتهم ، ودرء عبث غزاة الأفكار والعقول عنها ، مع التحذير الملازم لهم بخطر الأخذ عن غير أهل السنَّة، وإن استطعنا منعهم من ذلك فهو الأحسن ، إلاَّ أنَّ المنع لابد أن يكون بإقناع لهم ، وقد يكون منعهم متعذراً في هذا الزَّمن ، لأنَّهم قد يمنعون فتأتيهم ردَّة فعل تجعلهم يصرُّون على ما سيطالعونه أو يسمعونه ، ولكن الأسلوب التربوي يرجِّح أن يناقش الأب أو المربِّي ذلك الشاب ويبيِّن له أوجه الخطأ التي وقع بها أهل الضلال ، فلا منع مطلق ، ولا إباحة مطلقة ، بل إكسابهم مناعة فكرية وفق ضوابط وتحذير ودعم تربوي.

وقد يقول قائل : إنَّ منهج جمع من السلف الصالح منع الناس من سماع البدع والشبهات ؛ وحقَّاً فإنَّ ذلك الأفضل ولا شك، ولكنَّ السلف الصالح في ذاك الزمن كانت قاعدته هي الإسلام وقيمه ومبادئه، وكان الأمر إليهم وبيدهم ، وأمَّا الآن ليس لنا من قوَّة الإسلام ما كان، فإنَّ النَّاس في هذا الزمن للفتنة أقرب منهم للإسلام ، وتربيتهم الآن تكون بقوَّة الكلمة الحقَّة التي تصنع المنهج، وتقنع المخاطب...

إنَّها حكمة في الأمور وتربية تستدعي التَّأمل والنظر في المآلات (ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور) فمن الضروري أن نبني جيلاً محصَّناً ـ بإذن الله ـ من لقاحات الشبهات ، وطُعمِ الشكوك ، ليكونوا على قوَّة في دينهم تجاه الهجمات الشرسة التي يواجهها أهل الإسلام من أعدائه.




الهوامش

[1] مجموع الفتاوى :( 3/358) ، ويُنْسَبُ هذا القول للإمام سفيان الثوري ـ رحمه الله

[2] أخرجه مسلم في مقدِّمة صحيحه(1/14)


[3] مجموع الفتاوى : (14/241).


[4] أخرجه البخاري برقم:(7454) ، ومسلم برقم :(2665).


[5] أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف: (6033).


[6] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف(12/165) وصحَّحه الألباني في الصحيحة(713).


[7] أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، من حديث جابر بن عبد الله ، برقم:(1218).


[8] انظر: نفح الطيب للمقَّري2/127.


[9] مقدمة صحيح مسلم:(1/12).


[10]أخرجه الترمذي وحسَّنه(4/600) برقم (2395) وأحمد في مسنده (3/38) وصحَّحه الحاكم في المستدرك (4/143) وابن حبَّان في صحيحه(2/314) وحسَّنه البغوي في شرح السنَّة:(6/468) وحسَّنه ابن مفلح في الآداب الشرعيَّة، وكذا الألباني في صحيح الجامع الصغير.