أكتب اليك سيدي بعد تفكير عميق وطويل‏,‏ هل أكتب قصتي ليقرأها الجميع أم أخفيها في صدري ولا يعلم عنها أحد شيئا‏,‏ ولكنني أخيرا قررت أن أرسلها لك لعلك تنصحني وتساعدني علي اختيار القرار الأصح بعد أن حاولت جاهدة أن أتخذ قرارا في مشكلتي‏,‏ ولكن لم أستطع حتي اليوم بالرغم من مرور مدة طويلة من التفكير المستمر‏,‏ سيدي أنا امرأة في أوائل الأربعينيات من عمري‏,‏ جامعية‏,‏ مثقفة وعلي قدر من الجمال لا بأس به ولي طفلان‏(13‏ و‏11‏ سنة‏)‏ من زواج دام خمسة عشر عاما هي من أجمل سنوات عمري التي عشتها وتمنيت أن تطول أكثر من ذلك‏,‏

ولكن شاء الله وشاء القدر ان يتوفي زوجي الغالي ويرحل فجأة وبدون أي مقدمات فلم يمرض أبدا‏,‏ ولكنه راح ضحية حادث سيارة‏,‏ ولم يكن لنا أنا وأولادي سوي هو بعد الله تعالي‏,‏ فلي إخوة وأخوات كثيرون وهو كذلك‏,‏ ولكنك تعلم جيدا مشاغل الدنيا علي الآخرين‏,‏ وان كنت لا أنكر مساعدة اشقائي لي ولأولادي ماديا منذ وفاة زوجي الراحل حتي اليوم ولكنني كنت احتاج ايضا إلي مساندتهم المعنوية أكثر من المال بكثير‏,‏ احتاج إلي الشعور بحبهم وعطفهم حتي لا أشعر بالحاجة إلي أي أحد آخر‏,‏

وكذلك زوجي الراحل له اخوة آخرون ولكن كل يمضي في طريقه ويسألون علينا فقط من وقت لآخر وفي المناسبات ماعدا أخته الوحيدة ووالدته يسألان عنا بصفة منتظمة جعل الله ذلك في ميزان حسنات كل من يسأل عنا فالسؤال عن الأرملة والأيتام صدقة وهناك أحاديث نبوية علي ذلك كنت أعمل حتي فترة قصيرة في وظيفة مرموقة‏(‏ مديرة للاستيراد‏)‏ بإحدي الشركات الكبري‏,‏ ولكن شاء القدر ان اترك عملي هذا الذي هو مصدر الرزق الأساسي لي ولأولادي بالإضافة لمعاش والدهم‏(‏ خمسمائة جنيه‏)‏

ولكن شاء الله أن يختبر صبري مرة أخري‏,‏ وتم تعيين مدير جديد لدي الشركة أتي من الخارج ليصلح أحوالها ويعيد تنظيمها من جديد‏(‏ كما يقول‏)‏ وبدأ اجراءات التصليح هذه بفرض سيطرته علي الموظفين والمديرين القدامي‏,‏ ومضايقة الكثير منهم‏,‏ وكنت أنا أحدهم فأنا من أكبرهم سنا وخبرة وهو لم يكمل الخامسة والثلاثين فأراد كباقي الشركات الآن تجديد دم الإدارات لعل ذلك في نظره هو أحد أسباب الاصلاح سامحه الله‏,‏ وان كانت وظيفتي تستدعي الخبرة العملية والممارسة الطويلة أكثر من السن الصغيرة‏,‏ وللأسف الشديد لم أستطع تحمل طريقته في التعامل‏,‏

فعلي مدي ثلاث سنوات قضيتها في هذه الشركة كان كل من فيها من أصغر عامل حتي أصحابها أنفسهم يعاملونني بأحسن طريقة ويعتمدون علي في الكثير من الأعمال الهامة لعلمهم بخبرتي الطويلة في هذا المجال‏(‏ عشرون عاما‏),‏ وكذلك أنا فلم يحدث أن اختلفنا يوما واحدا علي أي شيء‏,‏ وللأسف اضطررت لتقديم استقالتي حفاظا علي كرامتي التي لا أستطيع أن أفرط فيها حتي ولو لم أجد قوت يومي أنا وأولادي‏,‏ وأتمني من الله أن يرزقني بعمل آخر مناسب فأنت تعلم أن أغلب الشركات الكبري الآن يفضلون من هم أقل من الخامسة والثلاثين ويتجاهلون من تعدي الأربعين‏.‏

وفي أثناء هذه المحنة سيدي ظهر في حياتي رجل محترم‏,‏ ويعمل بالكثير من المجالات كان صديقا لزوجي الراحل وهو متزوج وله أولاد كبار‏,‏ وقد كان منذ وفاة زوجي يسأل علينا باستمرار ويساعدنا في أي مشكلة تصادفنا‏,‏ ولم يظهر يوما اهتمامه بي شخصيا ولكنه كان يظهر حبه لزوجي الراحل ولأولادي وحبه لخدمتنا‏,‏ وبعد مرور عام ونصف عام تقريبا علي وفاة زوجي طلب مني الزواج ووعدني بأن يرعاني ويرعي أولادي الأيتام‏(‏ وأنا أثق في ذلك‏),‏ وأبلغني أنه علي خلاف دائم مع زوجته منذ أكثر من خمسة أعوام‏,‏ أي قبل وفاة زوجي بكثير وبأنه كان ينوي الزواج بأخري سواء قبلت أنا أو غيري‏,‏

ولكنه فضل الارتباط بي بصفة خاصة حتي يجازيه الله عنا خيرا فهو بذلك سيرعي أرملة وحيدة وأطفالها الأيتام‏,‏ ولا أنكر سيدي انني برغم خوفي الشديد من الاقدام علي هذه الخطوة وبرغم خوفي علي الأطفال فكرت للحظات لم لا أنا فعلا أحتاج له بجانبي فليس بجواري أحد يساندني ويكمل معي مشوار حياتي القادمة‏,‏ فكنت أحتاج إلي اهتمامه وعطفه وحبه ولو بالكلام فقط‏,‏ فقد فقدت كل هذا بعد وفاة زوجي الراحل ولم يعوضني وجود اخوة لي بجواري عن هذا الحب والحنان المفقود‏,‏ ولكنني برغم كل هذا وفجأة وبعد أن وعدته أن أكمل حياتي الباقية معه‏,‏

وجدتني أتصل به وأبلغه برفضي وبأنني لا أستطيع أن أكمل هذا المشروع وبأن ارتباطنا استحالة‏,‏ فلم أعد أقوي علي تحمل أي صدمة أخري أو أي نوع من المشاكل التي قد تحدث بسبب هذا الزواج من رجل متزوج بأخري وله منها أولاد لن يتنازلوا عنه بسهولة أو عن جزء من وقته وهذا حقهم‏,‏ ولكن للأسف لم يقتنع بقراري واتهمني بأنني أتلاعب به وبمشاعره وأستهتر بها‏,‏ ولكن أقسم لك سيدي اني لم أقصد هذا أبدا بل أشعر بأن الله أفاقني في الوقت المناسب ولا أدري سيدي هل كان تصرفي هذا هو التصرف السليم أم لا‏,‏

فقد كنت أحتاج إليه فعلا من جميع النواحي ولكنني أيضا لا أريد أن أكون سببا في ظلم عائلة أخري لا ذنب لها وإن كنت في ذلك قد ظلمت نفسي‏,‏ وأحيانا أفكر هل كان هو طوق النجاة الذي وضعه الله في طريقي لينقذني من وحدتي ويأسي وأنا التي تخليت عنه بهذه السهولة؟ أرجوك يا سيدي اكتب لي رأيك بصراحة حتي أهدأ وأتأكد هل برفضي هذا ظلمته وظلمت نفسي وأولادي بإبعاده عن حياتنا في أشد وقت نحتاج إليه فيه خصوصا بعد أن ضاع كل شيء حتي عملي الذي كان يشغلني كثيرا؟ هل أخطأت أم أن هذا هو القرار السليم الذي كان يجب علي اتخاذه برغم حاجتي الشديدة إليه‏,‏ وبرغم أنه لم يكن ينوي فراق عائلته الأصلية بل كان سيظل معي ومعهم في الوقت نفسه؟‏!‏


*‏ سيدتي‏..‏ تعالي نتفق أولا علي أنه من حقك كما من حق غيرك أن يجد أو يرتضي بمن يعينه علي مواصلة رحلة الحياة الشاقة‏,‏ خاصة في ظل انشغال الأهل والأصدقاء‏,‏ ولكن هذا الحق ليس مطلقا وإنما يرتبط بعوامل وأطراف أخري ستنعكس نتائجه حتما عليهم‏.‏ أقصد اختيار الشخص المناسب من حيث الأخلاق والتكافؤ‏.‏ وفي بعض الحالات يكون التفرغ لتربية الأبناء هو الأنسب لمن يقدر علي ذلك‏.‏

وفيما يخصك سيدتي‏,‏ فهذا الرجل ليس غريبا عنك‏,‏ تعرفين خلقه ونبل مقصده‏,‏ وربما أراد من ذلك عدم اثارة الشبهات والقيل والقال حول علاقته بأسرة صديقه الراحل‏.‏ فإذا اختار الحلال فلا أحد يمكنه لومه‏,‏ وهو وحده القادر علي تحديد انعكاس ذلك علي أسرته وتحمله مسئولية أسرتين‏.‏ أما دورك أنت فهو مقصور علي حدود تأكدك من أنه لم يخدعك وعلاقته بزوجته كما حكاها لك‏,‏ لأنه لو كان ظالما لها‏,‏ سينالك حتما من هذا الظلم نصيب‏.‏ وحتي يطمئن قلبك استشيري الأقرب إليك من الأهل والأصدقاء وتحدثي مع طفليك‏,‏ فإذا اطمأننت‏,‏ فلا تهدري حقك في فرصة أفضل للحياة قد يكون فيها خير لك ولابنيك علي أن تحرصي كل الحرص علي دفعه للإحسان في معاملة زوجته الأولي وأم أبنائه‏.‏

أعانك الله إلي حسن القرار وعلي تربية أبنائك وإن كنت أنتهزها فرصة لدعوة أهلك إلي السؤال عنكم والاهتمام بطفليك‏,‏ فما أقسي الحياة علي أرملة تعول طفلين في هذا العمر‏.‏