سمعة ثالث أكبر مدينة في ايطاليا وهي نابولي ليست عطرة لكن الحقيقة أنها جوهرة مخفية مليئة بالمعالم السياحية الخلابة والثقافة الراقية والتاريخ الحافل والطعام الجيد الذي لا يقاوَم. حديث الناس يدور عن عصابات الكامورا التي تنافس المافيا الصقلية والفضائح المالية والتجارة في السوق السوداء والبضائع المزيفة وأزمة تجميع النفايات وطمرها التي انحلت أخيرا منذ وصول سيلفيو برلسكوني وحكومته اليمينية في الربيع الماضي الى سدة الحكم. إذا وصلت الى نابولي بالقطار السريع من روما التي تبعد عنها 220 كيلومترا خلال ساعتين وتجولت في شوارعها لن تحس بأن بعض أحيائها لا تدخلها الشرطة لأنك لن تجد سوى الود والترحيب والمرح وحب الحياة والفرفشة، إنما ستلمس أنها أكثر فوضى من مدن الشمال فالسيارات تصطف أحيانا على الأرصفة بينما يسير المشاة في وسط الطريق لكن أهلها يمتازون بالظرافة والأنس والنشاط والابتكار وخفة الروح.



يكفيك أن تلاحظ الأسماء الطريفة لبعض مطاعمها: الطاهي المجنون – بيتزا رئيس الجمهورية – البدين – طوفان نوح - غرفة المذاقات - الخبر – ميمي عند المحطة – أصدقائي الأعزاء – شرفة الدبّور.

لماذا تذهب إلى نابولي؟
خليج نابولي هو من أشهر المعالم السياحية والأثرية في ايطاليا وينافس فيما يقدمه نفائس روما وفلورنسا وفينيسيا (البندقية).
التنزه في شوارع نابولي وكورنيش البحر يجعلك تحس بأنك في وسط البحر الأبيض المتوسط ويذكرك ببيروت والاسكندرية وتونس وحتى الضوضاء والصياح يكاد أن يكون له طابع عربي.



ساحل أمالفي المجاور لنابولي مليء بأشجار البرتقال والليمون الفاخر المعطر ومدينة سورينتو يحلم كل عاشق بزيارتها وروعة رافالو وبوزيتانو تكفي لسحر العقول والنفوس وللفوز بلقب أجمل مدن ايطاليا الجنوبية وجزيرة كابري ما زالت تجتذب ألوف السياح لجمالها الخلاب، وبالقرب من نابولي يقع بركان فيزوف الشهير الخامد الذي غمرت حممه ومقذوفاته مدينة بومبي التاريخية منذ ألفي عام ويكفيك الآن زيارة تلك المدينة الفريدة لتبرير رحلتك إلى نابولي وشاطئها الفاتن وخليجها الباهي المتكاسل.

وبالقرب منها ايضا تقع حدائق القصر الملكي ريجيو دي كاسرتا التي تنافس حدائق قصر فرساي قرب باريس وتكاد تنجح في تلك المنافسة وإذا كان هدفك الاكل فهذا هو مركز إنتاج جبن الموتزاريلا الأبيض الطازج الذي يستخدمونه مع طماطم نابولي وقليل من الحبق أو الريحان وزيت الزيتون لتحضير سلطة كابري المشهورة أو البيتزا النابوليتانية التي اخترعتها المدينة لتكريم الملكة مارغريتا المحبوبة أثناء زيارتها لأحد المخابز.

كانت نابولي تنافس باريس خلال فترة الوحدة الايطالية التي بدأت عام 1860 كمدينة حافلة بالثقافة الرفيعة ورغم تقهقرها في القرن الماضي ما زالت نابولي إحدى أهم مدن الفن في ايطاليا نظرا للمستوى العالي لمتاحفها وأبنيتها وكنائسها. تختزن نابولي الفين وخمسمائة عام من التاريخ وقد مرت عليها ستة حقبات مهمة: عهود الاغريق والرومان ثم العهد البيزنطي والدوقية وتبعه حكم النورمان القادمين من البلاد الاسكندنافية ثم الاسبان وبعدهم أقيمت مملكة نابولي لمدة ستة قرون من القرن الثالث عشر حتى التاسع عشر حين توحدت ايطاليا، وتخطيط المدينة منذ القرن الخامس قبل المسيح ما زال قائما حتى اليوم واسمها يعني «المدينة الجديدة» neapolis مثل نابلس في فلسطين.


ما فتأت نابولي تفتخر بكونها عاصمة ملكية لعائلة البربون الفرنسية لمدة تربو على 150 سنة وما نراه الآن في وسط المدينة هو من مخلفات الحكم الملكي، ومن أهم المعالم حصن البيضة Castel dell’Ovo، وتقول الأسطورة إن نابولي مبنية فوق بيضة منذ أن شيد الرومان إحدى الفيلات الفخمة في باب سانتا لوتشيا في الموقع الممتاز في الخليج الذي يطل على بركان فيزوف وحوّلها النورمان في القرن الثاني عشر الى حصن وأنسب وقت لزيارة الحصن الآن هو في ساعة الغروب حين تشاهد انعكاس أشعة الشمس المودعة على أمواج البحر الهادئة.



أما الحصن الجديد Castel nuovo فقد بني في القرن الثالث عشر في عهد الاسبان وترى فيه الآن قوس النصر الرخامي الذي بني في عهد الملك الفونسو الخامس ويضم الحصن حاليا المتحف المدني الذي يقع في ساحة البلدية.



لابد أيضا من زيارة القصر الملكي في ساحة بليبيشيتو الذي جرى تجديده عدة مرات وآخرها من قبل كارولين شقيقة نابوليون حين طرد شقيقها عائلة البربون الملكية من نابولي لفترة قصيرة، ولا بد من زيارة الغرف الملكية لترى حياة البذخ التي عاشتها العائلة الملكية ذات الأصل الفرنسي، وحين تخرج من القصر بإمكانك تناول قهوة الاسبريسو أو الكابوتشينو في أشهر مقهى في نابولي منذ افتتاحه عام 1850 ويدعى غرامبرينوس وقد كسيت جدرانه بالمرايا.



ساحة بلبيشيتو Piazza del Plebiscito من المعالم المهمة وأعمدتها تشبه الأعمدة في ساحة القديس بطرس في مدينة الفاتيكان بروما وفيها كنيسة مشهورة هي كنيسة سان فرنشسكو دي باولا التي تم تجديدها ايام اتحاد نابولي مع مملكة صقلية.



ومن المتاحف ستستمتع بالتجول في متحف الآثار الوطنية Museo archeologico nazionale رغم التصليحات المستمرة فيه منذ سنوات إذ يحتوي على اهم الاثار الاغريقية والرومانية القديمة فهناك تمثال رائع لافردويت ربة الجمال وللفسيفساء الرومانية التي احتفظت بألوانها الزاهية عبر العصور وبالادوات المنزلية المتبقية في بومبي منذ ان ضربها البركان، وهناك الخزانة السرية المليئة بالفن الجنسي السائد ايام الرومان والتي كانوا يغلقون ابوابها سابقا لكن محتوياتها أصبحت الآن في متناول جمهور الزائرين،

أما متحف كابو دي مونته فكان قصرا ملكيا في القرن الثامن عشر وفيه مجموعة هائلة من الفن الزخرفي واللوحات الثمينة لتيسيانو وكارافاجيو وعمالقة الرسم الاسباني والهولندي.
أطلق الاغريق كلمة العالم السفلي من نابولي وبإمكانك الآن زيارة مدينة قديمة أخرى تقع تحت نابولي الحالية ومدخلها من ساحة سان غيتانو وعليك الهبوط على ادراج طويلة على ضوء الشموع لتكتشف المغاور الرومانية العتيقة التي تم التعرف عليها منذ القرن السابع عشر.

ولتكتمل الزيارة لنابولي لابد من التوقف عند كنيسة سانتا كيارا التي ألهمت أغنية نابوليتانية معروفة وقد بنيت الكنيسة عام 1300 على النموذج القوطي وتتميز بهدوء وفتنة الجو المحيط بها ويقصد أهالي المنطقة مطعما تقليديا شعبيا بالقرب منها يدعى «تمباني وتمبورا» يقدم وجبة المعكرونة مع جبن القشقوان على الواقف لأن الكراسي غير متوفرة في هذا المطعم الغريب اللذيذ.

أغاني نابولي ودار الاوبرا:
شهرة أغاني نابولي طبقت الآفاق ورقصة التارنتيلا الشعبية النابوليتانية معروفة في العالم قاطبة فإذا أحببت الاستماع الى الغناء الشعبي في مسرح ترايانون فقد تشاهد كبار الفرق الموسيقية الغنائية مثل كانتوري دي بوسيليبو أو فرتوزي دي سان مارتينو أو لعله من المؤكد أنك ستجد الغناء الأصلي في المطاعم التقليدية مثل لا برساليا حيث سيقطع المغنون التهامك للطعام ليتحفوك بأغنية «سانتا لوتشيا» أو «عد الى سورنتو» ويلفظونها باللهجة المحلية torna a surriento أو يقال إن مؤلفها ارنستو دي كيرتس كان يدعو رئيس الوزراء عام 1903 للعودة إلى سورنتو للوفاء بوعوده لدعم اقتصادها المتعثر لكن الجمهور حولها إلى أغنية عاطفية، وأغنية «يا شمسي» o sole mio التي يظن البعض أنها النشيد الايطالي الوطني لكثرة ما سمعوها.

أما إذا كنت تنشد رؤية الاوبرا في أحد أعرق المسارح الغنائية الايطالية فعليك بتياترو سان كارلو الذي تم بناؤه عام 1737 أي قبل أربعين سنة من انشاء مسرح اوبرا لاسكالا الذائع الصيت في ميلانو وجدرانه مزينة بأحلى الرسوم والزخارف والعرض الحالي فيه خلال شهر ديسمبر (كانون الأول) سيقوده المايسترو البريطاني جيفري تيت في اوبرا «بيتر غريمز» لبنجامين بريتن وتتبعها اوبرا «لعنة فاوست» لهكتور برليوز حيث سيقود الاوركسترا المايسترو الأرمني جورج بهلوانيان ويصمم المشاهد مصمم الأزياء المعروف اونغارو. وحين تخرج من مبنى الاوبرا سترى غاليريا (رواق) امبرتو والمقاهي المنتشرة فيه وترى حركة وضوضاء الناس الذين يمرون بسرعة ونشاط وكأنهم في عجلة من أمرهم.
نابولي مدينة صاخبة مليئة بالحيوية رغم مشاكلها الاجتماعية وفيها 12 متحفا واربعة حصون تاريخية وثمانية مسارح وسبع مكتبات عامة ومائتا كنيسة ومئات المطاعم والمقاهي وباعة الحلويات، وكان المثل الايطالي في الماضي يقول «زر نابولي مرة على الأقل قبل أن تموت» لكن هيئة السياحة فيها أبدلت الشعار الآن وجعلته «زر نابولي وعد اليها من جديد».