فضيلة الشيخ / سعيد عبد العظيم



بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه،

أما بعد،

فمن المُسَلَمات والبدهيات في صنعة العد والحساب أن يقال: واحد زائد واحد تساوي اثنين، بل صارت هذه الحسبة دارجة على ألسنة الكبار والصغار والرجال والنساء، ويعبر عن الحقائق التي لا تحتمل الشك.

ومع معرفتنا بأنه لا معارضة بين نصح صحيح وعقل صريح وموافقة السُنن الشرعية للسُنن الكونية، لابد من عرض النماذج والصور اللافتة للنظر، ومنها أزمة العنوسة التي يعاني منها أكثر من تسعة مليون زاد سنهم على الخامسة والثلاثين منذ عدة سنوات.

هذه الأزمة مستفحلة وسط المتبرجات، وتخف نسبيًا وسط المحجبات مكشوفات الوجه، ولا تكاد تذكر وسط المجلببات والمنتقبات.

وبحسبة الواحد زائد واحد كان ينبغي العكس في المجلببة، لا يكاد يراها أو يعرفها أحد، ولا تقيم علاقات مع الشباب، بينما المتبرجة معروضة على الملأ، وقد تكون جميلة من وسط اجتماعي مرتفع، وصاحبة شهادة عالية، ورغم ذلك تعاني من العنوسة؛ مما يدعونا لتخطئة حسبة الواحد زائد واحد، وإعادة النظر في الحسابات المادية، وضبط المسائل بالضوابط الشرعية، والقول بما نطقت به النصوص {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}(الطلاق:2-3)، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا}(الطلاق:4).

ترى لماذا تعاني مشاهير الفنانات في بلادنا من أزمة العنوسة، لقد قرأت عن 18فنانة أمنية حياتها أن تتزوج، ويكون لها أولاد وبيت تستقر فيه، رغم امتلاكها للمال والجمال والأضواء، لا يمكن تفسير ذلك إلا بإعمال الموازين الإيمانية، قال -تعالى-: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}(طه:124)، فالأمر كما ترى لا يخضع لحساب الواحد زائد واحد المادي.

ولا حديث للدنيا اليوم إلا عن الكساد والبطالة، وغلاء الأسعار، ولا يخفى على أحد ما تتعرض له أمريكا وغيرها من أزمة اقتصادية حادة، ومقدمات انهيار ودمار شديد، حتى احتاجت لترقيع اقتصادها بــ800مليار دولار، فهل حدث ذلك بسبب نقصان الخبرات أو الدراسات أو العقليات الاقتصادية؟ لا شيء من ذلك.

وبحساب الواحد زائد واحد كان لا ينبغي لدولة كأمريكا أن تدخل في مثل هذه الكبوة، بل لا يستطيع تفسير ما حدث إلا بأن نقول: تمحق البركات، وتدمر البلاد والعباد بسبب الكفر والظلم والبغي والربا والعدوان، قال -تعالى-:{وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}(الإسراء:16) وقال -تعالى-: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا . فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا} ، وقال -تعالى-:{ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ}(البقرة:276)، وقال -عز وجل-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}(البقرة:278-279)، وقال -تعالى-: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}(هود:102)، وقال أبو بكر -رضي الله عنه-: ثلاث من كن فيه كن عليه، المكر {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ}(فاطر:43)، والنكث {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ}(الفتح:10)، والبغي {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ}(يونس:32). وهل تذهب دعوات المظلومين المسحوقين في العراق وأفغانستان وفلسطين سدى؟!

بل انظر لحال من تعامل بالربويات ستجدهم ما بين هارب ومسجون، ومن يحيا حياة البؤس والدمار {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}(البقرة:275).

ولربما تراءى لأعشى البصيرة ومن لا يتقن صعنة الحساب، أن المرابي سيسعد بالملايين والمليارات التي تحصل عليها، وهيهات ثم هيهات؛ فالأمور كل الأمور على ما عند ربك لا بالحسابات المادية الخاطئة {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا}(الإسراء:72)، وقال : {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}(الحج:46).

لقد لوحظ في مجالات المال وغيرها أن أي شيء يقترب من الإسلام، فإنه يكسب ويربح، ولو كان ذلك كدعاية وإعلان كما حدث ذلك في حالة الريان والسعد والشركات الاستثمارية المسماة بالإسلامية، فقد خرجت المليارات للمضاربة في الوقت الذي ضن أصحابها بالقروش على البنوك الربوية يومها.

وبينما يعاني الناس من حالة الكساد، ولا حديث لهم إلا عن غلاء الأسعار لا تكاد تجد المسلم الملتزم بدينه يعاني مثل هذه المعاناة؛ فرواج التجارة وكثرة الزبائن سمة ظاهرة واضحة إذا قارنته بغيره -ونسأل الله أن يبارك للجميع-.

هل حدث ذلك بسبب دراسة الجدوى أو النباهة التجارية عند الملتزمين بدينهم؟ لا شيء من ذلك على التحقيق، فالمعاني المادية السببية للكسب والربح متوافرة عند الجميع، وحساب الواحد زائد واحد لا يكاد يجهله الصغير فضلاً عن الكبير، والجاهل فضلاً عن العالم، ولكن لغياب وضعف معاني الإيمان لم تعد حسبة الواحد زائد واحد تؤدي غرضها ومقصودها، أو تحقق النتيجة المرجوة منها، فالملتزم بدينه تخطى الحسابات المادية وصارت الواحد زائد واحد تساوي أكثر من اثنين عنده، لمَّا التزم بالنصوص الشرعية كالاستغفار، قال -تعالى-: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا}(نوح:10-12)، ومن لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق فرجًا، ومن كل هم مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب، والدعاء من أعظم أسباب سعة الرزق.

وكان عمر -رضي الله عنه- يقول : «إني لا أحمل هم الإجابة، ولكن أحمل هم الدعاء»، فإن العبد إذا أُلهم الدعاء فإن الإجابة معه، {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}(غافر:60).

وكذلك التوكل على الله، فمن توكل على الله كفاه {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ}(الزمر:36)، {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}(الطلاق:3)، وقد قال الغلام للذي أراد كفالته : خلني للذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ، وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ، وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ، فقال الرجل: آمنت بالله من توكل على الله كفاه، وقال الرجل الذي كان يعبد صنمًا في البحر: إني كنت أعبد صنمًا فلم يضيعني فكيف بعدما عرفته.

وتقوى الله من أعظم أسباب السعة في العاجل والآجل {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}(النحل:128)، ويدخل في ذلك صلة الأرحام، وبر الوالدين، وتفريج الكربات، وقضاء الحاجات، والجهاد في سبيل الله، والزواج، والصدق، والامتناع عن الغش في البيوع، إلى غير ذلك من الأسباب التي يحرص عليها المتدينون، والتي دلت نصوص الشريعة على أنها من أعظم أسباب الخيرات وحلول البركات، وهي أسباب لا يكاد ينتبه لها أصحاب اللوثة المادية.

ولذلك فالواحد زائد واحد قد يزيد على الاثنين عند البعض، وتقل عنها عند البعض الآخر، والشرع سيشهد والواقع يصدق.

إن الإنسان قد لا يستطيع النفقة على نفسه قبل زواجه، وبالتالي فبحساب الواحد زائد واحد لابد وأن يحجم عن الزواج الذي يتطلب نفقة وسكنى ودفع مهر، ولو أنه تجاسر، واستعان بالله، وتوكل عليه -سبحانه-، وعمل بسُنَّة نبيه -صلى الله عليه وسلم- لوجد إعانة وسعة لا تخضع للعد والحساب، ولا تكاد تصل إليها العقول المادية، وكان عمر -رضي الله عنه- يقول: عجبًا لمن لم يلتمس الغنى في النجاح والله يقول: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}(النور32)، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: {ثَلاَثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَوْنُهُمُ الْمُكَاتَبُ الَّذِى يُرِيدُ الأَدَاءَ وَالنَّاكِحُ الَّذِى يُرِيدُ الْعَفَافَ وَالْمُجَاهِدُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ}رواه النسائي، وحسنه الألباني.

ولربما تيسر الزواج والمسكن والمهر والنفقة بدعوة صالحة كما حدث في زواج نبي الله موسى -عليه السلام- من ابنة شعيب -عليه السلام-.

وبحساب الواحد زائد واحد التي تحتاج إلى إعادة نظر لابد وأن تقطع بفقر من رُزق بالبنات، ولكن الشرع والواقع يدلك على خطأ هذا الحساب، فالعبد إذا رُزق بولد قيل هو عون لك، وإذا رُزق ببنت قيل: أنا عون لكما، كما روى في الإسرائيليات.

وفي الحديث: {هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلاَّ بِضُعَفَائِكُمْ} رواه البخاري، وأصاب من قال : رزق البنات كثير.

ومن عجيب الأمر أن تجد الأب الضعيف يتسع رزقه وهو الذي ينفق على أولاده الشباب رغم قوتهم!!

لا داعي للتعويل على الحول والطول، ولابد من تعليق القلوب بربها في جلب النفع ودفع الضر، فالتذلل بين يديه -سبحانه- هو العز الحقيقي، والغنى كل الغنى في الافتقار إليه والتوكل عليه، وكان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: {اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلاَ تَكِلْنِى إِلَى نَفْسِى طَرْفَةَ عَيْنٍ وَأَصْلِحْ لِى شَأْنِى كُلَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ} رواه أبو داود، وحسنه الألباني.

ليكن عملك هنا ونظرك في السماء، عملك هنا وحساباتك حسابات أخروية، خذ بالأسباب كيفما شئت، وتوكل على الغني الحميد؛ فعدم الأخذ بالأسباب قدح في التشريع والاعتقاد في الأسباب قدح في التوحيد.

واعلم أن بعض الأزمنة والأمكنة والأشخاص أبرك من بعض، فقد حكى -سبحانه- عن نبيه عيسى أنه قال: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ}(مريم:31)، وقال -سبحانه وتعالى- عن الشام: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا}(الإسراء:1)، وفي آخر الزمان تخرج الأرض بركتها حتى {تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا} رواه مسلم، مما يدل على أن هذه البركات كانت مسلوبة قبل ذلك، ولا سبب لحلول الخير والبركة إلا بالعمل بطاعة الله، وعلى العكس والنقيض فالمعاصي والذنوب سبب محق البركات ودمار البلاد والعباد.

وبالتالي فلا نخطئ إذا قلنا: واحد زائد واحد تساوي أكثر من اثنين إذا أطعنا ربنا، وتساوي أقل من اثنين إذا عصيناه -سبحانه-، فالموازين لابد وأن تقوم بالحق والعدل، والحسابات تستقيم وتستوي برد الحقوق لأصحابها، والعلاقة وثيقة بين المخلوق والكون من حوله، ولا تستبعد أن يأتي الخوف من مكمن الأمن، والأمن من مكمن الخوف.

جاهد نفسك في أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يد نفسك، وسل الله من فضله، فعطيته -سبحانه- هي أفضل العطايا وأهناها، خرق النواميس لبعض خلقه تفضلاً وتكرمًا، له ملك السموات والأرض، ولو أن أولكم وأخركم وإنسكم وجنكم وحيكم وميتكم قاموا في صعيد واحد فسألوه -سبحانه-، فأعطى كل إنسان مسألته ما نقص ذلك من ملكه شيء إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر.

فلا تبخلوا الرب الكريم، وأوقعوا حاجتكم كلها بالله، فهو يُحب أن يُسأل، وأبوابه مفتوحة لا تُغلق.

اللهم إنا نسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، ودينًا قيّمًا، وشفاءً من كل داء، ونعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن دعاء لا يُستجاب له .

اللهم توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين،

وَآخِرُ دَعْوَانا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.