إن اختراع الكتابة الخاصة بالمكفوفين قد أكمل النقص الذي كان يعانيه نظامهم التعليمي، حيث أصبح بواسطته يستطيع الطالب الكفيف أن يمارس القراءة والكتابة كغيره من الأشخاص العاديين وإن اختلفت الطريقة .

يعتبر (لويس برايل) هو المؤسس الأول لطريقة برايل وقد ولد(لويس برايل)سنة 1809 ، وفقد بصره وهو في الثالثة من عمره ، وانضم إلى معهد باريس في سن العاشرة، وقبل التحاقه بالمدرسة علمه أبوه استخدام يديه بمهارة، وكان حاد الذكاء فأصبح تلميذا وموسيقيا بارعا، وبعد تخرجه أصبح معلما بالمعهد واهتم برعاية المكفوفين، ولقد تمكن بريل أن يكتب طريقة الشيفرة العسكرية التي كان قد اخترعها الضابط الفرنسي (بيير لسكي) ليرسل التعليمات العسكرية إلى الجيش الفرنسي وهو في حربه مع الألمان وتتكون أساساٌ من إثنتي عشرة نقطة، ويمكن أن تتكون كل الكلمات بالتبادل ، إلا أن (برايل) استطاع تعديل واختصار الاثنتي عشرة نقطة إلى ست نقط ليسهل الموقف التعليمي على الكفيف، إلا أن طريقة بريل لم تكن الطريقة الوحيدة للكتابة البارزة فقد كان هناك طرق أخرى مثل طريقة كتابة الحروف العادية ولكن بالبارز، وطريقة أخرى تستعمل فيها خطوط ومنحنيات بارزة ، إلا أن سهولة طريقة (برايل) وبساطتها أدت إلى إندثار جميع الطرق الأخرى.


وهناك خلاف في نشأة طريقة الكتابة هذه فبعضهم ينسبها إلى (تشارلس باربير) المهندس والمخترع والبعض الآخر يقول إنها نشأت عن الحاجة إلى قراءة الشيفرة العسكرية في الظلام وسمى باربير طريقته أولا "الكتابة الليلية" .
وفي سنة 1915 نشر بحثا لفت فيه النظر إلى إمكان استخدام طريقته في كتابة النوتة الموسيقية للمكفوفين ، كما أنه اخترع أيضا لوحا ونوعا من القلم يمكن استخدامه في الكتابة على الورق بدقة في خطوط موسيقية نقرا بالأصابع ويبدو أن اهتمام (برايل) باختراع (باربير) يرجع إلى ما أحس به من إمكانية استخدامه في كتابة النوتة الموسيقية للمكفوفين، فإذا كان الأمر كذلك فإنه من المفيد أن نلاحظ أن أسلوبه في ترتيب النقط في النوتة الموسيقية هو الجزء الوحيد من طريقته العامة .

وكان أول شيء نشر عن طريقة بريل عام 1837 أما عن طريقته بأكملها فلم تنشر إلا في سنة 1839 ومع نجاح هذه الطريقة، إلا أنها قوبلت بعدة صعوبات من القائمين بالأمر في المدارس -فالمدرس أو التلميذ الذي أراد تعلمها كان عليه أن يفعل ذلك خارج ساعات الدراسة الرسمية- وحتى المدرسة التي بدأت فيها طريقة (برايل) لم تستخدم رسميا إلا بعد مرور ما يقرب من أربع عشرة سنة وذلك بعد وفاة (برايل)بسنين.
ولم تقبل طريقة برايل في بريطانيا إلا في عام 1869 وأما في أمريكا فبدأ استخدامها سنة 1860. وقد عدلت هذه الطريقة بعد عام 1919 وعرفت بطريقة برايل المعدلة.


أما كتابة (برايل) في اللغة العربية فقد دخلت على يد محمد الأنسي في منتصف القرن التاسع عشر حيث حاول التوفيق بين أشكال الحروف المستخدمة في الكتابة العادية وشكلها في الكتابة النافرة. وبهذه الطريقة نقل الأنسي عددا من الكتب إلا أن هذه الطريقة لم تنتشر على نطاق واسع وبعد بذل محاولات عديدة اعتمد المهتمون بطريقة برايل لتطوير ما يتناسب واللغة العربية. وقد قامت منظمة التربية والعلوم والثقافة التابعة لهيئة الأمم المتحدة في عام 1951 بتوحيد الكتابة النافرة بقدر ما تسمح به أوجه الشبه بين الأصوات المشتركة في اللغات المختلفة. وقد نتج عن هذه الحركة النظام الحالي للرموز العربية.
وقد استفاد المختصون بطريقة برايل باللغة العربية من بحوث الدول العربية المتقدمة في هذا المجال من حيث جعل الكتابة البارزة سهلة. فقد عمل على أن تبدأ الحروف إما بالنقطة رقم (1) أو بالنقطة رقم (2) وكما عمل على أن تكون الأحرف الأكثر استعمالا في اللغة ذات عدد قليل من النقاط . ولذلك فالأحرف الأكثر استخداما تشكل في معظمها ثلاث أو أربع نقاط. وقد توصلت هيئات المكفوفين العربية إلى اختصارات لأكثر من مائة واثنين وثمانين كلمة من الكلمات المتداولة على نطاق واسع، وبهذه الطريقة أمكن توفير الوقت والجهد اللازمين للكتابة.

طريقة برايل - وأصل اكتشافها -


تعرف الكتابة البارزة لتعليم القراءة والكتابة للعميان في العصر الحديث بطريقة برايل. وقد سبق المسلمون علماء الغرب الأوربيين بهذه الطريقة في الكتابة. ففي القرنين السابع والثامن الهجريين / الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين ابتكر زين الدين الآمدي الفقيه الوراق المسلم هذه الطريقة قبل العالمين الغربيين برايل الفرنسي ومون الإنجليزي. وكان زين الدين الآمدي كفيف البصر ومحترفا لبيع الكتب في بغداد، ولكي يعرف زين الدين الآمدي عناوين هذه الكتب وأسماء مؤلفيها وأثمانها اخترع طريقة الكتابة البارزة لهذه العناوين وتلك الأسماء والأسعار بلصق حروف مصنوعة من ورق مقوى في صورة كلمات حسب ترتيب حروف كل كلمة على كعوب الكتب التي يبيعها أو أغلفتها، وكان يدرك بيانات هذه الكتب عن طريق اللمس ببنان الأصابع. ثم استخدم زين الدين الآمدي هذه الطريقة في تعليم الصبية العميان ببغداد القراءة للحروف والكلمات. وقد اعتمد في اختراعه هذا لطريقة الكتابة البارزة على سمة مميزة للعميان وهي أن الحواس الأخرى تقوى وتحل محل البصر فاعتمد على حاسة اللمس لإدراك الحروف وترتيبها لمعرفة الكلمات والنصوص المراد قراءتها.

وبعد خمسة قرون قام العالم التربوي الإنجليزي لويس برايل (1224 - 1269هـ/1809-1852م) بمحاولة أخرى لمساعدة المكفوفين على القراءة والكتابة عن طريق النقط البارزة، وكان يعمل مدرسا بمدرسة للعميان بلندن، وكان بدوره مثل زين الدين الآمدي كفيف البصر فقد بصره منذ أن كان في الثالثة من عمره، وكان برايل قد لاحظ من تجربته في تعليم المكفوفين عن طريق المشافهة أن تلك الطريقة تجعل الكفيف يتعلم تعليما فيه اعتماد على الغير دون القدرة على القراءة أو التحصيل بنفسه مما يعوق في أحيان كثيرة من إبراز بعض العبقريات الفردية فابتدع برايل طريقة الكتابة البارزة لكتابة الحروف والإشارات الموسيقية بهدف تعليم الكفيف القراءة بنفسه دون مساعدة. تلك الطريقة التي سميت باسمه عام 1245هـ/1829م. وجاءت طريقته هذه أفضل من طريقة مون الإنجليزية في الكتابة البارزة السابقة عليه. وقد نشر برايل رسالة يشرح فيها طريقته هذه عام 1255هـ/1839م، فووجه بمعارضة شديدة في مدينة لندن -حتى في المدرسة التي كان يعلم بها المكفوفين عن طريق المشافهة- لم يواجه زين الدين الآمدي بمثلها في مدينة بغداد. ومنذ عام 1277هـ/1860م أدخلت على طريقة برايل تعديلات وإصلاحات كثيرة، فانتشرت طريقته بعد ذلك في كل مدارس المكفوفين في العالم، ونسيت نسبة الفضل الأول إلى زين الدين الآمدي العالم المسلم في ابتكار طريقة الكتابة البارزة.


الحمد لله الذى شفانى وعفانى