على الرغم من الإنجازات التكنولوجية الرائعة والتقدم العلمي العظيم الذي شمل كل المجالات العلمية والفنية والصحية والتكنولوجية إلا أنه ما زال هناك
في مجاهل القارات،وثلاجات الدنيا شمالاً،وأماكن أخرى نائية،قوم يعيشون بروح وعادات وأفكار العصور الخالية،ويعتنقون معتقدات غريبة تثير
الدهشة،ويتمسكون بتقاليد لا تتفق مع المنطق،من هؤلاء الأقوام من هو معروف وبالتأكيد سمعتم بهم ومنهم من هو مجهول لم تسمعوا به لذلك
سأحطم لكم النوافذ المغلقة لتطلوا منها على هذه الشعوب لتتعرفوا عليهم عن قرب وترون غرائبهم وعجائبهم..هيا لنحطم النافذة الأولى..

النافذة الاولى

الكامايورا
( لا يعرفهم الشيب ولا الصلع)

في قلب أدغال(ماتو جروسو) المترامية في
البرازيل تعيش قبيلة كاملة اسمها( كامايورا) تقلص عددها،وانكمشت رقعة نشاطها وانطلاقها بفعل الرجل الأبيض فتجمدت حضارتها وثقافتها البدائية
المحدودة منذ عشرات القرون.
فإذا قدر لغريب أن يصل إلى قراهم ويتجول بين أكواخهم، ويختلط برجالهم ونسائهم فإنه لن يجد بينهم شخصاً بديناً وستزداد دهشة الزائر الغريب لأن
الشيب لا يعرف طريقه إلى رؤوس المسنين والمسنات من أفراد القبيلة فشعر كل نساء ورجال القبيلة كثيف أسود فاحم والعجيب أنك لا تستطيع التمييز
بين الشاب والكهل فالتجاعيد لاتكاد تظهر،ومن يطعن في السن،وتظهر بعض الخطوط على فكيه ورقبته يحتفظ بقوة مرحلة اكتمال الرجولة عضلياً وذهنياً.
استرعت هذه الظاهرة انتباه بعض علماء الأنثروبولوجيا والاجتماع، وأخطأ من قال منهم إن تقاليد قبيلة(كامايورا) ربما تقضي بقتل كهولهم ومرضاهم كما
تفعل بعض القبائل البدائية الأخرى ورجح أنهم يحتفظون بشبابهم وقتاً طويلاً بسبب نشاطهم العضلي المستمر وبفضل عاداتهم الغذائية البسيطة وإن
كان العلماء لا ينكرون أثر حروبهم الكثيرة في هذه الظاهرة


مساكن لا يصل إليها أحد!!
معظم عشائر هذه القبيلة يعيش على روافد نهر(اكسنيجو)،لكن لا يمكن لمن يجوبون تلك الأماكن ملاحة أن يروا هؤلاء الناس،لأنهم يتجنبون السكنى
قرب الماء،ويبنون مساكنهم بحيث لا يراها المتطفلون الذين يأتون إليهم عن طريق النهر في أماكن مرتفعة تعصمها من غوائل الفيضانات،وبمنأى عن
تكاثر البعوض وهم لهذا على حذر من الغريب في موسم الجفاف،والفيضان والبعوض في موسم الأمطار،التي تجرف كل شئ على مساحات
واسعة،وهم ينتقون لمساكنهم أماكن غير مرئية تخفيها عن الأنظار،ويبالغون في إخفائها بوسائل تمويه نباتية ويحرصون على مراقبة الدروب الموصلة
إليها،فيصعب وصول الغريب إلى قراهم حيًا.
تعلموا هذا الحرص الشديد من تجاربهم المريرة مع التجار الوافدين ومع المقاتلين من جيرانهم قبيلة(شافانت)التي تعتبر أخطر قبائل البرازيل وأشدها
عداوة لقبيلة(كامايورا) وهو ما يفسر لنا سر عزلتهم وسبب تخلفهم السحيق.
وإذا كان الإنسان يحتاج إلى غذاء من بروتين وكربوهيدرات وفيتامينات لكي يعيش فإن أهل(الكامايورا) قد وجدوا هذه المواد الغذائية في بيئتهم الطبيعية
منذ الأزل ولم يغيروا غذائهم أو يطوروا في طريقة صناعته فالرجال يصطادون السمك وهو غذاؤهم الرئيسي نيئًا،مسلوقًا،مشويًا،أو مملحًا والنساء يجمعن
جذور نبات المينهوت ويستخرجن منها النشا ويخلصنه من المادة السامة العالقة به ثم يجففنه ويصنعن منه الفطائر أما الفيتامينات فيحصل عليها
الجميع بنفس الطريقة التي تحصل بها القردة عليها من الفواكه من أشجار الغابة ومن الأعشاب المألوفة المستساغة التي أثبتت تجارب الأجداد أنها
تفيد ولا تضر تلك هي قبيلة(كامايورا)البقية الباقية من العصر القديم في البرازيل..

الطوارق..رجال مقنعون
(عاطلون بالوراثة)

كانت قبائل الطوارق مصدر قلق لكل قافلة يضطرها سوء الحظ إلى التنقل في الصحراء الكبرى،إذ كان هؤلاء البدو الرحل المقنعون
يجوبون الآفاق جنوب ليبيا والجزائر والمغرب وشمال السودان وتشاد والنيجر وينقضون على القوافل والقرى
ثم يختفون في جوف الصحراء بصيدهم الوفير من الناس والممتلكات.
أما الآن فلم يعودوا يمثلون نفس الحجم من
الخطر،بعد أن تغير أسلوب تنقل الناس وتحديث وسائل المواصلات.
وفي العصور الحديثة زادت سيطرة الحكومات على أطراف بلادها وأصبح الأمن أكثر
استتبابًا،وهذا من شأنه أن يقلم أظافر
الطوارق،ويحد من نشاطهم العدواني على القوافل والقرى،الذي تعودوه منذ مئات السنين،ومن سوء حظهم أن أساليب الحياة تتقدم بسرعة بما في
ذلك وسائل الانتقال والسفر،وأصبح سير القوافل في الصحارى أمرًا نادرًا،وحتى هؤلاء الذين كانوا يسوقون مئات الجمال آلاف الأميال من بعض المناطق ا
الشرقية لأسواق الإبل في الشمال،أصبحوا يفضلون شحنها برًا أو بحرًا.

العمل ليس شرفًا!!!
الطوارق قبائل من البربر انتشرت في الصحراء الكبرى شمال أفريقيا،وكانت تشن أغلب غاراتها على قرى الأراضي المزروعة في أطراف السودان والنيجر
والتشاد ويعودون إلى واحاتهم بالأسرى نساءً ورجالاً،يسخرونهم في حفر الآبار وزراعة الأرض ومساعدة نسائهم في كل ما يقمن به من أعمال،ذلك لأن
تقاليد الطوارق تضع الرجال فوق مستوى الأعمال اليدوية
والعضلية،والعمل عندهم للنساء والعبيد من الآسرى،أما الرجل فإما أن يقاتل إذا كان هناك قتال،أويجلس أمام خيمة في ظل النخيل،يقتل الوقت في
التسلية بألعاب الحصى أو يراقب النساء وهن يشتغلن والعرق يتصبب من جباههن.
والآن وقد زالت دولة الطوارق،وسدت في وجوههم أبواب الغارات،وأصبحوا يعيشون في سلام،نجدهم يستجيبون في بطء شديد إلى إغراءات مشاريع
التثقيف التي تحاول حكومة الجزائر جذبهم إليها رغم الصعوبات التي تعترض مثل هذه المشاريع
نظرًا لأنهم دائمو الترحال،ولصعوبة التفاهم معهم بلغتهم.
لم يبق لرجال الطوارق من عمل سوى القيام برحلات موسمية نحو مدن الشمال للمقايضة على الملح،والبلح،والقطن،وسروج الجمال. وعلى الرغم من
أن الزمن روضهم،فما زالوا جنسًا فريدًا يحتفظ بنفس عاداته وتقاليده وطرق الحياة التي عرفها أجدادهم منذ عشرات الأجيال.

وجوه النبلاء عورة!!
تنقسم كل قبيلة إلى عدة طبقات،في قمة النظام الطبقي عندهم يقبع النبلاء،يليهم رجال الدين،ومن بعدهم طبقة الزواج المختلط ،ثم الرقيق
وسلالاتهم الذين يؤدون كل الأعمال في مجتمع الطوارق،بما في ذلك إعداد الطعام،وفلاحة الأرض،ورعاية الأطفال،ورعي الإبل والماشية.
ومن عادات الرجال أن يضعوا على وجوههم أقنعة تخفيها ولا تظهر منها سوى العينين،وكأنما وجه الرجل عورة
والرجل من طبقة النبلاء لا يجوز له أن يتزوج إلا نبيلة مثله من سلالات الطوارق النقية،فإذا هو تزوج امرأة مختلطة الأصل انحدر إلى طبقة الزواج المختلط .
وقد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة أنهم يسيئون معاملة أسراهم،وإذا كان الأسر في حد ذاته عملاً بشعًا،فإن الطوارق يعتنون بأسراهم،ويحيطونهم بكل
رعاية،إذ أنهم يقومون بكل ما يحتاجونه من أعمال وصناعات صغيرة وحرف يدوية، فهم الذين يصنعون الخيام من جلد البقر،وقِرب الماء والحليب من جلد
الماعز،والحلي المعدنية التي تتزين بها نساء الطوارق ومعظم الأدوات الخشبية والمعدنية التي يستعملونها في حياتهم اليومية.
وعلى الرغم من أن المرأة في قبيلة الطوارق تتمتع بقدر عظيم من الحرية،خاصة وأن لها رأيًا مسموعًا فيما يتعلق بشؤون الأسرة والقبيلة،إلا أن التقاليد
تضع على كاهلها عبء القيام بكل الأعمال بما في ذلك جمع الحطب،وملء القِرب والجرار من الآبار،أما طهي الطعام فمن اختصاص الرقيق أو العبيد وعادة
ما يكون الطعام عصيدة بالحليب أو الزبد،وفطائر من الشعير أو حبوب زهرة(البشنين) البرية الشائكة وقليلاً من التمر.

واختفى الحصان من حياتهم :
وبنفس بساطة عاداتهم الغذائية نجد للطوارق أدوات بسيطة يستخدمونها في حياتهم فنادرًا ما تمتلك الأسرة أكثر من خيمة جلدية،وحصائر قليلة من
القش،وآنية من الفخار للطهي،وأخرى مشابهة للماء،وقربة للزبد واللبن والماء
أيضًا،وأغطية صوفية قليلة تقيهم برد الشتاء،هذه البساطة في اقتناء الأدوات تتناسب تمامًا مع حياتهم البدوية بما فيها من كثرة الترحال.
وعلى الرغم من بساطة غذائهم إلا أنهم يتمتعون بصحة عامة جيدة،الرجال أشداء والنساء أيضًا والفتيات يشاركن أمهاتهن أعمالهن في سن
مبكرة،بينما الأولاد يلعبون ويتصارعون على مرأى من آبائهم الجالسين في خمول.
كان الطوارق فيما مضى من أجيال فرسانًا أشداء،يملكون سلالات أصيلة من الخيول
أما الآن فقد اختفت الجياد من مضاربهم كما اختفت الغارات على القوافل والقرى من
حياتهم ولم يبق لهم إلا الجمال.