أرجو أن تقرأ رسالتي جيدا وتنشرها في اقرب وقت لعل نشرها يساعدني علي الخروج من أحزاني والتمسك بحياتي من جديد‏ توفي زوجي الحبيب المحامي الشاب منذ عام تقريبا‏,‏ وراح ضحية حادث سيارة شهير في شارع الحجاز الرئيسي‏,‏ والتي كان يقودها شاب متهور بأقصي سرعة في شارع تملؤه المدارس ويعج بالناس ليلا ونهارا‏,‏ ومات بعد الحادث بخمسة أيام مثل الكثيرين الذين ضاعت حياتهم علي الأسفلت بسبب التهور والقيادة المسرعة التي يمارسها الشباب هذه الأيام بكثرة‏,‏ وبسبب تسابق السيارات الذي يتخذونه لعبة ويحصدون به الكثير من الأرواح البريئة التي تترك خلفها الكثير من الأطفال الأيتام الذين لا حول لهم ولا قوة‏.‏

كنت قد نشرت قصتي في الأهرام العام الماضي‏,‏ وكنت وقتها أناشد كل المسئولين ألا يهرب هذا الشاب قبل أن تنتهي القضية وحتي لا يهرب من العدالة وحكم القضاء‏,‏ وفعلا اهتم الجميع لما نشرت واليوم‏,‏ وقد مر عام علي وفاة زوجي الحبيب حصلنا علي الحكم النهائي في القضية وهو براءة المتهم مراعاة لظروفه‏,‏ حيث إنه في نهائي طب أسنان وهي أول سابقة له‏,‏ أحمد الله علي كل شيء‏,‏ فهذا قضاء الله وقدره ولولا إيماني بالله لكان أصابني الجنون‏

واليوم لا أملك شيئا استطيع قوله غير مواساة نفسي وأولادي الأيتام الذين تركهم لي زوجي أمانة في عنقي فجأة وبدون مقدمات أو ترتيبات‏,‏ فقد كنا لحظة الحادث المرير معا يمسك يدي خوفا علي من السيارات القادمة‏,‏ وكنا في طريقنا لشراء طلبات أولادنا البسيطة وكتبهم المدرسية‏,‏ ومن يومها لم يعد زوجي مرة أخري إلي البيت ولم ير أولاده مرة أخري‏,‏ فقد كانت آخر مرة نخرج فيها سويا وآخر مرة يري فيها طفليه‏,‏ ولم يستطع حتي أن يودعهما أو يقبلهما قبلة الوداع‏,‏ وعدت وحدي منذ هذا اليوم لألقي مصيري المجهول مع رحلة الأيام القادمة ومع أولادي‏.‏

أريد فقط أن اكتب إلي روح زوجي الطاهرة أبلغه انني لم ولن أستطيع نسيانه مهما طال الزمن ومهما فرقتنا الحياة‏,‏ فقد كان مثالا للزوج الوفي المخلص الحنون المتفاني في عمله يساعد الآخرين ولو حتي دون أجر‏,‏ ويساعد زملاءه المحامين في قضاياهم وكتابة المذكرات القضائية معهم بحب وإخلاص ودون أي مقابل‏,‏ كان نعم الزوج والحبيب الذي ملأ علي حياتي طوال‏14‏ عاما قضيناها معا‏,‏ فقد كنت أكتفي به عن العالم وما فيه‏,‏ وكان نعم الأب الحنون القوي الرقيق المشاعر المتعاون الصديق لي ولأولاده‏,‏ حتي انهم كانوا ينادونه باسمه فقط دون كلمة بابا أو بابي‏..‏

كان الصديق الوفي الذي كنت ألجا إليه في أي وقت وعند أي مشكلة‏,‏ فلم يكن زوجا عاديا‏,‏ بل كان يسمعني كثيرا ويسمع كل كلمة باهتمام بالغ دون أن يمل‏,‏ يعطيني النصيحة اللازمة وبهدوء شديد مهما كان ما نتحدث فيه‏,‏ فلم أكن في حياتي معه أحتاج أكثر من هذا‏..‏ زوج جميل رقيق مخلص وفي صديق حبيب أب حنون‏..‏ ليته يسمعني الآن ويعلم كم أفتقده وأفتقد عمري الذي ضاع بعده‏,‏ ولم يتبق لي فيه إلا الذكريات الجميلة فقط‏,‏ وطفلان لا ذنب لهما في أي شيء فهما يحتاجان للحب والحنان والرعاية التي حرمت أنا نفسي منها‏,‏ كم أتمني أن يعرف انني منذ وفاته وحتي اليوم لا أتحدث مع أي انسان إلا عنه‏..‏ وأدعو الله دائما أن يلهمني واولادي الصبر علي فراقه وأن استطيع أن أكمل مشواري مع ولدي بعده‏,‏ وأعوضهما عن حنان الأب الذي فقداه إلي الأبد ولن يعوضهما عنه أي شيء آخر‏.‏

اقول لكل زوجة تشكو من زوجها لأي سبب تافه‏,‏ ان تدعو الله أن يحفظه لها مهما حدث وبجوارها‏,‏ حتي لا تشعر مثلما أشعر الآن بالوحدة القاتلة وعذابها‏,‏ والمسئولية القادمة والخوف علي ولدي من المجهول فلم يكن معنا في هذه الحياة غيره ليرعانا ويعيش معنا‏.‏

رجاء سيدي أن تنشر رسالتي هذه لعل فيها دوائي مما أشعر به‏,‏ فقد أردت أن يقرأها كل من عرفنا حتي يعلم الجميع كم كان هذا الانسان جميلا ولا يعوض‏,‏ وكذلك حتي يحمد كل إنسان الله ويتعظ حين تصادفه أي مشكلة بسيطة فيلعن الدنيا وما فيها‏,‏ وحتي تفكر كل زوجة تختلف مع زوجها لأسباب تافهة فتدعو ألا يعود مرة أخري‏.‏


*‏ سيدتي‏..‏ أتمني أن يقرأ هذا الشاب العابث ـ والذي حماه ضعف القانون ـ رسالتك المؤلمة‏,‏ لعله يشعر هو ومن مثله من الشباب الذين يستخفون بحياة البشر فيغتالونهم بسياراتهم في لحظة تحقيقا لمتعة كاذبة‏,‏ وهم لا يدرون أنهم يدمرون حيوات بشر لم يرتكبوا إثما سوي أنهم ساروا في الطريق آمنين‏.‏

هذا الحكم يا سيدتي يستوجب من أعضاء مجلس الشعب ووزارة العدل مراجعة مواد قانون القتل الخطأ‏,‏ فقانون المرور الجديد يحبس من يسير في الاتجاه المعاكس ولكنه يخلي سبيل من يقتل خطأ وتبرئه المحكمة حماية لمستقبله‏,‏ دون النظر إلي مستقبل أسرة كاملة معرضة للخطر ما تبقي لها من حياة‏,‏ لأنها فقدت عائلها بسبب إهمال وتهور شاب‏,‏ فإذا لم يكن هو حريصا علي نفسه فكيف يحميه القانون ويهدر حق غيره بلا ذنب‏!!‏

سيدتي‏..‏ ها أنا قد نشرت رسالتك تقديرا لإخلاصك ومحبتك لزوجك الراحل الرائع المثالي‏,‏ فليدعو له كل الأصدقاء بالفردوس الأعلي‏,‏ ولتثقي بأن الله سبحانه وتعالي سيكون أرحم بك وبولديك من القانون ومن الشباب العابث‏!‏