د. صبحي البشيتي : دكتوراة في علم النفس
النمو العقلي :


نمو الدماغ ومراحل النمو العقلي


تجمع أبحاث الدماغ على أنّ دماغ الإنسان يبدأ في التطور بعد الحمل بثلاثة أسابيع حيت تتطور آلاف الخلايا الجديدة في كل دقيقة مصحوبة بنمو سريع في الفترة من ثمانية أسابيع إلى ثلاثة عشر أسبوعا.
يزن الدماغ عند الولادة ما يقرب من 370 غراما. ويتعاقب النمو تبعا لتسلسل منطقي. فالأجزاء التي تنظم العمليات الأساسية كالوعي والدورة الدموية والتنفس مثلا تكون في كامل عملها ووطيفتها عند الولادة، وذلك لأنّها ضرورية لبقاء الطفل على قيد الحياة. أمّا الأجزاء التي تنظم الوظائف الأقل أهمية كالحركة واللغة مثلا فإنّها تكتمل بعد الولادة.
يضيف الدماغ ما يقرب من 370 غراما أثناء السنة الأولى بعد الولادة. يطرأ الجزء الأكبر من هذه الزيادة على المخيخ الواقع في مؤخرة الرأس. يعتبر المخيخ الطيار الآلي للدماغ. فهو الذي ينسق أعمال المجموعات العضلية المتعلقة بالأعمال المعقدة التي يقوم بها الإنسان بدون توجيه واعي كالأكل مثلا. فكلما زاد المخيخ نموا زادت مقدرة الطفل على تعلم أشياء أخرى كالزحف والمشي ومن ثمّ الجري (سيلفستر , 1982).
أمّا الجزء الثالث والأخير من وزن الدماغ فيتطور ما بين السنة الثانية والسنة السادسة عشرة ليصبح وزنه حوالي (1300) غرام تقريبا. هذا النوع من النمو التدريجي ينقل الرضيع الصغير من حالة اعتماده الأولى وعدم قدرته على الكلام إلى حالة الاستقلال والعقلانية والقدرة على الاتصال كما يفعل الكبير تماما. ولقد تجاهل كثير من الباحثين الجزء الأخير في الزيادة ولم يولوه الاهتمام الكافي وذلك لسببين:
***- أولاهما، لأنّ الدماغ يتوقف عن إنتاج خلايا عصبية جديدة وتبدأ الوحدات الرئيسة في الدماغ في التطور بعد السنة الثانية عشرة من عمر الطفل.
***- ثانيهما، هو أنّ هؤلاء الباحثين لم يأخذوا في اعتبارهم إمتداد نمو جزء كبير من الدماغ (490) غراما على مدى ستة عشرة سنة (سيلفستر ,, 1982).
لكن إبستين Epstein (1978) اعتقد أنّ نموا مقداره (490) غراما لا يمكن أن يكون مسألة غير منطقية. ممّا حدا به إلى التحقق من ذلك في مجمل أبحاثه الخاصة بنمو وتطور الدماغ والتي كشفت عن أهميتها في عملية التعلم والتعليم.
هذه الدراسة ستحاول إلقاء الضوء على نظرية نمو وتطور الدماغ المرحلي (أي على أطوار وفترات) كما تعرض لها إيبستين Epstein، وكذلك ستتطرق إلى علاقة هذا النمو المرحلي بالنمو العقلي (الإدراكي) كما تعرض له جان بياجيه Jean Piaget وأخيرا ستحاول استنباط بعض آثار ونتائج ذلك على عملية التعلم والتعليم.
أطوار نمو الدماغ
إن أطوار نمو الدماغ حقيقة علمية ثابتة كما هي حقيقة مراحل النمو العقلي كما عرفها بياجية وأتباعه. لقد توصل إيبستين Epstein (1974) ،عند دراسته للأبحاث التي عنيت بوزن وحجم الدماغ ومحيط الرأس، إلى أن نمو الدماغ إنما يتم على فترات زمنية (أطوار مفاجئة) يمتد كل طور إلى ستة شهور. هذه الأطوار تقع بين الفترات الزمنية التالية:
ما بين الشهر الثالث والعاشر من عمر الطفل
ما بين السنة الثانية والرابعة من عمر الطفل
ما بين السنة العاشرة والثانية عشرة من عمر الطفل
ما بين السنة الرابعة عشرة والسادسة عشرة من عمر الطفل
يتبع كل طور نمو دائما فترة استقرار وركود نسبي في نمو الدماغ أي فترة استرخاء حيث يكون النمو فيها بطيئا ولذلك لإتاحة المجال للتكامل ما بين نمو الدماغ والنمو العقلي.
ولعلمنا أن الدماغ يتوقف عن تكوين خلايا جديدة بعد 18 شهرا تقريبا منذ الولادة، فالسؤال هو أين تكون الزيادة أو النمو في الدماغ؟ من النتائج المستخلصة من الدراسات والأبحاث البيولوجية ندرك أن الزيادة في وزن الدماغ بعد الشهر الثامن عشر من الولادة تعكس تغيرات في الخلايا نفسها وخاصة في البروتين وفي حامض الريبونكليكي RNA وفي الدهنيات وكذلك في الماء . تزداد هذه المواد نتيجة
نمو الخلايا المتمثل في ازدياد التفرعات في المحاور العصبية وفي الشعيرات الهيولية Dendrites وكذلك في المادة العازلة التي تنمو على المحاور العصبية والتي يطلق عليها الغمد النخاعي Myelin Sheath . فمثل هذا النمو (الغمد النخاعي) يزيد من فاعلية نقل الرسائل العصبية، بينما تزيد المخ وتفرعات الخلايا من تغيير التعقيدات الشبكية العصبية لتساعد على زيادة تعقيد المهارات والوظائف العقلية .
إن محيط الرأس (الجمجمة) دليل آخر على نمو وتطور الدماغ. يتم قياس محيط الرأس من أعلى الأذنين تماما. إن أية زيادة في حجم الدماغ، من الطبيعي، أن تصب في زيادة أبعاد الجمجمة. قام وينيك وروسو Winick and Rosso (1969)) بقياس وزن الدماغ ومحيط الرأس أي الجمجمة لضحايا حوادث. كانت النتيجة انهما وجدا علاقة سببية بين وزن الدماغ وحجم ومحيط الجمجمة. وبالتالي يمكن استخدام محيط الجمجمة كمؤشر لما يحدث في وزن الدماغ.

مراحل النمو العقلي
ترجع فكرة مراحل النمو العقلي إلى أكثر من خمس وسبعين سنة خلت. فقد قدم وايتهيد (Whitehead (1929) بعمل تقسيما زمنيا للنمو العقلي لدى الأطفال شبيها بذلك التقسيم الذي عرفناه عند بياجيه Piaget .
يرى وايتهيد مثلا بأنه ما بين 2-4 سنوات من العمر يخرج الطفل من مرحلة الإنجاز ألإدراكي إلى مرحلة اكتساب اللغة. وينتهي الطور التالي في حوالي السنة السابعة من العمر والذي يتصف بتصنيف الأفكار والإدراك القوي والواضح.
أما قوة الملاحظة والسيطرة فتظهران ما بين السنة الثامنة والثانية عشرة من العمر. وأما الفترة الواقعة ما بين 12-15 سنة فيجب التركيز خلالها على اللغة لأن البراعة في اللغة والعلوم تنتهي عند الخامسة عشرة. يتضح من ذلك أن هناك إتفاقا كبيرا بين المراحل التي تصورها وايتهيد وتلك التي وضعها جان بياجيه خلال أربعين سنة من العمل والجهد المتواصلين.
وجّه فايغوتسكي( Vyagotsky (1974) إنتباه علماء النفس إلى التفاصيل الحقيقية في تطور الذكاء والإدراك الإنساني. لقد عرّف ". يقول فايغوتسكي أيضا أن الفترات الحرجة " تحدث في السنة الأولى وفي السنة الثالثة وفي السنة السابعة من العمر".
أما سن الثالثة عشرة فيتصف بالركود والإستقرار ، ولاحظ أيضا أنه لا يوجد فترات حرجة بعد السنة السابعة عشرة حتى سن البلوغ والرشد. وهنا أيضا نرى اتفاقا بين الفترات الحرجة هذه وبين نتائج تجارب جان بياجيه وأتباعه