المكان: مترو الأنفاق (البعض يُفضِّل أن يُطلِق عليه "تاكسي السهرة") في آخر عرباته بمحطة حلوان حيث يكون الصمت والخلاء هما الراكبان الوحيدان بخلافي.
الزمان: الحادية عشرة مساء
حالتي: أجلس في الكرسي المنفرد في آخر العربة أُنزِّه عيني بقراءة سطور إحسان عبد القدوس الساحرة في روايته "لا تطفئ الشمس" فأحب مع البطل وأبكي مع حبيبته ويساورني القلق مع أمه بينما الدراما الاجتماعية، والرومانسية الآثرة قد استحوذتا على كل تفكيري ووجداني، أما مشاعري فقد تجمعت كلها بأعلى صدري ولمعت بين جفوني طبقة من الدموع غطَّت تماما على عيني من فرط التأثُّر وفجأة......

صعد إلى القطار رجل من سُفراء صعيد مصر في قاهرة المعز، عرفت ذلك من جلبابه المهيب الأنيق وعمامته محكمة الإغلاق حول رأسه والشال الجنوبي بكل ما تحمل الكلمة من معانٍ، لم يحظ باهتمامي سوى لخمس ثوانٍ فقط لمحتُه فيها وأعدت عيني مرة أخرى إلى الرواية.

ما هي إلا دقيقة واحدة ووجدت صديقنا يخلع إحدى فردتي حذائه كي يمهد الطريق أمام قدمه اليمنى حتى يستقر بها فوق المقعد ساندا يده اليمنى على أعلى ركبته التي صعد بها من على أرضية القطار، فأقنعت نفسي أنها ربما آلام المفاصل قد أجبرته قهرا على هذا الفعل -غير اللطيف بالمرة- خاصة وأنه لم يكن شابا وليس كهلا في الوقت ذاته فقد بدا من ملامح وجهه أنه على مشارف الخمسين.

عُدت مرة أخرى إلى "أحمد" بطل قصة "لا تطفئ الشمس" بكل صراعاته التي لا تنتهي أبدا وخجله الذي يقف حائلا بينه وبين الفتاة الوحيدة التي أحبها "شهيرة" تلك الفتاة الرقيقة المشمسة بوجنتيها والمضيئة بجمال عينيها والمبهرة بروحها الفضفاضة التي تجعلك تطير معها... وتحبها دون أن تراها وتذوب خجلا كلما لامست يدها يد أحمد، وتضحك لخفة ظلها، وتنصت لكلماتها الخجولة التي كانت تنتزعها بين شفتيها في صوت حنون.. وفجأة...... إنت تاني!

من الواضح أن أزمة دبلوماسية ما ستحدث قريبا بين القاهرة وجيرانها في الصعيد لأنهم أرسلوا شخصا مزعجا كي يمثلهم، فبعد لحظات صمت استمتعت بكل ثانية فيها اغتصب هذا الرجل هذا الصمت قائلا بصوت يعبر عن لهجة صعيدية مكتملة الأركان: لو سمحت يا... باجول لك إيييييه.... إبتفهم في المابايل، حاولت امتلاك أعصابي ولملمة لساني الذي كان يزأر داخل فمي غضبا وحنقا عليه، ثم نظرت إليه بابتسامة مفتعلة لم تكشف عن أسناني وبحركة بطيئة من أثر الغضب الذي سببته لي عبارته التي أخرجتني من دنيا عبد القدوس التي هي بدون شك أفضل بكثير من فراغ مترو الأنفاق أو ظلام محطة حلوان، وقلت له: بيقولوا كده، فاستطرد قائلا وعلامات الارتياح على وجهه: طب بنحبوا نبعتوا مشج.. رسالة يعني.

يا الله.. ماذا فعلت بنفسي! الآن أنا مضطر أن أغادر مقعدي وأغادر كل هذه المسافة كي أصل له... سامحوني إنها مسافة حقا طويلة، مسافة تفصل بين عالم وعالم آخر، بين عالم مؤسَس على أعمدة الرومانسية ومسلح بالعواطف (عالم عبد القدوس)، لأنتقل لعالم آخر بطله رجل غريب لا أعرفه، يبدو عليه أنه ثرثار، قمت متثاقل الحركة وجلست إلى جواره وتناولت الهاتف مُعزِّيا نفسي بأنها بالتأكيد رسالة هامة جدا تلك التي جعلته يطلب خدمة من شخص غريب لا يعرفه قبل حلول منتصف الليل بساعة واحدة.

تناولت الهاتف دون أن أتفوه بكلمة واحدة محاولا إنهاء هذه المهمة في أسرع وقت ممكن ونظرت إليه وسألته عن فحوى الرسالة التي يبتغي إرسالها؛ فوجدته يهم برفع قدمه الأخرى كي تجاور شقيقتها فوق المقعد وأخذ يداعب أسفل ذقنه وينظر إلى سقف القطار في إشارة إلى التأمُّل والتفكير، فقلت في نفسي والغضب يكاد يفتك برأسي: (يا حبيبي... هو إنت لسه هتتأمِّل وتألِّف الرسالة) وأدركت على الفور أنها ليست رسالة الحياة أو الموت التي كنتُ أتخيلها، حتى عاد من رحلته الطويلة في البحلقة ونظر إلى الموبايل في إشارة لي كي أبدأ في الكتابة، وكنت على وشك أن أقول له: (أمرك يا سيدي ما أنا أصلي الفلبينية اللي جابها لك.... ولاّ بلاش).. واستطرد قائلا: حرام عليك.. حرام عليك.. (ثم عاد يتأمل مرة أخرى في سقف المترو وعاد إليّ من جديد بعد أن استلهم من الوحي عباراته) وحياة عينيك... هاموت عليك.

هايل هايل إنها رسالة اجتماعية لا تحمل من الضرورة القصوى أو الأهمية الكبرى سوى القليل، بل واهتم أن تتضمن على سجع رنان.. يا روقانك!! عدت مرة أخرى أهدئ نفسي منعا لي من الخروج عن النص قائلا في سري لعله صديق غاب عنه طويلا ولم يعد يطيق فراقه (أيوه عبيط أنا معلش بس هو ده اللي فكرت فيه).

نظرت إلى غلاف الرواية التي كنت مستلقيا بداخلها من دقائق قليلة أخاطبها بإحدى عينيّ طالبا منها الصبر وأمنيها أنني سأعود إليها قريبا، وهممت أن أسأل صديقنا عن رقم مستقبِل هذه الرسالة أو اسمه فقال لي بينما أصبعه السبابة ما زالت تمرح بأسفل ذقنه: دوِّر في حرف العين، فرددت عليه وقد فاض بي الكيل ولم أعد أطيق وقلت له: يا عم الحاج علشان الإنجاز والاختصار قل لي الاسم على طول، فلمحت في عينيه الإصرار على عدم ذكر الاسم وقال بدون تردد: لا معلش بس هات لي جايمة الأسماء وهات حرف العين، ففعلت ما أراد وطُفت بكل الأسماء التي تبدأ بحرف العين ومن الواضح أنه لم يجد مبتغاه وتاهت عيناه في حيرة فعدت من جديد أكرر طلبي: يا عم الحاج أنا هاريحك والله.. قل لي بس الاسم وأنا هاطلعه على طول مش سحر هو يعني، فصمت برهة واتضح له أنه لم يعد أمامه بدائل وإلا ضاع المجهود الذي بذله في نظم هذه القصيدة الشعرية فقال لي بصوت منخفض وكأنه حرص على ألاّ يسمعه أحد: "عزة".. اسمها عزة.. فبدأت في إدخال الحروف المكونة للاسم تباعا وفي داخلي ابتسامة أخفيها بصعوبة بينما لسان حال داخلي يقول: (إنت بتحب "المودام" في البلد وأنا أتمرمط معاك هنا)..

النتيجة تكررت فلم أجد هذا الاسم فقلت له بأدب جم: الاسم مش موجود هنا ممكن تكون مسجلها باسم تاني، فقال بكل دهشة: لا لا ما يُمكنش، ثم استطردت وكأنه تذكر شيئا ما: هات لي حرف العين تاني، ففعلت وأخذت في استعراض الأسماء وقد بدأت استنفد ما لديّ من صبر إلى أن استوقفني وقال: أيون أيون أهيييييي، شعرت بحالة من الشلل تنتشر في جسدي شيئا فشيئا وهي حتما ستنتشر في جسدك أيضا عندما تعرف كيف سجل اسم زوجته أو حبيبته أو أينما تكون هذه العزة.. لقد كتبها (عرى).. ارحمني ياااااااا رب.