يمتلئ الأفق بالغيم ولكنه ليس غيماً إنه غبار يملأ الجوّ, وقد يسدّ منافذ الرؤيا...
قلبك المقاوم دائماً يمتلك وسائل دفاعه, يجرك وراءه على طرقات آملاً أن تلتقي فيها بحزمة ضوء تبدد أفق الغبار وأنت ضعيف أمام إلحاح هذا القلب, يحملك الى البعيد حيث تظنّ أن الشعر سيكون حزمة الضوء التي‏
تبتغيها, نافذةً لا تمل التطلع من خلالها الى العالم ووجوه الناس, وجوه متعبة ولكنها تحمل الدفء والحبَّ وعيون تخترق جدران الوحدة التي تحسها في زحام حياتك, فتستنبت فروعاً وعرائش كانت مخبوءة في أقاصي النفس .‏
أنت تعرف مسبقاً أنك لا تذهب بحثاً عن المكافأة المادية التي تقدمها الجهات المسؤولة عن دعوتك لأنها أقل بكثير مما تبذله من وقتك وروحك ومشاعرك, تشعر أنها ثمن بخس ولطالما تمنيت ألا تكون لأنها تبث فيك غضباً خفياً يتبدّى بصيغ شتى تقترب من الشعور بالإزدراء لكل أشكال الإبداع قياساً الى مهن أو حرف لا تحتاج كل هذه الطاقة المستنزفة من الروح. ولكنك توطن نفسك أن الحفاوة والمحبة والتواصل الإنساني الذي تلقاه يكفي ليرفع روحك الى آفاق رحبة.‏
نعم أنت تبحث عن تواصل إنساني أين منه المكافآت المادية, ولكن حتى هذا يصدمك أحياناً كثيرة.‏
أنت تعرف هذا الوجه بل تتذكر كم تقاسمتما جلسات وأحاديث وملاحظات ولكن مهلاً إنه الآن في الموقع الآخر الذي ظننت أنه سيحفظ مكانتك وصداقتك عربوناً دائماً.. كم تجرحك حقيقة ما ترى, أنت الآن لوحةٌ معلقة يزين بها احتفاله!!!!‏
ولكن لماذا تذهب بعيداً ألم تقدم العمر والشباب للأبناء راضياً كما هو واجبك ?! وها أنت تراهم تنبو كلماتك عن أسماعهم, وآراؤك عن مسيرتهم, لعلك لم تعد أكثر من مصدر تمويل له آراء غير ملزمة, سيرفعون في وجهك ما يحفظون من التراث الذي تحب: «لا تقسروا أولادكم على التخلق بأخلاقكم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم». أنت تعرف هذا وتقره ولكن ليس الأمر كما يفهمون. حيث تغيب من حياتهم تجاربك وخبرتك وخوفك على مستقبلهم.‏
أتذكّر حين كنا صغاراً ويأتينا ضيوف انقطعت بهم سبل العودة الى قراهم ليلاً, وكان بيتنا متواضعاً بالكاد يتسع لنا, يوقظنا الأهل من أسرّتنا لنُخلّيها للضيوف ورغم النوم العالق على الجفون لم نكن نستنكر أو نستغرب ?! أعرف أن الزمن قد تغيّر وكذلك الناس ولكن ما يحزُّ في النفس هو غياب ما يسمى بالنخوة هذه الشيمة الأصيلة التي تدفع صاحبها أن يقدم للآخرين ما هم بحاجة إليه ولو كان موقفاً لطيفاً أو حتى كلمة طيبة. نعم تغيب النخوة في زمن العولمة والتمركز حول الذات التي تتحول الى كتلة رواسب تأخذ ولا تعطي.‏
النخوة في لهفة الجار وحرص الأخ والصديق والترحيب بالضيف وابن السبيل الذي جُعلت له قسمة في الزكاة والعطاء, هذه النخوة التي أخذت تغيب أمام زحف قيم تتمركز حول الأنا التي لا تتسع إلا لذاتها ولا تعطي إلا لتأخذ أضعافاً مضاعفة, ربما بالغتَ في القتامة قليلاً ولكنك طالما آمنت أن الحياة لا تعاش بالطول فقط وإنما بالعمق أيضاً...‏