بقلم /تراجي طاهر

(وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (النور:22)

روى ابن جرير الطبري عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت لما نزل قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإثم وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النور:11)، في عائشة وفي من قال لها ما قال، قال أبو بكر - رضي الله عنه - وكان ينفق على مسطح لقربته وحاجته والله لا انفق على مسطح شيئاً أبداً ولا أنفعه بنفع أبداً، بعد الذي قال لعائشة ما قال وأدخل عليها ما أدخل، قالت فأنزل الله في ذلك (وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ... وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) الآية. فقال أبو بكر - رضي الله عنه - والله أني أحب أن يغفر الله لي فأرجع إلى مسطح - رضي الله عنه - نفقته التي كان ينفقها عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبداً.

وفي الآية توجيه رباني لأولي الفضل والسعة وهم أهل الفضل والصلاح والدين، الذين وسع الله عليهم في الرزق وأغناهم من فضله على أن يتخلقوا بأخلاق الله... وليكن العفو سبيلهم.. والصفح ديدنهم، فلا يحلف الواحد من أهل الفضل والسعة على ألا يؤتوا أقاربهم من الفقراء والمهاجرين ما كانوا يعطونهم إياه من الإحسان لجرم ارتكبوه، أو ذنب فعلوه وليعفوا عما كان منهم من جرم، وليصفحوا عما بدر منهك من إساءة... وليعودوا إلى مثل ما كانوا عليه من الأفضال والإحسان. ألا تحبون أيها المؤمنون أن يكفر الله عنكم سيئاتكم ويغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم الجنة مع الأبرار.

واعلم أخي الكريم أن العبد لا يكون ذا فضل حتى يصل من قطعه... ويعفوا عمن ظلمه... ويعطي من حرمه.

ولعلك تلمح ملمحاً لطيفاً جداً وهو أن ارتكاب الذنوب والمعاصي لا تنقض الإيمان بل تنقصه بقدرها وهو مذهب أهل السنة والجماعة.

فقد أجمع المفسرون على أن المراد بـ (أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) مسطح رضي الله عنه، لأنه كان قريباً لأبي بكر - رضي الله عنه - ومن المهاجرين وكان من أهل بدر وكان من المساكين وقد وقع في حديث الإفك... ولا شك أن القذف من الكبائر... وقد احتج أهل السنة والجماعة بهذه الآية على عدم بطلان العمل بارتكاب الذنوب والمعاصي، ووجه الاستدلال أن الله عز وجل وصف مسطحاً بكونه من المهاجرين في سبيل الله بعد أن أتي القذف، وقالوا لا يحبط العمل إلا إذا استحل الإنسان المحرم فحينئذ يرتد وبالردة يحبط عمله (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (المائدة:5).