عن قيس، عن جرير- رضي الله عنه- قال: "ما حجبني النبي- صلى الله عليه وسلم- منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي (1). وفي رواية: "... ولا رآني إلا ضحك" (2)، وعن عبـد الله بن الحـارث بن جزء قال: "ما رأيت أحـدًا أكثر تبسـمًا من رسـول الله- صلى الله عليه وسلم-" (3).
إن للبسمة أثر السحر في جذب النفوس، وتأليف القلوب واستعطافها، ولقد كانت البسمة مرتسمة دائمًا على محيا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وينفق منها لكل مَن يلقاه، قالوا في ذلك: لأن شأن الكمال إظهار الانبساط والبشر لمن يريدون تألفه واستعطافه (4).
ولقد خص الله الإنسان بالضحك والبكاء من بين سائر الحيوان، وليس في سائر الحيوان من يضحك ويبكي غير الإنسان، وقد قيل: إن القرد وحده يضحك ولا يبكي، وإن الإبل وحدها تبكي ولا تضحك.
والله وحده هو الذي قضى بأسباب الضحك والبكاء: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43)﴾ (النجم).



قال عطاء بن أبي مسلم: يعني أفرح وأحزن؛ لأن الفرح يجلب الضحك والحزن يجلب البكاء(5).



وقيل أضحك من شاء في الدنيا بأن سره، وأبكى من شاء بأن غمّه.



وقيل: أضحك الأشجار بالنوار، وأضحك الأرض بالنبات، وأبكى السماء بالمطر.



وقيل: أضحك المؤمن في الآخرة وأبكاه في الدنيا.



وقال بسام بن عبد الله: أضحك الله أسنانهم وأبكى قلوبهم، وأنشد:



السن تضحك والأحشاء تحترق وإنما ضحكها زورٌ ومختلق

يا رُبَّ باكٍ بعين لا دموع لها وربَّ ضاحك سنٍّ ما به رَمَقُ (6)



الرسول- صلى الله عليه وسلم- يشارك الصحابة الابتسامة:

وكان الصحابة يضحكون في مجلس رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يبتسم معهم، فعن سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم كثيرًا، كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام، وكانوا يتحدثون، فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون، ويبتسم صلى الله عليه وسلم (7).