قد تَعجَب كثير من الفتيات المسلمات إذا عرفت أن ديننا يطالبنا أن نكون ناجحين متفوقين في حياتنا، في دراستنا وعلمنا، كما يفرض علينا أن نصلي ونصوم ونذكر الله تعالى.
وصناعة الحياة هي أن يكون لكِ دور ريادي في هذه الحياة، هي أن تكوني فاعلًا في حركة الحياة وقيادة المستقبل، هي أن تكوني شيئًا نافعًا في دنيا الناس، هي أن تضيفي شيئًا جديدًا في الحياة، إذ منْ لم يزد شيئًا في هذه الدنيا فهو زائد عليها، هي أن تكوني رقمًا صعبًا لا يستهان به، وأن لا يكون حالكِ كحال من ذكرهم القائل حين قال:
ويُقضَى الأمْرُ حين تَغيبُ تَيِّمُ وَلا يُسْتَأذَنُونَ وهم شُهُودُ

العبادة الشاملة
وقد تقولِ أنتِ متسائلة؛ أليس هو القائل سبحانه {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الأنعام: 162]، أليس قد خلقنا لعبادته جل وعلا {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}[الذاريات: 56]، فما لنا إذًا والنجاح في الحياة؟! ما لنا إذًا وإنفاق الوقت والجهد في حيازة الدنيا، وامتلاك مقومات التفوق والتقدم الدنيوي؛ من زراعة وتجارة، واقتصاد وسياسة، وصناعة وإعلام، وإدارة وإنتاج؟!
أقول لكِ أيتها المُوَفَّقة؛ إن كثيرًا من المسلمين لا يفقهون معنى العبادة بمفهومها الكامل الشامل الذي أراده الله تعالى، حيث فهموا معنى العبادة فهمًا قاصرًا خاطئًا، ظنوا معه أننا مطالبون بالعكوف في المساجد، وترك الدنيا من أجل التفرغ للعبادة، التي قصروا معناها علي مجرد الشعائر التعبدية، من صوم وصلاة وزكاة وحج وغير ذلك.

ومن ثم انقسم المسلمون تبعًا لذلك الفهم الخاطئ إلى فريقين، يجمع بينهما الوقوع في وهم التعارض بين الدنيا والآخرة؛
فأما الفريق الأول فقد اعتزل الدنيا بمتاعها الزائل، وتركها لأعداء الإسلام يتفوقون فيها، ويحتكرون مقومات القوة، وآليات الحضارة والتقدم، بحجة التفرغ للعبادة وحمل هم الآخرة.

وأما الفريق الثاني ـ وهم أغلب الناس ـ فقد قصَّروا تقصيرًا بيِّنًا في عبادة الله تعالى والاستقامة على شرعه، بحجة الانشغال بالدنيا وأمور المعاش، وضرورات التفوق والنجاح.
والحق دائمًا وسط بين طرفين، فمن أين جاء ذلك التعارض المتوهم بين الدنيا والآخرة؟
إن مفهوم العبادة الصحيح هو كما يعرفه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فيقول (هي اسم جامع لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه، من الأقوال والأفعال، الظاهرة والباطنة).

فكل فعل في حياة الإنسان ـ سواء كان شعيرة تعبدية أو عملًا مشروعًا ـ إذا ابتُغي به مرضاة الله تعالى؛ فإنه عبادة يثاب عليها من الله عز وجل.
بل إن عمارة الأرض، وصناعة النهضة، والتقدم الحضاري هو فرض كفاية على أمة الإسلام، بل هي من أعظم أنواع القوة التي أمر الله تعالى عباده المؤمنين بتحصيلها؛ حتى تظل أمة الإسلام أمة قوية مرهوبة الجانب من قبل أعداء الدين {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}[الأنفال 60]، وهي كذلك مُقتضَى استخلاف الإنسان في الأرض من ربه تعالى {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}[البقرة: 30]، فهي عبادة من أجلِّ القربات شريطة أن تكون ابتغاء وجه الله تعالى.
فالنبي صلى الله عليه وسلم هو القائل في الحديث المشهور الذي ستعجب أشد العجب عند قراءته ((إن قامت الساعة، وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها؛ فليغرسها)) [صححه الألباني].
لقد كان من المتوقع ـ والقيامة أوشكت أن تقوم ـ أن يأمرنا صلى الله عليه وسلم بالتوبة والاستغفار، ونسيان الدنيا والإقبال على الآخرة، ولكنه صلى الله عليه وسلم أمرنا بتعمير الأرض، بغرس الفسيلة، وأي فسيلة تلك التي يأمرنا بغرسها صلى الله عليه وسلم؟
إنها فسيلة النخل؛ التي لا تُثمر إلا بعد سنين طويلة، وما ذاك إلا ليعلمنا صلى الله عليه وسلم هذا الدرس العظيم، أن (طريق الآخرة هو طريق الدنيا، بلا اختلاف ولا افتراق، إنهما ليسا طريقين منفصلين؛ أحدهما للدنيا والآخر للآخرة، وإنما هو طريق واحد، يشمل هذه وتلك، ويربط ما بين هذه وتلك.
ليس هناك طريق للآخرة اسمه العبادة وطريق للدنيا اسمه العمل، إنما هو طريق واحد، أوله في الدنيا وآخره في الآخرة، وهو طريق لا يفترق فيه العمل عن العبادة ولا العبادة عن العمل، كلاهما شيء واحد في نظر الإسلام، وكلاهما يسير جنبًا إلى جنب في هذا الطريق الواحد الذي لا طريق سواه).
ومن هنا فإننا نستطيع أن نفهم جيدا كيف نطبق قوله تعالى {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الأنعام 162]، فليس من المعقول أن يظل الإنسان ليلًا ونهارًا يصلي ويصوم ويقرأ القرآن حتى تكون حياته كلها لله، بل لم يكن هذا حال محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

فلابد إذًا من الجمع بين الدنيا والآخرة وجعلهما طريقًا واحدًا؛ حتى يستطيع المؤمن أن يجعل حياته كلها لله تعالى.
فإذا أدركتِ أيتها الحبيبة ذلك المفهوم الشامل لمعنى العبادة؛ علمت كيف ضاعت أمتُنا وأصبحت في ذيل الأمم، عندما تمزقت بين هذين الفريقين؛ بين فريق أضاع الدنيا بحجة التفرغ للآخرة، وبين فريق فرط في الآخرة، وسعى لحيازة الدنيا لا لتحقيق مرضاة الله، وإنما لتحصيل شهواته ولذاته.
وأما عمالقة الإيمان، السائرون في طريق الله، فهم أصحاب النجاح الحقيقي الذين ابتغوا مرضات الله في كل أعمالهم.
هم الذين لامس الإيمان شغاف قلوبهم؛ ففجر فيهم قدرات هائلة، وطاقات جبارة؛ فانطلقوا في الدنيا يعمرونها، ويحققون فيها أعلى طموحات النجاح الخالد؛ النجاح الذي يبدأ في الدنيا بطيب العيش وسعادة الإنجاز ولذة النجاح ابتغاء مرضات الله، وينتهي في الآخرة في جنات عدن، في مقعد الصدق عند المليك المقتدر.