الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

وبعد؛ أحبتي في الله

فإن وضوح الغاية والهدف ضمان لاستقامة الطريق والثبات عليه؛ لأن عدم وضوح الغاية يجعل الإنسان يستطيل الطريق..

فالذي لا يعرف (لماذا التزم؟) يتخبط، يتلون.. ثم يعود أدراجه..

كلما كان الهدف واضحاً ثابتاً بيناً.. كانت الأقدام ثابتة والسعي حثيثاً

فالمسلم الذي التزم في مجتمع ما، والأهداف غير واضحة عنده، فإنه سيتحرك متخبطاً، أما إذا اتضحت الأهداف (ماذا تريد من التزامك؟) فإن الخطوات ستكون مرسومة والمراحل مقدرة، لا يشغله حدث، ولا يغير مسيرته سبب، ولا يعتريه فتور، ومن ثم لا يحصل له اضطراب، ولا يدخل في خلاف وصراع بغير الحق، ولكن إن لم تكن هذه معروفة، فكل فرد سيضع لنفسه الأهداف التي يراها بحسب توجهاته وميوله، ثم يسير فتختلط عليه الدروب، فيشعر بالملل ثم ينسحب، ويرجع خاسراً خائباً، يرجع خاسئاً وهو حسير.

أيها الإخوة..

إننا بحاجة لـوضوح الهدف لنستطيع التخلص من الدروب الجانبية.

إذا كان الهدف واضحاً يصير الطريق واضحاً، فنتخلى عن الدروب؛ لأن أمامنا نقطة انطلاق ونقطة بلوغ ووصول، نقطة هدف، ننطلق من المنطلق إلى الهدف مباشرة.

أيها الإخوة.. ما العلاج لعدم وضوح الغاية؟

1- تحديد الهدف، وتحديد الوسائل المعينة على تحقيقه.

2- عدم استعجال النتائج، وعدم استعجال الثمرة الفورية.

3- تعلق القلب بالآخرة.

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بايع الأنصار قالوا: " مالنا إن فعلنا ذلك؟ "قال: "الجنة".

لم يعِد بشيء قبل الجنة، فلذلك ما استطالوا الطريق!

بل لما وقفوا في الطريق هنيهة، وقالوا: " يعطيهم وسيوفنا تقطر من دمائهم! "

قال: "أولا ترضون أن يرجع الناس بالغنائم إلى بيوتهم، وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم"؟

قالوا:" رضينا برسول الله قسماً".

فينبغي أن تنتبه لهذا الأمر، وألا تستعجل النتائج، واعلم أن غايتك الوصول للجنة..

وتعال نزيد الأمر وضوحا.. ما هو المطلوب منك تحديداً؟

حبيبي في الله .. خذ مني هذا العلاج !

إن أول ما أطالبك به الإيمان الحقيقي، والاعتقاد الراسخ بهذه الصفقة المباركة:

{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111].

إن أول ما أطالبك به أخي: أن تأخذ الدين جملة لا بالتقسيط، ولا بالترقيع؛ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البقرة: 208].

ثانياً: أطالبك أيضاً أن تصطبغ بالإسلام، وأن تصطبغ شؤون حياتك -فكرية كانت أو عملية- بهذه الصبغة، قال تعالى: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} [البقرة: 138]. فينبغي -إن كنت مسلماً حقاً- أن تصطبغ حياتك جملة وتفصيلاً بالإسلام، (أسلمة الحياة)، فكل فعل من أفعالك ينبض باسم الإسلام، كل قول من أقوالك ينبض باسم الإسلام، لابد من وضع هذه العلامة.

ثالثاً: أن تجعل سلوكك في الحياة وسلوكك العام هو الدليل على الإخلاص والتجرد، ليس الإخلاص والتجرد كلاماً، وإنما أفعال تدل على هؤلاء الناس المسلمين الملتزمين الذين يعيشون للدين لا للهوى ولا للدنيا.

رابعاً: أن تبذل سعيك لـتزكية حياتك وتطهيرها من كل شيء يخالف هذه الصفة.

أحبتي..

إن من أخذ هذه الأربعة ( الإيمان الحقيقي، وصبغة الإسلام، وأن يكون السلوك هو دليل الإخلاص والاستقامة، وبذل السعي للتزكية ) فإن روحه تقوى، وتصقل نفسه، وتهذب أخلاقه، وتزكو سيرته..

إن حقيقة هذه البيعة أو الصفقة – كما سماها الله سبحانه كرماً منه وفضلاً وسماحة – أنه سبحانه قد استخلص لنفسه أنفس المؤمنين وأموالهم، فلم يعد لهم منها شيء، لم يعد لهم أن يستبْقوا من أنفسهم بقية ولا من أموالهم ما ينتفعون به لأنفسهم، فكل نفوسهم وكل أموالهم لله وفي سبيل الله.

لم يعد لهم خيار في أن ينزعوا أو يمسكوا، كلا.. إنها صفقة مشتراة!

لشاريها أن يتصرف فيها كيف يشاء وفق ما يفرض، ووفق ما يحدد، ليس للبائع فيها شيء سوى أن يمضي في الطريق المرسوم، أن يمضي في طريق الإسلام والالتزام، لا يتلفت ولا يتخير، لا يناقش ولا يجادل، لا يراوغ، ليس له إلا الطاعة والاستسلام والعمل، والثمن هو الجنة.

قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36]

قال ابن عطية:"ما من مؤمن إلا وفي عنقه بيعة، وفَّى بها أو مات عليها".

قلت (محمد حسين يعقوب): بيعة: أي أنك بِعت لله.. فماذا بِعت؟

نفسك ومالك.. إذن فلابد أن تُوَفِّي.. ومن وفَّى وُفِّي له، ومن طفف.. فويل للمطففين !

اللهم نور طريقنا بهدايتك،

وأعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. والحمد لله رب العالمين

كتبه الشيخ / محمد حسين يعقوب
(حفظه الله )