ياريت الموضوع لو عجبكوا تردوا عليه

كل كتب الأدب الفكاهي مليئة بطرائف البخلاء، لكنني لم أجد أحداً جمع حكايات الحرص. والحرص غير البخل، فالأول علامة من علامات الذكاء، والثاني علامة من علامات الغباء. والأول يثير في النفس الإعجاب، في حين لا يثير الثاني غير الازدراء.

من آخر ما سمعته من حكايات الحرص، كان ما دأب على القيام به الصحافي جفري بنارد. اعتاد كل يوم على إرسال بطاقة بريدية إلى عنوانه. استغرب الناس من أمر ما يفعل، حتى اكتشفوا أنه كان يسكن بيتاً في قعر الوادي، وكلما أراد الذهاب إلى مركز القرية اقتضى عليه اما ركوب الحافلة أو اجهاد نفسه في السير مشياً للصعود إليها. بإرسال بطاقة إلى عنوانه بالبريد، اقتضى من دائرة البريد أن تبعث بسيارتها إلى بيته لتسليم البطاقة. وفي كل مرة كان جفري بنارد يتسلم البطاقة شاكراً ثم يقول للسائق: «وحياتك، إذا ممكن توصلني للقرية في طريقك». وبهذا استطاع ان يوفر لنفسه سبعة بنسات كل يوم، فأجرة ركوب الحافلة عشرة بنسات وأجرة طابع البريد للبطاقة ثلاثة بنسات.

ولكنها حكاية لا تكاد تصل في لوذعيتها الى ما فعله رجل اسكوتلندي ذهب مع اثنين من أصحابه لتشييع جنازة صديق لهم توفي مؤخراً. وقبل أن يواروه التراب، وقف أحدهم وقال «لا أريد أن يبقى شيء في ذمتي للرجل، فأنا مدين له بخمسة باوندات»، ثم اخرج خمسة باوندات ووضعها على نعش المتوفى الدائن، ثم نطق الصديق الآخر وقال: الحقيقة أنا كذلك مدين له بخمسة باوندات تقتضي مني تسديدها وإبراء ذمتي منه، وأخرج خمسة باوندات ووضعها على نعش الفقيد. أخيراً تكلم الاسكوتلندي فقال: وأنا أيضاً في الحقيقة ما زلت مديناً له بخمسة باوندات، ولكن يؤسفني ألا يكون معي أي نقد، ثم أخرج دفتر الشيكات من جيبه وكتب شيكاً لأمر المتوفى بمبلغ خمسة عشر باوندا. التقط العشرة باوندات من فوق النعش، وضعها في جيبه ثم وضع الشيك على النعش، وقال وهو يواريه التراب: «يا عزيزي مكليلن، توافينا الآن، خمسة عشر باوندا بالتمام».

بالطبع اشتهر اليهود بصورة خاصة بمثل هذا الحرص، اتذكر ان يهوديا من تجار الشاي في العراق دأب على بيع الشاي بسعر أعجز التجار الآخرين. كان يبيعه بسعر التكلفة أو أقل، فما هي مربحيته من هذه التجارة. تحيروا في الأمر حتى اكتشفوا انه كان يحصل على ربحه من بيع الصناديق التي يرد فيها الشاي.
غير أننا في العراق كنا نعتقد ان ابناء الموصل بزوا اليهود في عبقريتهم، قالوا ان موصليا استضاف رجلا وبعث بابنه لشراء لحم للضيف، أوصاه بأن يأتي بلحم كالبطيخ في رقته، ذهب الابن وأعاد ما سمعه على الجزار، فقال هذا له «سأعطيك لحماً لا كالبطيخ فقط، بل وكالزبد»، فقال الولد، إذا كان الأمر كذلك فالأفضل أن اذهب لبائع الزبد. واعاد الكلام على بائع الزبد فقال له البائع «سأبيعك زبدا كأنه العسل»، فقال الولد إذا كان الأمر كذلك فلأذهب لبائع العسل، وأعاد عليه ما يريد، فقال له بائع العسل «يا ولدي سأعطيك عسلا كأنه ماء الحنفية في صفائه»، فقال الولد إذا كان الأمر كذلك، فعندنا حنفية في البيت وعندنا ماء حنفية، فلماذا نشتري ذلك؟
رجع إلى البيت وحكى لوالده ما جرى وما انتهى إليه، فقال له والده: «حسناً فعلت يا ولدي، والله يزيد في ذكائك، ولكنك أخطأت في شيء واحد، رحت تدور وتدور في السوق واستهلكت حذاءك بالدوران بين بائع وبائع».
فقال له الولد: «لا بابا، أنا لبست حذاء الضيف»!


منقول