أصبحت قضية حماية البيئة وصيانة عناصرها المختلفة موضوعا رئيسيا على موائد البحث العلمى، ومن أجل (تفعيل دور الدولة فى حماية البيئة فى مصر) كان المؤتمر العلمى السنوى الحادى والعشرين للاقتصاديين المصريين، والذى نظمته الجمعية المصرية للاقتصاد السياسى والاحصاء والتشريع. وتعرضت فعاليات المؤتمر لأهم قضايا البيئة فى مصر من حيث مصادر التلوث وأسبابه ومداه، وتقييم السياسات التى طبقت خلال الفترة الماضية، والمنهج المقترح للتحكم فى التلوث وزيادة فاعلية السياسات اللازمة لذلك.



وقد تناولت المباحث الثلاثة التى أعدها د. محمد محمد مصطفى البنا ود. سعد مسعد شحاته أهم قضايا البيئة فى مصر، والتلوث المائى الذى يشمل كلا من البيئة البحرية والماء العذب، فالأولى قد بلغ تدهورها حدا مثيرا للقلق خاصة بالنسبة لشواطئ مصر الشمالية، حيث حدثت زيادة ملحوظة فى التلوث الناجم عن الصرف الصحى فى مياه شواطئ شرق الاسكندرية، مما أضحى يهدد الكائنات البحرية والبيئة البحرية بهذه المنطقة، كما تعانى البحيرات المصرية فى شمال الدلتا (مريوط – ادكو – البرلس – المنزلة) من حالة تسمم حاد ومزمن ناتج عن الصرف الصناعى والزراعى.



ووفق الدراسات أن الصرف الزراعى والصناعى فى هذه البحيرات قد قتل 50% من الكائنات البحرية الموجودة بها.



أما المياه العذبة التى تتمثل فى مياه نهر النيل والمياه الجوفية، فتتنوع مصادر التلوث ما بين المصادر الصناعية والزراعية ومياه الصرف الصحى والقمامة والمصادر الأخرى، ويزداد تلوث الماء العذب كنتيجة مباشرة للتوسع فى مشروعات التنمية الصناعية والزيادة السكانية وغياب التخطيط البيئى وسوء استخدام نهر النيل وصرف المصانع والتجمعات السكانية لمخلفاتها السائلة اليه مباشرة أو بطريقة غير مباشرة مما أدى إلى زيادة تلوث مياهه والتغيير فى خواص المياه الطبيعية والكيميائية مما يؤثر بالتالى على جميع أنواع الحياة بالنهر واستخدامات المياه المختلفة.



وهناك أعداد كبيرة من المصانع الواقعة على ضفتى النهر إن لم تكن جميعها، تلقى بمخلفاتها فى النيل دون معالجة، وهى مصانع ضخمة تلقى بكميات كبيرة تضاعف من التلوث، مثل مصر مخر السيل فى أسوان، وفيه تتجمع مخلفات صناعية ,اخرى آدمية وتشكل مصدرا خطيرا لتلوث نهر النيل، ومصانع كيما فى أسوان، ومصانع السكر فى كوم امبو وادفو ودشنا وقوص ونجع حمادى، ومصانع الزيوت والصابون ومصانع تجفيف البصل فى سوهاج، ومصانع حلوان وأسيوط وأبى زعبل وطلخا وكفر الدوار وغيرها.



وعلى سبيل المثال تلقى شركة النصر للكوك والكيماويات 16 ألف متر مكعب فى اليوم مخلفات صناعية سائلة حمضية تحتوى على مواد عالقة وتركيزات عالية من الأمونيا والنترات، كما تلقى شركة الحديد والصلب حوالى (600) ألف متر مكعب فى اليوم مخلفات سائلة عالية الملوحة وتحتوى على تركيزات عالية من الحديد والمنجنيز والزنك، وكذلك تلقى شركة النصر لصناعة المواسير الصلب ولوازمها حوالى (34) ألف متر مكعب فى اليوم مخلفات سائلة تحتوى على مواد عضوية وفوسفات وزيوت ومعادن مثل الحديد والمنجنيز والزنك، أما شركة السكر والتقطير المصرية فتلقى حوالى 80 ألف متر مكعب فى اليوم مخلفات سائلة تحتوى على مواد عالقة بنسبة عالية وحمل عضوى عال علاوة على الفوسفات.



ضوضاء التلوث



على جانب آخر أوضحت الدراسات أن نسبة تلوث الهواء فى مصر تتراوح بين 7-10 أضعاف الحد الأقصى المسموح به فى المناطق السكنية وان تزايدت نسبة ملوثات الدخان وثانى أكسيد الكبريت، وما ينتج عن عوادم السيارات من زيادة نسبة الرصاص فى طبقات الهواء السفلى قد أصبح ضارا بصحة الانسان والحيوان والنبات.



ومن الدراسات الميدانية والاحصائية يتبين أن معدل تلوث هواء العاصمة (القاهرة) أضعاف المعدلات المسموح بها دوليا بسبب المناطق الصناعية وحرق القمامة وعادم السيارات وغير ذلك، وأيضا فإن القاهرة قد تجاوزت حدود الأمان فيما يختص بالتلوث والتى جعلتها تحتل مكان الصدارة بين دول العالم المختلفة فى درجة التلوث.



وفى مقارنة بين نسبة التلوث فى هواء القاهرة مع بعض العواصم الأخرى والمعدلات الدولية نجد أنه بينما تصل نسبة الرصاص فى الجو 4.4 ميكروجرام/م3 فى لندن و3.8 ميكروجرام/م3 فى برلين، ترتفع النسبة فى القاهرةل تصل إلى 14.9ميكروجرام/م3، كذلك وصلت نسبة ثانى أكسيد الكربون 380 ميكروجرام/م3 فى هواء القاهرة بينما المسموح به دوليا لا يتعدى 200 ميكروجرام/م3.



وتسجل معظم المدن المصرية أعلى نسب الضوضاء بين مدن العالم وترجع مصادر الضوضاء الرئيسية للإسراف فى استخدام آلات التنبيه الصوتية لوسائل النقل العام والخاص وضجيج محركات المركبات والطائرات واستخدام مكبرات الصوت فى كافة مظاهر الفرح والحزن والدعاية وانتشار المصانع الصغيرة والورش داخل الأحياء السكنية، وقد أثبت أسلوب التنظيم فشله فى الحد من ظاهرة الضوضاء.



وفى مدينة القاهرة حيث يبلغ عدد السكان حوالى 12 مليون نسمة تمثل شدة الضوضاء من 70-92 ديسيبل وفى مدينة طنطا حيث يبلغ عدد السكان حوالى 4 ملايين نسمة تمثل شدة الضوضاء من 62-84 ديسيبل وذلك على سبيل المثال، كذلك فإن مستوى الضوضاء فى الأحياء ذات المستوى المعيشى المرتفع والمتوسط يصل إلى الحد المسموح به، أما فى الأحياء ذات المستوى المعيشى المنخفض فكانت شدة الضوضاء أعلى من الحد المسموح به بكثير.



ومن العوامل التى ساعدت على انتشار الضوضاء ضيق الشوارع حيث أثبتت الدراسة أنه إذا كان عرض الطريق 6 متر يتضخم مصدر الصوت البالغ قدره 95 ديسيبل ليصبح 105 ديسيبل نتيجة رنين الصوت على حوائط المبانى، أما إذا كان عرض الشارع 24 متر فلا يحدث تضخيم الصوت، وأيضا عدم وجود موانع صوتية على جانبى الطريق مثل الأشجار والحواجز الصناعية العالية، وارتفاع درجة الحرارة فى معظم شهور السنة مما يدفع المواطنين إلى فتح النوافذ للتهوية، حيث أن اغلاق النوافذ يمنع حوالى 25 ديسيبل من الضوضاء فى الشارع، وعدم الفحص الفنى لوسائل النقل مما يرفع من صوت محركاتها.



(نفايات صلبة)



ويوضح البحث أن النفايات الصلبة (القمامة) يتم التخلص منها على ثلاثة مراحل هى التجميع والنقل ثم المعالجة، ويقدر حجم هذه المخلفات على مستوى الجمهورية يوميا بواقع 22 الف طن منها 14 ألف طن قمامة من المنازل والشوارع و8 آلاف طن مخلفات مبانى ومرافق عامة.



وفى مدينة القاهرة يبلغ حوالى خمسة آلاف طن يوميا وفى الاسكندرية حوالى 1250 طنا يوميا، وتتوزع القمامة على سبيل المثال فى مدينة القاهرة يوميا ما بين أطنان حديد ومواد خضراء وبلاستيك وورق جرائد ومنسوجات وعظام وحجر وغيرها.



وعلى مستوى تجميع القمامة، فلاتزال الجهود المبذولة قاصرة عن الوفاء بنقل القمامة بالكامل خارج اطار المناطق السكنية نظرا لقصور جهود الأجهزة الحكومية والقطاع الخاص، حيث يتم تجميع ونقل نحو ثلثى كمية النفايات الصلبة، ومن ثم يترك الثلث المتبقى فى الشوارع والطرقات ومقالب القمامة داخل المناطق السكنية ومناور المنازل ومداخلها وأمامها.



(منهج مقترح)



ويتعرض البحث لتدهور خصوبة الأراضى الزراعية (التصحر)، حيث هناك اختلاف فى توازن الرى بين الزيادة والنقصان، وعوامل التعرية والانجراف، والكثبان والفرشات الرملية المنتشرة فى الصحراء الغربية تعد مصدر تهديد للواحات وشبكات الطرق والتخوم الغربية للأراضى الزراعية فى صعيد مصر.



ويذكر أن مصر أصبحت تتواجد على خريطة العالم للتصحر التى تضم حوالى 90 دولة تواجه مشكلة التصحر حيث انخفضت انتاجية أراضى هذه الدول خلال عشرين عاما بمعدل 40% كما أن احتمالات نقص الأراضى القابلة للزراعة تصل إلى 25% من الأراضى المنزوعة فى الدول النامية حتى عام 2000.



وينبه البحث إلى أن قضايا البيئة فى مصر لم تعرف سياسات لحمايتها حتى بداية الثمانينات من القرن العشرين، باستثناء التشريع، ولم تأخذ فى الاعتبار أعمال الأدوات الأخرى إلا فى حالات نادرة، فقد عرف التشريع المصرى الرسم أو الضريبة لحماية البيئة عندما استخدم الرسم مرتين، فى المرة الأولى تقرر تحصيل 2% من قيمة ايجار المساكن كرسم للنظافة والمرة الثانية عندما تقرر تحصيل 10% من قيمة تذاكر الطيران والبواخر وتخصيص نصف هذه الحصيلة لمشروعات حماية البيئة من التلوث والحفاظ عليها.



ومع تزايد الاهتمام بقضايا البيئة أصبحت هناك ضرورة لوجود تشريع موحد لحماية البيئة، فقد صدر فى يناير 1994 القانون رقم 4 لسنة 1994 باصدار قانون فى شأن البيئة وفى طياته ألغى القانون رقم 72 لسنة 1967 فى شأن منع تلويث مياه البحر بالزيت ولكنه أبقى على باقى القوانين المتعلقة بالبيئة والتى سبق الاشارة إليه.



وتضمن القانون رقم 4 لسنة 1994 باب تمهيدى يشمل بعض العبارات المتعلقة بالبيئة، ونص على حماية البيئة الأرضية من التلوث، وحصر صيد وقتل الطيور والحيوانات التى تحدد أنواعها اللائحة التنفيذية، وحصر المواد والنفايات الخطرة، ووسائل حماية البيئة الهوائية من التلوث، وطرق حماية البيئة المائية من التلوث بواسطة الزيت والمواد الضارة.



وقد تمثلت أوجه القصور فى معالجة قضايا البيئة فى غياب المنظور الشامل لقضايا البيئة، وبالرغم من أن التشريع قد حظى بالأولوية فيما يتعلق بأدوات حماية البيئة إلا أن النصوص المتفرقة فى قوانين عديدة خاصة بجوانب بيئية كانت تكتنفها كثيرا من الصعوبات والمعوقات.



ولا ينفى البحث أن هناك انجازات قد تحققت من خلال جهاز شئون البيئة ووزارة البيئة وغيرها من الأجهزة المعنية، مثل ايجاد قدر مناسب من التفهم لمشاكل التلوث والوعى بها، ومن ناحية أخرى غياب الادراك الكامل للعواقب البيئية على مستوى الفرد والوحدات الانتاجية.



ويشمل البحث (منهج مقترح) لمنع التلوث قبل تولده، ويبدأ ذلك من فهم التلوث ومصادره وجذوره الناتج من النشاط البشرى، والتصدى لجذور التلوث بالتمييز بين مصادره المختلفة، ومواجهة كل مصدر على حدة، وتغيير مسارتنا القديمة القائمة على أن الملوثات التى تنبعث إلى الفضاء أو تصب فى البحار والأنهار سوف تختفى، فالحقيقة أنها تبقى وتتفاعل وتؤثر فى حياتنا.



ويستند هذا المنهج فى مجابهة التلوث على مجموعة من خطوط الدفاع أو الحلقات المتتابعة فى شكل اجراءات تزيد من فاعلية ادارة منع التلوث بداية من المنع كأولوية أولى أو خفض التلوث عند المصدر كلما أمكن ذلك.