وآن لملاكنا وطيفنا السمح ـ النبيل والجميل ـ أن يفرح بإحدي زهراته‏.‏

فبعد رحلة عطرة أمتعنا فيها‏(‏ وغيرنا‏)‏ بصنوف من عطائه الرائع والغامر بشتي المجالات ـ من تزويج يتيمات‏..‏ لرعاية وكفالة آلاف الأطفال الفقراء والمعاقين والأيتام‏..‏ مسلمين ومسيحيين‏,‏ ومن بحري‏..‏ إلي مسقط رأسه بالصعيد‏..‏ لأجهزة باهظة لمستشفيات الفقراء‏,‏ فمصروفات طلاب غير قادرين بالجامعات‏,‏ وصولا حتي لقوافل الإغاثة لأشقائنا تحت الاحتلال‏..,‏ و‏...‏

والذي يلاحقنا بإلحاح ودون تصنع للسؤال عن ذوي الاحتياجات‏..‏ والذي نضطر معه في أحيان عديدة‏(‏ وعلي عكس الواقع وأنينه المؤلم‏)‏ للإنكار خجلا وحياء من عطائه الغامر وغير المحدود‏..‏

هذا الرجل‏..‏ الذي كان عنوانا لإحدي رسائلنا لكم‏,‏ والذي كتبنا لكم بشأنه وزهراته مرات ومرات‏(‏ دون إفصاح‏)..‏ ووصفنا لكم كيف كانت الكبري منهن همزة وصل حنونة وجميلة بينه وبين عرائس الأيتام ـ تذهب إليهن لتتحسس همومهن‏..‏ وما تعتمله قلوبهن الغضة والبريئة‏(‏ سنا‏)..‏ والجريحة والمقهورة‏(‏ ظروفا‏)‏ ـ ثم تعود لتلخص الوضع لوالدها بمشاعر وكلمات تبثها قلبه قبل أذنه‏,‏ فيسبقها هو وبابتسامته الراضية دوما بالموافقة والتلبية‏,‏ فإذا بزغاريد الفرحة الغامرة والانتصار‏,‏ ولو مرة بالعمر علي مرارة الحرمان وقهره‏.‏

لتنتقل وعلي الفور للعروس التالية‏...‏ فالخامسة‏...‏ والعاشرة‏..‏ و‏...‏ وذلك في سعي متتابع نبيل وكأنها بين الصفا والمروي‏(‏ وذلك بالمناسبة هو اسمها وجوهرها‏..‏ مروي‏)‏ أما الصفا والسماحة والتصالح مع النفس والرضا‏,‏ فهي صفات الأب النبيل ـ وعنوانه‏.‏

وهذه الليلة ـ كاتبنا الحبيب ـ كان عقد قران تلك الزهرة الجميلة ذاتها‏..‏ وآن لهما‏(‏ ووالدها السمح النبيل‏)‏ أن يرتشفا معا من ذات الفرح والجزاء والرحيق الجميل ـ والذي ندعو الرحمن أن يجزل لهما ببركته فيه‏.‏

وكانت لحظات حب نقية وبريئة‏...‏ تعانقت وامتزجت فيها فرحتها وأحلامها الجميلة مع شريكها الهادئ الرزين‏..‏ بدموع فرح الأم الطيبة‏(‏ الشمعة والشجرة التي ظللت عليهما وأمدتهما بأجمل قيم وعطاء ورحيق‏)..‏ مع نظرات الضعف الإنساني المرهف‏(‏ للأب الصعيدي الذي حاول أن يبدو رغما عنه متماسكا أمام الجميع‏)..‏ يحوطهم جميعا طوفان من الحب الغامر طوقهم به الحضور من الأهل والأصدقاء‏.‏

وازدحم المنزل‏(‏ الرحب والمتسع أصلا‏)‏ كقلبه تماما ـ والذي لم يضق يوما بسائل أو صاحب حاجة ومحروم‏.‏

و‏...‏ و‏...‏ و‏...‏

ولا أريد أن أترك لنفسي العنان أكثر حتي لا نوصف بالمغالاة والنفاق و‏....‏ بالرغم من أننا نمسك عن ذكر اسمه‏...‏ بل واسمي أيضا حتي لايعلم أحد أو يتوقع عمن نتحدث‏.‏

لكنها الأمانة ـ كاتبنا الحبيب ـ التي تدفعني لكتابة هذه السطور‏..‏ أمانة تجاه هذا الوطن وشبابه المسكين‏.‏

فليست مصر هي تلك الصورة القبيحة التي لم تعد تعرف إلا السلب والدم والهبر والاغتصاب‏..‏ فمازالت بيننا قلوب مرهفة تتعاطف وترحم وتبذر الخير والحب وبلا حدود‏.‏

وليست مصر هي عربدة الأثرياء ولهوهم ومرافقة الراقصات‏..‏ والإغداق عليهن‏...‏ فقتلهن‏..‏ فبيننا من يظل يؤمن ـ وبرغم بريق المال والجاه وإغراء الجميلات ـ بأن الرجولة الحقة هي في التعفف والنخوة والأمانة مع الغير‏..‏ والاستقامة والقدوة للأبناء‏,‏ والوفاء لشريكة الحياة‏,‏ وليست أبدا في الملاحقة والشمشمة بالغانيات ـ كالخنازير‏(‏ بالضبط‏)‏ بالقمامة‏..‏ أو ما هو أدنأ‏.‏

ومازال هناك من يعتبر المال أصلا‏,(‏ والصحة‏)‏ فتنة واختبارا عسيرا من الخالق ـ أيشكر‏..‏ أم يفسق ويهلب ويفجر‏.‏

ومازال هناك الضابط الشاب الذي يضحي بحياته‏..‏ وطموحه‏..‏ وأحلامه ـ بل وزفافه الذي كان بعد أيام ـ لينقذ فتاة لايعرفها من الاغتصاب‏!!‏

ومازال هناك الشعب الذي ينسي في لحظة خصوماته واحتجاجاته ومظاهراته‏..‏ ليبكي‏(‏ متوحدا‏)‏ لرحيل طفل بريء‏...‏ في موقف ليس كمثله حزن أو صدق أو نبل‏..!!‏

ومازال هناك الشهامة‏..‏ والتعاطف‏...‏ والشرف‏,‏ والوجه الأسمر‏..‏ وعرق الجبين‏..‏ والمعدن الريفي والصعيدي الأصيل ـ وإن بعد وانزوي عن الأضواء‏.‏

ومازال‏..‏ ومازال‏...‏ ومازال‏..‏

وتحتم الأمانة علينا ـ وفي هذا الظرف بالذات‏..‏ ومع تلك الجرائم الشاذة ـ ان نسلط عليها الأضواء‏:‏ بثا للأمل‏..‏ وبعثا جديدا لمعدننا الكامن‏(‏ الرائع أبدا‏)‏ والأصيل‏..,‏ وتشجيعا وتحفيزا‏(‏ بالتالي‏)‏ لكل من لديه فكرة أو لبنة أو بذرة خير لهذا الوطن الحبيب ألا يبخل بها ويغرسها‏..‏

فحتما وأبدا سوف تثمر‏..‏ ولك قبل غيرك ـ فذلك عهد علي الرحمن‏(‏ ووعد‏):‏ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان‏.‏

علي أن هذا الجزاء‏(‏ والعشرة أمثاله‏)‏ لايشترط ـ كما قد يتصور البعض ـ أن يكون بمالك أو ثروتك وفقط‏...‏ بل يمكن ان يكون‏(‏ وأهم‏)‏ بصحتك‏..‏ أو دراستك‏..‏ أو ذريتك‏..‏ أو ينجيك الله من أزمة أو كارثة‏..‏ أو إدمان ابن‏..‏ أو انحراف بنت‏..‏ أو فضيحة وزلل كنت توشك أن تقع فيها‏..‏ أو‏...‏

بل ويمكن أن يكون هذا الجزاء أيضا أن يخفف الله عنا وقع كارثة حدثت بالفعل‏..‏ فيثبتنا بها‏..‏ ويربط علي قلوبنا‏..‏ وينزل علينا صبرا وطمأنينة ورضا‏..‏

فالقاعدة لديه لا تتغير أبدا‏..‏ فما جزاء الإحسان عنده إلا بمثله وأروع منه‏.‏

من هنا اسمح لي‏(‏ وقبل أن أنهي‏)‏ أن أوجه رسالة لأب شاب فقد مؤخرا فلذة كبده بحادث مؤلم‏..‏ ومازال وحرمه يتجرعان مرارة الكارثة والفراق‏..‏ وهو ما لن ينتهي أبدا مادامت هناك حياة ونبض وذكريات لأشير عليه أن يفرغ طاقة الحزن الهائلة والكامنة داخله بأنشطة خير يخفف بها عن الآخرين‏..‏ فيسعي ـ وبالأولوية عن تجميل المقبرة‏..‏ أو زرع الأشجار والمظهريات ـ لتوجيه ما كان سيئول ميراثا لهذا الراحل الجميل لمشروع ضخم للأطفال الفقراء‏.‏

وليكن هذا المشروع مثلا مستشفي مجانيا وعملاقا للأطفال باسمه ومن حر ماله‏..‏ يتناسب حجما ونوعا ومكانة الفقيد في نفوسهم‏...‏ مع إعطاء تركيز لذات التخصص الذي كان سببا في الرحيل‏.‏

وألا يقتصر دوره علي مجرد التمويل فقط‏,‏ بل يعمل ويعيش بين هؤلاء الأطفال ـ يشاركهم آلامهم‏..‏ ويناولهم الدواء‏..‏ ويفرح معهم لشفائهم‏..‏ بل ويرعي ويزوج بعضهم إن أراد في زفاف جماعي كل عام بذكري ميلاد فلذة كبده الحبيب‏...‏ و‏...‏

وعلي أن يهب ثواب كل ذلك لملاكه الراحل الجميل‏,‏ مدركا أن له وللأم المثل‏,‏ بل والأضعاف‏.‏

عندئذ سيكتشف ان المحنة انقلبت عندهما حتما ـ ودون ان يدريا ـ الي بهجة ورضا ونعمة‏..‏ وانه بدلا من أن تقترن ذكريات الراحل بالبكاء واللوعة والدموع‏..‏ ستتحول مع كل فرح جماعي وحالة شفاء لنظرات فرح وابتسامات وتهنئة يتبادلانها وصورته الجميلة المعلقة بالمستشفي علي الجدار وبالقلوب‏.‏

فالرحمن أبدا لايغفل عن عباده وجنوده في الخير‏...‏ ولعله اراد بتلك المحنة أن تكون رسالة حب واصطفاء‏..‏ لتعديل وتبديل المسار‏.‏

فهل من مستجيب؟‏!‏

وهل من مفتد أيضا ـ ومسبقا ـ لأحبته وفلذات كبده‏..‏ حفظهم لكم الله؟

وهل من مبادر بإحسان ـ بلا مقابل‏(‏ مجرد لوجهه تعالي‏)‏ ـ يضاعفه له الرحمن بأروع وأفضل منه‏..‏ وهو أرحم الراحمين؟


أخوكم
ع‏.‏ق


*‏سيدي‏..‏ سأحترم رغبتك هذه المرة بعدم الافصاح عن اسمك الذي يشرفني ذكره لأنك صورة للإنسان المصري الكريم‏,‏ المعطاء‏,‏ المحب الذي تتحدث عنه في رسالتك‏..‏

أنت ياسيدي صورة من تلك الصور الجميلة لأبناء مصر الذين رسمت ملامح البعض منهم وهم كثر‏,‏ ولكن يختفون خلف ضوضاء وأضواء النجوم الكاذبة الوهمية الذين يحلبون عسل الوطن ـ ولا أقول يرشفون ـ بدون رحمة أو شفقة‏.‏

ولكن يظل الخير في مصر‏,‏ مادام فيها أمثال صديقنا النبيل الذي احتفل مؤخرا بزفاف كريمته‏,‏ كما احتفل بزفاف آلاف اليتيمات والفقيرات في قري مصر ونجوعها‏,‏ وهو صديق دائم لـبريد الجمعة لايتواني أبدا عن مد يد الخير بدون إعلان أو ذكر لاسم من قريب أو بعيد‏.‏

سيدي‏..‏ أحيانا لا أري مبررا للتعليق أو الرد علي بعض الرسائل‏,‏ ورسالتك من هذا النوع‏,‏ فأنا معك في كل ما قلت وطرحت واقترحت‏,‏ وأتمني أن تصل دعوتك بمعناها العميق والإنساني الي كل من ابتلاه الله في عزيز عليه‏,‏ فشجر المحبة والعطاء هو خير زاد للصبر والرضا‏,‏ زادك وزادنا الله منهما‏,‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.‏