أنا من قارئاتك الدائمات‏,‏ ولم أكن أتخيل ان أكون يوما واحدة ممن يلجأن إليك طلبا للمشورة ليس لسبب غير أن الحياة والحمد لله كانت دائما كريمة معي حيث نشأت في أسرة متوسطة في كل شيء في الماديات والظروف الاجتماعية والتعاملات بين أفرادها إلي أن كبرت وتزوجت مرة‏,‏ ولم يكن هناك نصيب لأن أكمل مع ذلك الشخص لكن الأمور انتهت بسلام وهدوء وبدأت المشكلة حينما عدت فتزوجت مرة أخري بنية صافية وعزيمة وإصرار علي أن تنجح هذه الزيجة‏.‏ حيث لم أكن أنا المخطئة في المرة السابقة‏,‏ ويشهد الله والناس علي ما أقول‏,‏ وقد تزوجت من مهندس في بداية حياته من أسرة متواضعة‏,‏ لكنها محترمة ولم يسبق الزواج له من قبل‏,‏ لكنه بداية لم يلق بالا لهذا وبدأت معه الحياة لأكتشف أنه قد عاني كثيرا في طفولته‏.‏

حيث كانت والدته سامحها الله إنسانة أنانية ومدللة من قبل زوجها واخواتها فربتهم علي أن يكونوا جميعا في خدمتها‏,‏ وحاولت أنا أن أكون النقيض‏,‏ وبذلت كل ما في وسعي لارضائه‏,‏ وبناء بيت هادئ سعيد لكن هيهات أن أمحو أنا ما بنته السنون من قبلي فعشت في مأساة ظلت تتفاقم وساعدت أنا في تفاقمها حتي وجدت نفسي في فوضي لا نهاية لها‏

فزوجي تمرد علي كل شيء وأصبح طفلا مدللا لا يري من الحياة سوي نفسه واهتماماته مع العلم أنه ليس له أي نزوات نسائية‏,‏ لكنه غير راض‏,‏ مع أنني أبديه علي كل شيء وأتحمله في كل شيء لكن هيهات من شبح أمه المتسلطة وكأنه يخشي ان اتمرد وأصبح مثلها وقد تحملت الكثير والكثير فهو انغلاقي‏,‏ ولا يحب الناس مثل بقية اخوته وله القدرة علي الصمت لأيام وأسابيع وشهور دون أن يعرف أحد سبب صمته أو خصامه وهو غير اجتماعي بالمرة فأبنائي ولدان لا يعرفان معني العائلة‏,‏أو أن يكون لنا عائلة صديقة‏,‏ فهو لا يستطيع تحمل هذه الأجواء وسرعان ما يطلب منا إذا فرضت الظروف علينا الوجود في مكان مع أفراد أن نسرع بالمغادرة متحججا بالعمل‏,‏ لكنني تحملت كل ذلك من أجل أبنائي ومضيت أحاول وأحاول‏,‏ يساعدني علي ذلك رحمة الله بي التي تمثلت في زهرتي عمري‏.‏

حيث وهبني الله طفلين أقرب ما يكونان إلي الملائكة يشهد الجميع بحسن سلوكهما وتميزهما عن أقرانهما‏,‏ وتفوقهما وهداية نفسيهما‏,‏ أما المشكلة ياسيدي التي اقف أمامها عاجزة غير قادرة علي التصرف فهي أسلوب زوجي في التعبير عن الغضب والذي لن تصدقه ابدا انه ياسيدي حين يغضب يمنع عنا الطعام والمال مع العلم أنه حين يصفو وهو عادة يصفو من نفسه ودون تدخل منا يعود محملا بالطعام وأحيانا بالهدايا المتواضعة‏,‏ لكنني لم أكسفه يوما مع أنني إذا حاولت مراضاته في أي مرة يغضب فيها‏,‏ وعادة لا أكون أنا أو اولادي السبب‏.‏

المهم انني كنت قادرة حتي وقت قريب علي التحمل والمتابعة‏,‏ لكن هذا السلوك اصبح يزداد يوما بعد يوم حتي اصبحنا تقريبا نعيش هكذا معظم الأيام بدون لقمة خبز في المنزل وأبيت ليلتي أفكر في ما سأبعثه مع ابني لإفطاره في المدرسة الخاصة التي من المفترض أنها أفضل مدارس منطقتنا‏,‏ وايضا فيما سأعده له ولأخيه علي الغداء وعرفت ياسيدي معني أن أقول لبائعة الخضار أن نقودي قد تاهت مني وأنني سأبعث لها بالنقود غدا من أجل بضعة كيلوات من الخضار لا يتجاوز ثمنها العشرة جنيهات

وعرفت معني أن أستلف من أختي التي تصغرني بـ‏11‏ عاما مبلغ عشرين جنيها‏,‏ ولا أردهم‏,‏ لها لأنني أخاف حين يتصالح زوجي أن اقول له إنني اخذت منها نقودا فيعود ويغضب لأنني فضحته وشهرت به جربت الصبر كثيرا حتي عاد ابني يوما من المدرسة وقد استلف من صديقه ثمن الحاجة الحلوة‏!!!‏ لماذا ياحبيبي؟ لأنني أعرف ان بابا لم يعطك نقودا وإذا طلبت منك ثمن الحاجة الحلوة هيتخانق معاكي‏!!!‏ هذا كان رد ابني ذي السبع سنوات‏

وحين ذهبت لأهلي كان ردهم اصبري من أجل الأولاد‏,‏ ولانك مطلقة مرة سابقة ولا نريد كلام الناس‏,‏ ويضعون يدهم في جيوبهم ويعطونني ما يقدرون عليه‏,‏ وهكذا اجد نفسي كل بضعة أسابيع في نفس الدوامة زوجي يتلذذ باحساسه انه المتحكم الأول والأخير فينا وفي غذائنا‏,‏ وانا يمنعني حيائي من الإفصاح بما أنا فيه فأنا ياسيدي إبنة ناس محترمين والكلام في الأكل هو آخر ما يمكن أن نتخيله كما أن زوجي ما شاء الله حالته متيسرة وقد لجأت لأهله ذات مرة لكن لن تصدق لقد حاولوا التحدث معه لكن كالمعتاد لم يتفوه بكلمة واحدة فصمتوا ولم يكلفوا انفسهم عناء الرد علي وباتوا لياليهم وهم يعرفون انني لا أجد ما اطعمه لأبنائي صدقني ياسيدي حتي الخبز لكن حسبي الله ونعم الوكيل‏,‏ المهم أن زوجي يتكل علي أن اهلي إناس مسالمون ونحن من عائلة ميسورة

والحمد لله لكن ابي رجل مسن ولا يحب المشاكل ويضرب لخمة وليس لنا معارف مهمون لكنني معي ليسانس آداب انجليزي وكنت قد درست بعض كورسات الترجمة في الجامعة الأمريكية وكل ما ارجوه منك أن تساعدني علي ايجاد عمل شريف يكفيني وأبنائي مذلة انتظار رضي والدهم أو مساعدة أهلي‏..‏ زوجي بالمناسبة يرفض التحدث في أي شيء حين تصفو نفسه‏,‏ وأنا ما عدت اعرف كيف اخرج مما أنا فيه أنا وابنائي والله ياسيدي زهرتان شكلا وخلقا‏,‏ يعلم الله ألف حمد وألف شكر له وهما كل همي وشاغلي‏.‏

{‏ سيدتي‏..‏ يمكنني تخيل حجم المعاناة التي تعيشينها مع مثل هذا الزوج الذي عاني من تسلط أمه وأنانيتها وعاش معك وهو يخشي أن تتحولي إلي صورة أخري من والدته‏,‏ تلك الصورة التي يغفل بعض الآباء والأمهات عنها فلا يلتفتون إلي أن تصرفاتهم الخاصة وأنانيتهم تخلف أبناء مشوهين نفسيا‏,‏ ولا يقف الأمر عندهم فقط بل يمتد إلي زوجاتهم وأبنائهم‏,‏ إنها أخطاء تصل إلي حد الجريمة الممتدة‏.‏ كان شيئا إيجابيا ورائعا منك أن تتفهمي مبررات مخاوف زوجك فتتجاوزيها وتتحملي صمته الطويل وخصامه الغامض‏,‏ ولكن ما لم أستطع فهمه أو استيعابه أو ربطه بأنانية والدته وسلوكها هو هذا التصرف الغريب والسلوك القاسي الذي يتبعه معك ومع ولديكما إذا غضب لأي سبب كان‏..‏ فما هي علاقة غضبه ـ منكم أو من غيركم ـ بمنعه المال والطعام عنكم‏..‏ إنها قسوة مرضية لشخص يبدو من صفاته العامة أنه طيب الخلق‏,‏ فكيف لمثله أن يحرم طفلين وامرأة من المال والطعام؟ بماذا يشعر وهو يري الحرمان في عيونكم‏,‏ وأي سعادة أو إحساس بالرضا ينتابه؟

وماذا يتوقع أن تفعلي كي تطعمي طفليكما‏,‏ وإلي أي طريق يدفعك؟

إن الأسد يزأر ويهز الغابة بصوته‏,‏ ولكنه لا يلتهم صغاره‏,‏ فكيف الإنسان أن يفعل ذلك بشريكة حياته وسره وأم ولديه؟

هل يجدي مع مثل هذا الرجل أن نذكره بأن ما يفعله ظلم كبير لرعيته التي ائتمنه الله عليها؟ وهل يعرف أنه بما يفعله يعصي الله ورسوله وأنه سيشرب يوما من نفس الكأس؟

إن السلطة التي منحها الله لك كزوج وأب لا تعطيك هذا الحق في القسوة والتعسف مع امرأة ضعيفة أسلمت قيادها لك‏,‏ ولطفلين تشوه نفسيتهما البريئة وتغرس فيهما معني الحرمان والكراهية تجاهك‏,‏ تفرض علي زوجتك أن تتسول وعلي طفليك أن يمدا أياديهما للآخرين من أجل قطعة حلوي؟‏!‏

سيدتي‏..‏ أعتقد أن ما يفعله زوجك يعكس مرضا نفسيا ولأنه لن يستجيب لك‏,‏ أدعوه للذهاب إلي طبيب نفساني لعله ينجح في مساعدته علي تجاوز هذا السلوك الغريب وغير الإنساني‏,‏ أما إذا استكبر وعاند فلا أعتقد أن مثل هذه الحياة الزوجية يمكن أن تستمر طويلا‏,‏ أما عن طلبك فرصة عمل فأرجو أن تتفضلي بإرسال صورة من مؤهلك الدراسي والدورات التدريبية التي حصلت عليها والأمل كبير ومتصل في الله ــ سبحانه وتعالي ــ وفي أصدقاء بريد الجمعة‏,‏ أعانك الله علي ما أنت فيه وحفظ ولديك وهدي زوجك إلي صواب الطريق‏,‏ وإلي لقاء بإذن الله