حب النساء :
فطر
الله تعالى الرجل والمرأة على ميل كل منهما إلى الآخر وعلى الأنس به
والاطمئنان إليه ولذا منّ الله على عباده بذلك فقال: (ومن آياته أن خلق
لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك
لآيات لقوم يتفكرون) . " الروم: 21" . وقال: (هو الذي خلقكم من نفسٍ واحدة
وجعل منها زوجها ليسكن إليها) ." الأعراف: 189 "
وقال: ( هن لباس لكم
وأنتم لباس لهن ) . " البقرة: 187 "، وهذا الميل الفطري والأنس الطبعي
مجراه الطبيعي هو الزواج وهذه هي العلاقة الصحيحة التي شرعها الله بين
الرجل والمرأة، فمن أحب زوجته وعاشرها بالمعروف سيُرجى أن يكون منهما
الذرية الصالحة التي تنشأ في دفء العلاقة الحميمة بين أبوين متحابين
متراحمين وهكذا يفرز لنا الحب أسراً قوية البنيان لتعزز لنا هي الأخرى
مجتمعاً متين الأركان ولا تكون المجتمعات إلا قوام أمة قوية مرهوبة الجانب.
هذا
هو الحب في الإسلام بين الرجل والمرأة. إنه حب عفيف لا ريبة فيه ولا دغل.
حب يخدم الأسرة والمجتمع والأمة. إنه حب حقيقي.. حب يتسامى فيه الرجل
والمرأة، أما ما يروج بين الناس اليوم وتوظف لترويجه آلات الإعلام
الجهنمية فهو زائف… حب هدام.. حب لا يعرف من الحب إلا اسمه.
يقول الأستاذ عبدالحليم محمد قنبس في كتابه " الحب في الأسرة المسلمة " :
لو
أردنا أن نبحث عن الحب ومستواه في القرن العشرين، لكفانا أن ننظر نظرة
سريعة، على ما كان عليه الحب في الزمن المنصرم، وحالته في الوقت الحاضر،
إذ لم يشهد التاريخ يوماً من الأيام حباً زائفاً، كما نشاهده في عصرنا
الحاضر.
إن الحب الحقيقي قد فقد عند الشباب، وضاعت هذه الكلمة "الحب"
وأصبحت غليظة لا ترقى إلى عالم الروح، لقد ضاعت المعاني الجليلة والأماني
السامية الرفيعة، وحبست الآهات العفيفة، وفقدت المُثل العليا وحل محل
ذلك.. الحب المزيف، الذي قام مقامها، وأصبح له الكأس المعلّى، وأخذ دوراً
فعالاً وعظيماً بين الشباب والشابات، وتحولت كلمة الحب إلى باب من أبواب
الخداع والمكر، للوصول إلى غاية ما، وللنهب والاختطاف، هذه هي ثمرة الحب
الزائف يجنيها أولئك في القرن العشرين، فيلدغهم شوكها، ويستطعمون
بمرارتها، ويتعذبون من آلامها، حب زائف لا عفة فيه ولا طهر، بل كذب وتدليس
فأين الحب الحقيقي؟ أي عفته؟ أين حرمته؟..
إننا نسمع الكثير عن المشكلات الاجتماعية، من حيث العلاقات الجنسية: الانتحار - الضياع - الجنون…
لِمَ
يحدث هذا ؟ هل من حب حقيقي متبادل بين الطرفين نشأ على العفة والشرف؟ لا.
بل لا بد أن أحد الطرفين، قد حمل مشعل الزيف، ليحرق به الآخر، متظاهراً
بأنه ينير له الطريق، وما حمله على ذلك إلا خبث نفسه، ونجاسة ثوبه، وفقده
لكل ما يمت بصلة إلى الشرف والمروءة، والرحمة والود، فهو لم يفكر إلا
بالوصول إلى مآربه، لإشباع غريزته التي استولت عليه فهو كالأنعام بل أضلُ
سبيلاً، قد قطع شوطاً في تعلم المكر والخديعة، فأصبح الزواج عنده كلمة
موبوءة يجب الابتعاد عنها، ويكفيه أن يعيش بين أحضان الضياع، فقد أصبح
ميسوراً لكلا الطرفين أن ينال ما يريده… فهذه صيحات الشباب ترن في الآذان،
وويلات الفتيات تهز المشاعر، لقد حدث هذا، حينما فقدت المرأة حشمتها،
وخرجت سافرة، مُظهرة كل ما يفتن الشباب، فضاعت أنوثتها، وفقدت كرامتها،
ودرس حياؤها فلو أنها حفظت نفسها، ولبست الثوب الذي يغطي فتنتها، ويعيد
لها كرامتها، وطبقت قول الله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن
ويحفظن فروجهن ولا يُبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بُخمرهن على
جيوبهن ولا يُبدين زينتهن إلا لبعولتهن) ، " النور: 31".
فلو فعلت
هذا، لأحبها الشاب حباً حقيقياً، لا حباً جسدياً، ينتهي بقضاء الشهوة
منها، ولما سمعت منها الويلات وكذلك الشاب، لو طبق كل ما يتصف به ذو الخلق
والعقل، وتوجه إلى قول الله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا
فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون) ، "النور: 30". لم تسمع
صيحاته ولم تشاهد ضياعه وجنونه.
ويقول تحت عنوان الحب والغريزة الجنسية
: لا نريد أن نتطرق في هذا البحث، إلى العلاقة القوية، بين الحب والغريزة
الجنسية، لما كتبه أو يكتبه علماء النفس، بل يكفينا أن نفتح كتاب الله
سبحانه، فنجد هذه الآية الحكيمة: (زُين للناس حُبّ الشهوات من النساء
والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام
والحرث ذلك متاعُ الحياة الدنيا واللهُ عنده حسنُ المآب) . "آل عمران: 14"
.
وحينما نقرؤها نفهم مباشرة، أن الحب أول ما يقع، إنما يقع بين
الرجل والمرأة فلقد قدم الله تبارك وتعالى حب النساء، على جميع ما يحلو
للإنسان، ويحبذه في هذه الحياة، قدم حب المرأة على البنين، وعلى المال
وعلى كل ما يسميه الإنسان زينة، ويحب أن يستأثر به…
ومن هنا نلحظ
العلاقة القوية، بين الحب والغريزة الجنسية، إذ المرأة من جنس الرجل،
ويدلنا على هذا كذلك قول الله سبحانه وتعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم
الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً
ونساءً) النساء:1 ، فإشباع الغريزة لا يتم إلى بوجود الطرفين معاً. الذكر
والأنثى، ولهذا يظهر الحب بين الطرفين، ويصبح زينة تظهر للمرء، ويشعر بها
كغريزة مطلوبة، يجب الوصول إليها، وهذه الغريزة لا تتم على الوجه الصحيح
والأكمل، إلا بوجود الحب الدائم، الذي انصهر بها، فإن فقد الحب تحولت هذه
الغريزة الجنسية من العلاقة الوشيجة المبنية على المودة والرحمة، إلى
غريزة بهيمية، تقضى فيها الشهوة بدافع الأمر العفوي، وقدْ نبه على هذا نبي
الرحمة والمودة صلى الله عليه وسلم بقوله : [ لا يَنْزُ أحدكم على امرأته
نزوَ الديك ] [رواه الديلمي وعزاه المناوي إلى أبي يعلى] بل عليه أن
يداعبها ويضاحكها، وينتظر أن تقضي حاجتها منه كما يقضي هو حاجته وبهذا
يبقى الشعور بالحب موجوداً بينهما .
ويتم إشباع هذه الغريزة على الوجه
الأكمل، حينما يستمر الارتباط بين الرجل والمرأة، ارتباط الزوجية على
الطهر والمودة والمحبة، وهذا قول الله تعالى في كتابه: (هن لباسٌ لكم
وأنتم لباسٌ لهن) "البقرة:187" يبين أن المرأة هي الحرث للرجل، وهي
المشبعة لغريزته والمحققة لأحلامه، والمظهرة لحبه، فلا منغص لحبهما، ولا
مانع لإشباع غرائزهما ( هن لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهن )
فهل هناك
أمتن من هذا اللباس الساتر لهما ؟ إنه مصنوع من الحب ، مغزول من المودة
والرحمة فلا وجود للكبت أو الشذوذ الجنسي، بل اللقاء الحار، والمحبة
الصادقة، والألفة الأمينة يشع ذلك كله من خلال هذا اللباس، لباس الطهر
والمحبة، الذي وصل إلى شغاف القلبين معاً، إنها لك وأنت لها، اتحاد كامل
بين جسمين وروحين لا يفترقان، ولا يلجأ أحدهما إلى المخادعة والتلاعب، لأن
الحب قد بني على أسس متينة، مبنية على الطهر والمحبة والرحمة.
ويقول
في موضع آخر: فليعلم كل مؤمن ومؤمنة أن حبهما المبني على الطهر والعفة وحب
أولادهما المؤسس على المودة والرحمة ليس بعيداً عن حب الله ورسوله بل هو
تابع له، فالمؤمن محب لله ولرسوله محب لزوجته وأولاده، محب لكل مؤمن في
هذا الوجود.

الحب والعلاقة أثناء الخِطبة :
ليس
في هذا الوجود من إنسان، إلا وفيه قلب ينبض، وعينان تشاهدان، القلب لا
يخلو من همسة حب، وذرة رحمة، ولكن استعمال هذه الهمسة.. ربما تسخر في
إفساد المجتمع، أو في إصلاحه، ولا بد للشاب أن تصبح عنده علاقة حب مع
إنسانة ما، ربما تكون حقيقية أو خيالية، وكذلك الفتاة، ولا نريد أن نكتب
قاموساً عن العلاقة بين الشاب والفتاة، وعن الفشل والنجاح، بل نريد أن
نبحث عن مدى هذه العلاقة، وكيف تتم؟ وماذا تكون نهايتها في نظر الإسلام؟
إن
أول ما يستدعي الانتباه لحل مشكلة العلاقة، هو قول نبي الرحمة صلى الله
عليه وسلم: e]لم يُرَ للمتحابين مثلُ الزواج ](رواه ابن ماجه والحاكم) .
لقد اعتبر الحب ناقصاً إذا لم يُتوج بالزواج، وليس بالحب الحقيقي إذا لم يصدّق بالزواج .
لهذا
نرى أن الإسلام أوصد باب العلاقة، أمام كل من يريد أن يلهو بها من الطرفين
معاً فجعلها محدودة لكي لا يكون أي مجال للشذوذ والتلاعب وحينما تبدأ نسمة
الحب يُطلب من المحب أن يعقد القِران فوراً، فلا داعي لتضييع الوقت،
وإعادة النظر مرة بعد مرة، لأن الثقة متبادلة بين الطرفين.
ولما فقدت التقوى توفرت دواعي فقدان الثقة، فوجب الحذر الشديد من هذه المرحلة شديدة الحساسية (الخطبة).
أما علاقة الشاب المؤمن، أو الفتاة المؤمنة فمرتبطة برباط الشريعة وهذا الرباط يؤدي - إن تم الوفاق - إلى ارتباط الروحين معاً.