خيانة مرفوعة الرأس


مصطلح الحديث ، اسمه ( علم السنة ) في لغة الفقه . وهو علم لا يعترف بمنهج العلم ، بل ينتحل لنفسه صفة القداسة ، ويتوجه لاستنباط أحكام شرعية من أحاديث منسوبة إلى رسول الله ، من دون دليل علمي واحد . لكن الصفة الأكثر مدعاة للريبة ، في منطق هذا العلم المقدس ، انه يقوم صراحة على مخالفة صريحة لسنة رسول الله بالذات .




فالرسول لم يكتب الحديث ، ولم يطلب من احد أن يكتبه ، ولم يقل انه مصدر للتشريع ، لا في مكة ، ولا في المدينة ، ولا في السر ولا في العلن وهو موقف لم يتخذه الرسول لأنه كان يجهل حاجة الشريعة إلى الحديث النبوي ، بل لأن رسالته نفسها ، كانت موجهة لإسقاط الأحاديث النبوية من أساسها .


إن علم السنة الذي قام على مخالفة هذه السنة ، قد قرأ رسالة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، مقلوبة جدا ، رأسا على عقب .




ففي عصر الرسول ، كان ( الحديث النبوي ) هو نص (التوراة والإنجيل) . وكان الكهنة قد عبثوا بهذا النص طوال ألفي سنة على الأقل ، وسخروا فكرة الحديث المنقول لكي يسجلوا على ألسنة الأنبياء أقوالا محرفة تحريفا خطيرا . بعضها ناجم عن سوء الترجمة ، مثل قول الإنجيل إن (المسيح ابن الله) بدل رسول الله . وبعضها ناجم عن سوء النية ، مثل تحريض التوراة على إبادة ( الغرباء ) ، وطردهم من كل الأرض .





وعندما بعث الرسول في القرن السابع ، كان هذا النص المزور هو النص المعتمد رسميا ، وكانت ( الأحاديث النبوية ) قد انحرفت بتعاليم الدين ، من شريعة لجمع شتات الناس على سنة واحدة ، إلى شريعة لتفريقهم بين السنن .


في عصر الرسول ، كانت كلمة ( كتاب الله ) تعني - حرفيا - كتب الحديث النبوي في (التوراة والإنجيل) ، وكان هذا الخلط الظاهر للعين المجردة غائبا كالسحر عن جميع العيون .



فالإنجيل ليس كتابا مقدسا واحدا ، بل سبعة كتب على الأقل . سقطت منها ثلاثة ، بأمر من الكنيسة ، وبقيت أربعة كتب بعد (تصحيحها) ، تحمل أسماء مؤلفيها ، وتسجل سيرة السيد المسيح ، في أربع روايات مختلفة هي (إنجيل متى ومرقص ولوقا ويوحنا) .



والتوراة اليوم , ليست كتابا دينيا أصلا ، بل سيرة تاريخية لليهود ، تتابع تاريخهم ، منذ بداية الخلق إلى عصر النبي موسى ، الذي تلقى ( ألواحا مقدسة في حوريب ) . وكلمة الألواح المقدسة ، تعنى أن موسى قد تلقى كتابا سماويا ، لكن التوراة اليوم لا تثبت متن الكتاب نفسه ، بل تروي ( أحاديث نبوية ) على لسان موسى ، الذي ظل يتكلم ، حتى بعد وفاته ، في استعراض أبدي لمدى قدرة الكهنة على العبث بنصوص الدين .



في ضوء هذا الواقع ، كانت معركة الرسول محمد ، محددة سلفا ، ضد كتب الحديث النبوي بالذات . وكانت هذه الكتب قد تحصنت وراء اسم ( الكتاب المقدس ) ، وصارت علما ربانيا مقدسا ، لا يتعالى عن النقد فحسب ، بل يبيح دم الناقد نفسه , ويتوعده بالخلود في النار. إن الرسول محمدا ، يرد على الأحاديث المنحولة ، بنص مكتوب ، محرر من عبث الرواة ، اسمه ( كتاب الله ) ، ولم يكن من محض المصادفة ان يفتتح هذا الكتاب نزوله ، بقوله تعالى في الآية الأولى من سورة العلق : ( إقرأ باسم ربك الذي خلق ) .


فالقرآن لم يقل (أكتب) ، بل قال ( إقرأ ) ، لأنه ليس كتابا جديدا ، بل قراءة جديدة في كتاب الله نفسه ، تتوجه لتنقيح هذا النص من شوائب الأحاديث النبوية بالذات . ولهذا السبب يتشابه نص القرآن مع بعض نصوص التوراة وإنجيل لوقا ، إلى حد يدعو المستشرقين إلى القول بأنه نسخة معربة عنهما . لكن مثل هذا الحكم السطحي ، لا يتورط فيه أصلا سوى رجل يرى الدنيا بعين التوراة ، مثل أغلب
المستشرقين .




والواقع ، إن القرآن لا ينقل عن التوراة والإنجيل ، بل هو التوراة والإنجيل ، في صياغتهما الإلهية المحررة من عبث رواة الحديث . إنه يسمي نفسه ( كتاب الله ) ، لأنه بديل عن كتب الحديث النبوي . ويسمي كلامه ( وحيا مباشرا من الله ) لأنه بديل عن الكلام المنقول بطريق الرواية . وفي هذا النص المنقح ، استعاد الدين لغته العالمية ، وتم اكتشاف السنة الواحدة والحقيقية القائمة وراء جميع السنن .



بالنسبة إلى الإنجيل ، اثبت القرآن بعض رواية (لوقا) في سورتي مريم وآل عمران ، لكنه أسقط بقية الأناجيل ، ورفض قولها المسيح ابن الله ، وندد كثيرا بهذه الترجمة الإغريقية ، متعمدا ضرب القاعدة التي تقوم عليها (سلطة الباباوات في الكنيسة الكاثولوكية) . وهو المنهج الذي أعاد (البروتستانت) اكتشافه، بعد ثمانية قرون من نزول القرآن الذي رفض هذه السلطة قبل هذا الاكتشاف .



بالنسبة إلى التوراة ، أوجز القرآن بعض عرض أسفار (التكوين والخروج إلى سفر الملوك الأول) ، وهو منهج مهمته إعداد هذا النص للتصحيح ، في نقطتين :




[color=#ff1d00[size=17pt]]الأولى[/color] : إن التوراة تسجل الأحداث باعتبارها ( علما وتاريخا ) ، وتحدد مواعيدها في المكان والزمان ، مما ورطها في تناقض صريح مع مسيرة العلم منذ عصر (جاليليو). أما (القرآن) فقد اختار أن يرويها باعتبارها ( قصصا ) للعظة والعبرة . ونجح بذلك في تجنب الصدام أللامجدي ، بين النص المقدس ، وبين النص العلمي .




الهدف الثاني : أن التوراة تروي هذه الأحداث، لإثبات نظرية الشعب المختار. أما(القرآن) ، يرويها لإلغاء هذه النظرية بالذات ، وتصحيح النص الديني الذي استحدثت منه صفة الشرعية .



خلال الثلاث والعشرين السنة التالية ، (حسب قول التاريخ) أنجز القرآن مهمته في استبدال كتب الحديث ، بكتاب منقح واحد ، له نص مكتوب واحد ، محصن ضد التحريف ، ومحرر من نظريات الكهنة ، حول أصل اليهود ، وطبيعة السيد المسيح . وقد اختار القرآن أن يعلن هذه الخاتمة في قوله تعالى ( اليوم أكملت لكم دينكم )) (المائدة 3).




إن كلمة ( أكملت ) تفيد صراحة بأن النص الشرعي قد اكتمل في صيغة القرآن ، وإنه لم يعد يحتاج إلى إضافات ، وان كل نص ، يزيد عليه أو يخالفه ، يصبح تلقائيا خارج الشريعة . لكن علم السنة الذي نشأ بعد أكثر من مائة عام من ( اكتمال ) الشريعة ، عاد فاكتـشف ، أنها لا تزال ناقصة ، وورط نفسه في كتب الحديث النبوي مرة أخرى ، متعمدا أن يحي منهج الرواية الشفوية الذي جاء القرآن أصلا لإلغائه.




إن هذا (العلم) الطارئ . يرتكب خطأ مريبا لا يليق بمنهج العلم .



فكلمة ( السنة ) لا تعنى - لغوياً – نص الحديث النبوي ، بل تعنى نص القرآن . وهي حقيقة يسهل إثباتها بشهادة من القرآن نفسه الذي لا يدخر وسعا ، في الإعلان عن وحدة السنَة بين جميع السنن .



ففي سورة ( الإسراء : 77 ) ( سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ، ولن تجد لسنتنا تحويلا ) .


وفي سورة ( الفتح : 23 ) ( سنة الله التي قد خلت من قبل ، ولن تجد لسنة الله تبديلا ) .


وفي سورة ( غافر : 85 ) ( سنة الله التي قد خلت في عباده ) .


وفي سورة ( النساء : 26 ) ( يريد الله ليبين لكم ، ويهديكم سنن الذين من قبلكم ) .




فالسنة التي ذكرها الله في القرآن ليست هي كتب (الحديث النبوي) ، بل هي نص القرآن الذي رفض فكرة الأحاديث النبوية بالذات ، وحرر الشريعة من عبودية التاريخ ، وأنهى سلطة رجال الدين ، واعتمد دستور (الشرع الجماعي) ، لكي يعيد القرار إلى أيدي الناس ، في نظام إداري محصن ضد الظلم بقدر الإمكان .



فهذه السنة لا تقوم على أحاديث منسوبة إلى احد من الأنبياء لأنها ليست سيرة تاريخية ، بل منهجا تطبيقيا حيا ، يعيش عبر العصور، ويخاطب أجيالا لا تحصى ، في ظروف لا تحصى . وهي حقيقة لم تغب عن علم الرسول (صلى الله عليه وسلم) بل غابت عن علم السنة .


إن الرسول لم يكتب الحديث ، لأنه كان يقصد أن لا يكتبه ، وكانت رسالته موجهة أساسا إلى إلغاء كتب الحديث ، وتحرير النص المقدس من أهواء المؤسسات السياسية ، وجمع الناس على سنة نافعة واحدة . وهي رسالة أبلغها الرسول حرفيا ، في الآية السابقة ( اليوم أكملت لكم دينكم ) وبذلك يكون النص الشرعي قد اكتمل في صيغة القرآن . ويوم نزول هذه الآية لم يكن علم الحديث قد نشأ ، ولم يكن ثمة حاجة شرعية إلى نشوئه في شريعة ( اكتملت ، وتمت ) بشهادة من الله ورسوله معا .



إن ظهور علم السنة ، كان مجرد رد (سياسي) على سنة الله بالذات .



فقبل أن يولد (الإمام مالك) رضي الله عنه ، الذي افتتح مسيرة الحديث ، كانت شريعة الإسلام الجماعية ، قد خسرت الحرب على السلطة ، وأخلت مكانها لحكومة إقطاعية قائمة على مبدأ الحق الإلهي المقدس في الحكم . وهو مبدأ يستحيل احتواؤه في دستور الشرع الجماعي ، ويحتاج – بالضرورة – إلى دستور خاص ، في سنة جديدة ، وقرآن آخر ، مما دعا إلى إحداث تحريف معلن في معنى كلمة ( السنة ) التي خسرت اسمها القرآني الصريح ، فلم تعد هي ( سنة الله ) كما سماها القرآن في الآيات السابق ذكرها ، بل أصبحت سنة رسوله المستمدة من أحاديث نبوية قابلة للتحريف إلى ما لا نهاية قبل ان يدونها البخاري ، وفي أعقاب هذه الغارة الفقهية ، كانت كلمة السنة تعنى القبول بمبدأ الحق الإلهي المقدس في الحكم ، ومبايعة يزيد بن معاوية لولاية العهد . وكان الحديث النبوي ، قد استعاد شرعيته التي خسرها بنزول القرآن ، وصار علما ربانيا مرة أخرى ، يسمي الرواة بعضه باسم ( الحديث القدسي ) ، من باب الدقة في تقليد التوراة .





إن المؤامرة على سنة القرآن ، تصبح سنة نبوية مباركة .




وطوال الأربعة عشر قرنا التالية ، كانت هذه السنة الجديدة ، تحتضن نظم الإقطاع في (حكومات عائلية) ، تتوارث السلطة بموجب (الحق الإلهي المقدس) في الحكم ، ابتدأ من يزيد بن معاوية , انتهاء بحكام اليوم ، الذين لا يجوز الخروج عليهم حتى لو فسقوا . وكان علماء السنة قد محوا من ذاكرة الناس أن الرسول شخصيا ، لا يعترف بمثل هذا الحق ، وانه انتقل لربه من دون أن يورث السلطة لأحد ، وان مخالفة هذه السنة الصريحة ، لا يكون اسمها ( علما ) ، إلا من باب السخرية بالعلم .




إن عالم السنة الذي بايع الرسول على نص القرآن وحده ، عاد يبايع الأسر الحاكمة على نص الحديث . وإذا لم تكن هذه البداية الرديئة ، خيانة مرفوعة الرأس ، فلا بد من أنها خيانة تغطي رأسها بمنديل .
[/size]