اخيرا



قرر حُلمى الإنتحار . قرر السقوط من عليائه مرتطماً بأرض الواقع
أحدث الإرتطام دوياً هائلاً فإحتشد جمعٌ من الناس على صوت الإرتطام ، وقفت بينهم مذهولاً وأنا أرى حلمى ممداً على أرض الواقع مضرجاً فى دمائه.. إنتابتنى بعض لحظات الندم .. لما لم أحاول إثناؤه عن عزمه الإنتحار؟؟؟؟!!!! وكيف لم أمنحه قدراً من الأمل فى أن يتحقق ويصبح واقعاً أعايشه بدلاً من أن يظل سراباً يخادعنى وأطارده !!!
أفقت من شرودى على بعض الهمسات والهمهمات من حولى .. توجه أحدهم بنظره إلىَّ متسائلاً

ترى حلم من يكون هذا؟؟؟ وماالذى دفعه للإنتحار ؟؟؟!!!
رددت وأنا أخفى ملامح وجهى
لا أدرى



همس أحدهم :


كان الله فى عون صاحبه . كيف له أن يحيا بلا حلم يراوده ؟؟؟!!!!


هتف أخر :


هذا الحلم لم يمت منتحراً . بل قتله صاحبه وسوف أشهد بذلك

تعجبت لما سمعت !!! مابال هذا الرجل . كيف له أن يشهد بما لم ير؟؟
حاولت أن أتوارى حتى لا يكتشف الناس أمرى . وأن هذا المنتحر هو حٌلمى وماأن هممت بالرحيل حتى وجدت رجال الشرطة قد أطبقوا علىَّ لتقديمى إلى محاكمة عاجلة . نظرت إليهم وإستسلمت بلا أدنى مقاومة . وبلا أى إستفسار أو أى محاولة لإنكار أن هذا القتيل هو حلمى المستحيل

مرت الساعات طوال منذ موت حُلمى ولا أحد يدرى مدى معاناتى لفقدهِ
فمنذ موته أشعر وكأنى مجرد كائن . يحيا زمناً ليس زمانه . فى مكان ليس مكانه . أشعر بغربة الأشياء عنى وغربتى عنها . فقدت أفحساس الفعلى بالذات . فآرانى لا شيئ فى عالم الأحياء . هذه هى هويتى بعد أن فقدت بموت حلمى حريتى

آن الآوان ومثلت فى قفص الإتهام ... لحظات صمت مرت كالدهر قبل أن ينطق الحاجب



محكمة :


بدأت المحاكمة بإستشهاد شهود الإثبات . ثم حان وقت توجيه الإتهام . فوقفت خلف القضبان
. توجه القاضى بنظراته الحادة نحوى . قائلاً

أنت متهم بقتل حلمك عامداً متعمداً مع سبق الإصرار والترصد


رددت :


عفواً سيدى أنا لم أقتل حُلمى ولكنه هو الذى أقدم على الإنتحار بملء إرادته


القاضى :


القتل لم يتم بذات اليد . فظاهراً مات حلمك منتحراً ، وباطناً أنت الذى أوعزت إليه للإقدام على ذلك . بعد أن مل إستكانتك وسئم إنكسارك وضعفك وعجزك عن أن تمنحه القدرة ليحقق ذاته ويحيا حياته

وقفت مشدوهاً . عاجزاً عن دفع الإتهام


القاضى :


الحكم بعد المداولة


أخيراً :


النطق بالحكم وقرار الإتهام


القاضى :


بعدما ثبت لهيئة المحكمة بالدليل القاطع وبشهادة الشهود . أن المتهم الماثل أمامكم فى قفص الإتهام قام بدفع حلمه للخلف . وليس الأمام . فسقط صريعاً على أرض الواقع . محدثاً دوياً هائلاً وإرتطام . فقد حكمت المحكمة على المتهم بسحب تراخيص الأحلام . والموت رجماً بالأوهام