لقد طغت المادية في مجتمعنا الحالي واختفت الربانية، وهذا نتيجة لتلك الموجة الطاغية من مدنية المادة وحضارة المتعة والشهوات التي غزت بلادنا فطغى ظلام المادية على نور الحق وسمو الروح، وسادت المقاييس والموازين المادية على المقاييس الربانية فكثرت جرائم القتل والسرقة والاغتصاب.



وقد عمت الغفلة وغفل المسلمون أنفسهم عن الرسالة التي خلقوا من أجلها، وأن هناك إلهًا عظيمًا خلقهم ومضطلع عليهم، إنها غفلة عن ذكره وطاعته، غفلة عن فضله ونعمه، فنرى كثيرين وقد عطلت عقولهم وعميت أبصارهم وصمت آذانهم فصاروا كالأنعام بل أضل.




هذا هو الواقع الذي يعيشه مجتمعنا، أما آن لنا أن نهم لنجعل حياتنا حياة ربانية، أما آن لنا أن نقول لا للمادية نعم للربانية.




العلاقة بين المادية والربانية

لقد خلق الله أبانا آدم عليه السلام من طين ثم نفخ فيه من روحه، فالمادية تمثلها الطين، والجانب الروحي الرباني يمثله تلك النفخة من روح الله تعالى. والمادية تجذب الإنسان لتهبط به إلى الأرض والربانية ترفع بالإنسان لتسمو به إلى خالقها الذي منه نفخة الروح وهكذا يكون الإنسان بين شد وجذب بين مطالب الجسد وبين غذاء الروح وسموها. قال تعالى ﴿
وَ نَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَ تَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَ قَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) ﴾ (الشمس).



ومن هنا كان الابتلاء والإرادة والمجاهدة والثواب والعقاب قال تعالى: ﴿
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) ﴾ (الملك)، ولم يتركنا الله تعالى هكذا بل أرسل لنا الرسل والكتب لتكون هداية للناس، فالسعيد الذي استفاد بنور الهداية وجاهد نفسه والشقي من حرم تلك الهداية، وترك طريق الخير، يقول تعالى ﴿ مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَ لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَ مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (15) ﴾ (الإسراء).



مظاهر المادية في حياتنا وعلاجها

1- الاهتمام بالدنيا ونسيان الآخرة:

نرى الكثير يحصر كل تفكيره وجهوده حول الدنيا ومتاعها ثم يأتي الموت فجأةً ويلقى المصير الأخروي الذي وصفته الآية: ﴿
كَلاَّ إِذَا دُكَّتْ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَ جَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَ جِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَ أَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَ لا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26) ﴾ (الفجر)، وهنا يأتي الندم يوم لا ينفع الندم، ولقد جاء الإسلام موضحًا لنا منهاجًا في كل الجوانب، فهو سبحانه وتعالى أعلم منا بذلك، فأوضح لنا أن الدنيا دار نعيم وأن متاعها قليل وزائل، وأن الآخرة هي الدار الباقية والنعيم الدائم، وحذَّرنا من الانشغال بالدنيا عن العمل للآخرة ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَ الْبَنِينَ وَ الْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الأَنْعَامِ وَ الْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ اللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) ﴾ (آل عمران).



هل يرجع هذا لأن الآخرة غيب والدنيا حاضر، في حين من أهم صفات المؤمنين إيمانهم بالغيب.




ومن هنا كان الأمر خطيرًا ويحتاج منا يقظة تامة، وأولى أن ننتبه ونحن أحياء لنتدارك أمرنا ونصلح أعمالنا وأحوالنا بأن نكون مستعدين للقاء الله تعالى في أي وقتٍ يقدره لنا، فالموت مكتوب علينا جميعًا ويأتي دون أي مقدمات. أحيانًا يكون الإنسان يشيع جنازة غيره اليوم وغدًا يُشيع جنازته غيره.




ولهذا كان من أهم العوامل التي تعيننا على التخلص من المادة والاقتراب من الحياة الربانية أن نقف وقفةً أمام قضية الموت وما بعد الموت قال تعالى: ﴿
كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (57) ﴾ (العنكبوت).



2- أصبح يوزن الإنسان بما لديه من متاع الدنيا:

فمن المقاييس الخاطئة التي توزن بها الرجال والأفراد على حسب ما لديه من مال أو جاه أو منصب في حين أن المقياس الرباني في الآية الكريمة ﴿
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ (الحجرات: من الآية 13) ويظهر هذا عند النسب والزواج، فمثلاً حين يتقدم الشاب لفتاة يسأل أولاً عن وظيفته وإمكانياته المادية.



3- السعادة الزوجية وما يحتوي المنزل من متاع:

قد يتصور البعض أنه على قدر تجهيزات العروس من أثاث ومتاع تكون السعادة الزوجية.




قال الشاعر:


ولستُ أرى السعادةَ جمع مال ولكنَّ التقيَّ هو السعيد


وقال تعالى: ﴿
وَ مِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) ﴾ (الروم).



فالأسرة التي تبنى على المقاييس المادية، ولا تلتزم بالتعاليم الربانية فسيجد الشيطان له مرتعًا فيها، وبالتالي تنشأ الذرية بعيدةً عن آداب الإسلام.




4- الاهتمام بعلاج البدن من الأمراض وإهمال أمراض القلوب:

نجد كثيرًا من الآباء حين يصاب أحد الأبناء بمرض بسيط يسرع لأكبر طبيب ويدفع كل ما يملك ولكن حين يسرق أو ينحرف سلوكيًّا لا يهتم.




في حين أن المستقبل الحقيقي يترتب على سلامة القلوب، ولهذا كان واجبًا علينا أن تتضح هذه الموازين.




5- تغلب مطالب الجسد على مطالب الروح:

فالكثير يسعى إلى إشباع شهوات الجسد دون ضوابط أو التزام بالحدود الدينية التي تحقق المصلحة والخير للفرد، ولا نعني إهمال الجسد ولكن لا بد من المواءمة بين مطالب الجسد ومطالب الروح والالتزام بتعاليم القرآن والسنة.




6- شهر الجوع والطاعة يتحول إلى شهر التخمة والمعصية:

ونحن نرى الآن كيف أصبح استعداد الفرد والمجتمع والدولة لشهر رمضان فبدلاً من أن يكون شهر الربانية والعبادة يكون شهر المادية والرفاهية.




7- التنافس في البناء الفاخر والكماليات:

المساكن الفاخرة والأثاث الفاخر والطرف والكماليات التي تدعو إلى الحياة الناعمة، والتي تشد صاحبها إلى متاع الدنيا فيكره الموت، وكأنَّ الحياةَ الدنيا هي دار النعيم.




8- التبرج والسفور وما يترتب على ذلك من إشاعة الفاحشة:

ولقد ساعد الإعلام بأنواعه وما به من برامج على هذا.




9- القلق والتبرم من الحياة:

إن الربانية تكسب الفرد الراحة النفسية والطمأنينة والرضا، في حين أن البعد عن الربانية والميل إلى المادية يولد القلق والجزع والتبرم من الحياة. قال تعالى: ﴿
أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ (الرعد: من الآية 28).



وعلى كل حال نخلص من هذا أن الطريق إلى الربانية يكون بالاقتداء برسول الله- صلى الله عليه وسلم- فعندما صار الرسول- صلى الله عليه وسلم- والصحابة رضوان الله عليهم على المنهج الرباني استطاعوا أن يصبروا ويثبتوا أمام كيد الكفار، وعلى قدر ارتفاع الإيمان والربانية على قدر الثبات والصبر أمام أي شيء.


اللهم أصلح قلوبنا، وأزل عيوبنا، وتولنا بالحسنى وزينا بالتقوى.

منقول عن د/ وفاء مشهور