الموهبة والطفولة القاسية .. هل من علاقة؟


في دراسةٍ نُشرت في صحيفة الواشنطن بوست قال أكثر من ثلثي الموهوبين أكاديمياً أنهم تعرضوا لمعاملة قاسية أثناء وجودهم في صفوف الدراسة, ونشأت لدى ما يقارب الثلث منهم أفكار عنف نتيجة لذلك, وهذا ما أظهرته هذه الدراسة التي يعتقد أنها الأولى من نوعها في معرفة مدى انتشار وتأثير المعاملة القاسية في مجموعة يعتبر الخبراء أنها معرضة للتهديد .
وأُجريت الدراسة على 432 طالباً في 11 ولاية تشمل ماريلاند التي اشتهرت بأن أنظمتها المدرسية متميزة. إذ قالت جين سند بيترسون الأستاذة المشاركة في الدراسات التعليمية في جامعة بوردو أنها بحثت فيما إذا كان السلوك المزعج يؤثر في الأطفال الموهوبين بصورةٍ مختلفة.
وقالت بيترسون التي تجري دراستها مع المرشحة لنيل درجة الدكتوراه كارين راي: "يتأثر جميع الأطفال تأثيراً سلبياً جراء معاملتهم بقسوة, ولكن الأطفال الموهوبين يختلفون عن الأطفال الآخرين في نواحٍ معينة, وما يمرون به قد يكون مختلفاً من الناحية النوعية. ومن المهم إدراك أنه مع أن هؤلاء الأطفال متفوقون عقلياً إلا أنهم قد لا يكونون كذلك جسدياً واجتماعياً وعاطفياً."
ومن وجهة نظر بيترسون وبعض الخبراء فإن مميزات الشخصية واهتمامات كثير من الأطفال الموهوبين يمكن أن تجعلهم هدفاً للمعاملة القاسية من قبل أقرانهم. وأضافت أنه في الوقت نفسه يمكن أن يكون الأطفال الموهوبون أكثر عرضة للأذى العاطفي الذي تسببه هذه المعاملة.
وتقول الكاتبة ساندرا بودمان أن بعض الدراسات وجدت أن الأطفال الموهوبين, وبخاصة أولئك الذين يتمتعون بمستوىً عالٍ من الكفاءة اللغوية, يمكن أن يكونوا أكثر حساسية من أقرانهم الأقل منهم مستوى, بالإضافة إلى أن قلقهم يكون أكبر إزاء وضعهم الاجتماعي.
ولأن الدراسة التي أصدرتها جامعة بوردو لم تشتمل على مجموعة قياسية ولم تكن مصممة كدراسة مقارنة, فلا يمكنها أن تحدد ما إذا كانت المعاملة القاسية التي يواجهها الأطفال الموهوبون تختلف نوعاً وكماً عن تلك التي يواجهها أقرانهم. وكانت بعض الدراسات قد وجدت أن من 60 إلى 90% من أطفال المدارس قالوا أنهم كانوا يتعرضون للتخويف, بينما قال 20% أنهم قاموا بتخويف أحد زملائهم.
"هذه الدراسة بداية جيدة وتشكل جزءاً ضئيلاً من مشكلةٍ كبيرة," حسبما قالت عالمة النفس التطويري سوزان لمبر الأستاذة المشاركة في علم النفس في جامعة كليمسون جنوب كارولينا.
وقالت سيلفيا ريم الأستاذة في طب الأمراض العقلية وطب الأطفال في كلية الطب في كليفلاند أن النتائج التي توصلت إليها بيترسون تعكس ما تسمعه خلال مزاولتها مهنتها.
وقالت: "إن الأطفال العاديين يتعرضون لقسوة في المعاملة أيضاً, ولكن الأطفال الموهوبين يتعرضون لهذا النوع من المعاملة بناءً على تفوقهم الدراسي, ما يجعل قوة الطفل تتحول إلى ضعف وما يشعره بالخجل."
وذكرت بيترسون أن أحد النتائج الخطيرة تتمثل في تردد أفكار العنف على أذهان هؤلاء الأطفال. فقد اعترف 37% من الفتيان و23% من الفتيات من الصف الثامن أنهم يضمرون أفكاراً تتعلق بالعنف, كاستجابةٍ لتعرضهم للمعاملة القاسية, وقال 11% أنهم لجؤوا إلى العنف للتغلب على المشكلة, ويكون ذلك غالباً بضرب زملائهم.
الرابط بين قسوة المعاملة والعنف المدرسي جذب اهتماماً كبيراً منذ مشكلة ثانوية كولورادو الكولومبية في 1999, حيث أقدم طالبان مسلحان – تقول بيترسون أن كليهما كانا يوصفان على أنهما موهوبان ولكنهما تعرضا للمعاملة السيئة على مدى سنوات – على قتل 13 شخصاً وجرح 24 آخرين ثم انتحرا. وبعد ذلك بسنة, وجد تحليلٌ للمسؤولين في جهاز الأمن في الولايات المتحدة عن التحقيق في إطلاق النار المتعمد في 37 مدرسة أن القسوة في المعاملة التي وصفها أحد المهاجمين بمصطلحاتٍ تنم عن التعذيب تلعب دوراً أساسياً في أكثر من ثلثي هذه الهجمات.
وفي الشهرين الماضيين تمت عرقلة مؤامرات تورط فيها أطفال بعمر الـ 12 عاماً في معظم أنحاء الولايات المتحدة من ألاسكا وحتى نيو جيرسي. وكانت المعاملة القاسية تُذكر على أنها الدافع وراء ارتكاب مثل هذه الجرائم.
وقد أُفشل مخطط جايسن كيتل في 2003 الذي كان أدين بالتآمر لقتل 20 من المدرسين والإداريين وزملاء الدراسة في ثانوية فيدور في تكساس, وقد قال في مقابلة معه مارس الماضي أنه تعرض للأذى من رفاقه عندما ترك برنامجاً للموهوبين منذ أن كان في الصف الثامن. ويحاكم كيتل, الذي قبض عليه وهو في سن الـ 17 , على أنه بالغ وعليه أن يقضي أربع سنوات في السجن.
يقول علماء النفس أن الأطفال الموهوبين المعرضين للأذى غالباً ما يفرّغون غضبهم نحو ذواتهم, وكان من ضمنهم جاي.دانيال سكرغز الذي سجل معامل الذكاء لديه 139 وهو في الثانية عشرة من عمره.
إذ تعرض سكرغز للتعذيب لأكثر من عامٍ كامل على أيدي زملائه في المدرسة الإعدادية الذين دفعوه من على المدرجات وجعلوه يأكل طعامه على أرضية المطعم. ووجد محققو الولاية أن المسؤولين في المدرسة علموا بالمضايقات التي يتعرض لها, ولكنهم فشلوا في أن يضعوا حداً لها. وفي الثاني من يناير 2002, ذهب سكرغز إلى غرفته وشنق نفسه.
إحدى زائرات ريم أخبرتها أنها تخشى من الحصول على علاماتٍ مرتفعة جداً, لأنها ستصبح منبوذة.
وقالت ريم: "يتخلص بعض الأطفال من هذا الأذى إذا كانوا ماهرين في الرياضة أو إذا كانوا وسيمين جداً, ولكن إذا تعرض الأطفال للمضايقة بسبب ملكاتهم ومواهبهم فإن هذا يدفعهم للانعزال والشعور بالغضب. وعلى البالغين أن يأخذوا هذا الأمر على محمل الجد, وإلا سيتعرض الأطفال للانهيار."
وعندما أجرت بيترسون لقاءاتٍ تحليلية مع 57 طالباً ضمن دراستها, أخبرها البعض أن ذكاءهم كان يُستغل ضدهم, وأن المسؤولين في المدرسة, ومن ضمنهم المدرسين, كانوا في أسفل قائمة الأشخاص الذين يمكنهم أن يلجؤوا إليهم لطلب المساعدة.
وقالت بيترسون: "إن عدداً من الطلاب قالوا إنهم يتولون مسؤولية حل المشكلة بأنفسهم, وشعر بعضهم بأن مسؤولي المدرسة يخبرونهم ضمنياً أنه (إذا كنتم أذكياء, فعليكم أن تتوقعوا حصول ذلك)."
ووجدت معظم الدراسات أن المشكلة تفاقمت في السنوات الأخيرة في المدارس الابتدائية, وأكثر عنفاً في الإعدادية, بينما توشك على التلاشي في المرحلة الثانوية. وأوضح الطلاب الذين رأتهم بيترسون أن الصف السادس هو وقت الذروة الذي تصل فيه المعاملة القاسية إلى أعلى مستوياتها.
وقالت ريم أنها تعتقد أن المعاملة القاسية تمثل مشكلة أقل فيما لو كان الأطفال الموهوبين مجتمعون معاً, كما في عديدٍ من أنظمة المدارس في واشنطن التي تقدم برامجاً أكاديمية جيدة.
وحسب قول ماري شو – المتحدثة باسم مدارس فيرفاكس حيث تُقدّم برامج تعليمية خاصة بالموهوبين منذ التحاقهم بدور الحضانة – فإن المسؤولين هناك رفضوا التعليق على الأمر سوى بالقول أن معاملة الأطفال الموهوبين بقسوة "لا تشكل قضية بالنسبة إلينا."
وهذا ليس صحيحاً في كل مكان, فقد قال رتشارد أولنتشاك – عالم النفس التطويري ومدير معهد أبحاث المواهب المدني في جامعة هيوستن المختص بالأقلية الموهوبة من الطلاب – أن بعض الثقافات تصنف الموهوبين على أنهم "على درجة عالية من التعليم" وتظهرهم على أنهم "العقل المفكر" في سنٍ لا يريد فيه الأطفال أن يكونوا محط أنظار الجميع.
كما وجدت بيترسون أن من يتعرضون للأذى بسبب مظهرهم شكلوا 24% من المشاركين, وهو ما يزعج الطلاب كثيراً في الصف السادس والسابع, وهي ذات المرحلة التي يتعرضون فيها للأذى بسبب ذكائهم.
وفي إحدى النتائج التي توصلت إليها الدراسة, حسب بيترسون, قال 16% من الطلاب المشاركين أنهم عاملوا زملاءهم معاملة قاسية. وعلى الرغم من أن عدد الطلاب الذين قالوا أنهم تعرضوا للإيذاء في الصف الثامن كان قليلاً, إلا أن أعداد الطلاب الذين يقومون بإيذاء زملائهم يزداد