الكنـــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــافة

مهرولاً عاد من المدرسة.. لاهثاً دخل المنزل.. جائعاً عطشاً فتح الثلاجة.. لكنه تذكر مشكلة بسيطة… إنه صائم.
صحيح أن المدرسة أخبرتهم أن الطفل في الثامنة من عمره يتدرب على الصيام فقط، و ليس فرضاً عليه أن يصوم اليوم كله إلى المغرب.. لكنه سيثبت هذه المرة أنه لم يعد طفلاً.. وأنه رجل يتحمل و يصبر.. ويحب الله، وله يصوم.
لكنه لعب الكرة كثيراً جداً، وعاد من المدرسة يتسابق مع أصدقائه.. كما أن رمضان هذا العام جاء في الصيف على غير العادة.. والجو حار، و قد جف ريقه تماماً.
نظر حوله في المنزل الخالي من إخوته و أبويه.. وتأمل بلهفة صينية الكنافة الموضوعة على السفرة.. رائحتها شهية جداً، و هو جائع جداً جداً.
لكن لو أكل منها سيعرف الجميع، و يضحكون عليه لأنه لم يتحمل الصيام.. طرقت على أبواب عقله فكرة.. سيأكل من أسفل الصينية، و بذلك سيبقى " وش الصينية " كما هو.. ولن يعرف أحد.
رفع الكنافة اللذيذة بحرص وبدأ في الأكل من أسفل الصينية بلهفة وهو مسرور لذكائه، ولأن أحداً لا يراه.. ولا أحد سيعرف.
لكن فجأة تصلبت يداه بذهول، وشده بصره.. بصق الطعام من فمه وقال بصوت مرتفع: " ما هذا الذي فعلته؟ أنا أصوم لربنا لا للناس.. وربنا دلوقتي شايفني، و أكيد غضبان".
ترك الصينية وركع على الأرض حزيناً يبكي بدموع حقيقية، لا دموع الأطفال.. مردداً بصوت مبحوح مختنق : " يا رب سامحني.. و أنا مش هعمل كده تاني! " .
تابعت أخته الكبرى كل الموقف من وراء باب الحجرة شبه المغلق في شجن و إشفاق.. رفعت بصرها نحو المرآة ناظرة إلى زيها، الذي لم يعد فعلاً يحجب.. تذكرت كلمات النميمة وتلك النظرات الحرام.. وفكرت.. هذا الطفل يخاف الله سراً.. وأنا لا أخاف الله و أعصيه جهراً.
وانحدرت على وجنتها دمعة و هي تقرر بعزم: " حان الوقت لاثبت أنني فعلاً كبرى.. وأنني أعرف مصلحتي.. إلى أين أسير.. ولمن آبه!"..



كتبه : هيثم صلاح الانصارى >> يسألكم الدعاااء