كيف تقيس نفسك ؟



يقول ابن القيم –رحمه الله – فى كتابه "الداء والدواء" :-

إن الكمال الإنساني مداره على أصلين:

1. معرفة الحق من الباطل

2. وإيثاره عليه

وما تفاوتت منازل الخلق عند الله تعالى في الدنيا والآخرة إلا بقدر تفاوت منازلهم في هذين الأمرين,

وهما اللذان أثنى الله سبحانه على أنبيائه بهما في قوله تعالى:

{وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ }

ص45

فالأيدي: القوى في تنفيذ الحق,

والأبصار: البصائر في الدين,

فوصفهم بكمال إدراك الحق وكمال تنفيذه.

وانقسم الناس في هذا المقام أربعة أقسام:



القسم الأول: الأنبياء, وهؤلاء أشرف الأقسام من الخلق

وأكرمهم على الله تعالى.



القسم الثاني: عكس هؤلاء, من لا بصيرة له في الدين,

ولا قوة على تنفيذ الحق, وهم أكثر هذا الخلق, وهم الذين رؤيتهم أذى العيون وحمى الأرواح, وسقم القلوب, يضيقون الديار, ويغلون الأسعار, ولا يستفاد بصحبتهم إلا العار والشنار.



القسم الثالث: من له بصيرة بالحق ومعرفة به,

لكنه ضعيف لا قوة له على تنفيذه, ولا الدعوة إليه, وهذا حال المؤمن الضعيف,

والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله منه.



القسم الرابع: من له قوة وهمة وعزيمة,

لكنه ضعيف البصيرة في الدين,

لا يكاد يميز بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان, بل يحسب كل سوداء تمرة, وكل بيضاء شحمة,

يحسب الورم شحما, والدواء النافع سما.



وليس من هؤلاء من يصلح للإمامة في الدين, ولا هو موضع لها سوى القسم الأول

قال الله تعالى :

{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ }

السجدة24

فأخبر سبحانه أن بالصبر واليقين نالوا الإمامة في الدين, وهؤلاء هم الذين استثناهم الله سبحانه من جملة الخاسرين, وأقسم بالعصر –الذي هو زمن سعي الخاسرين والرابحين− على أن من عداهم فهو من الخاسرين, فقال تعالى:

وَالْعَصْرِ{1} إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ{2} إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ{3}

العصر

ونلاحظ أن الآيات لم تكتِف بذكر معرفتهم للحق, وصبرهم عليه,

بل ذكرت أيضا أنهم يوصي بعضهم بعضا به,

ويرشدون إليه

, ويحض بعضهم بعضا عليه