شروع "نشر الحكايات الشعبية الفلسطينية"، بدأ يبصر النور. ومن الآن بات بمقدور أي طفل عربي أن يقرأ هذه الحكايات مصورة، ويستمع إليها ويشاهدها حية على قرص مدمج. حكايات شكلت وعي أطفال عرب منذ مئات السنين، في مناطق مختلفة ولا تزال حية، ومنها أيضا ما أعيد إحياؤه بعد أن أصبح نادرا، والفضل يعود إلى الحكواتي عبد الحكيم سمارة، وأمثاله ممن جعلوا تراث القص شغفهم، وجمعه مهنتهم.

جمع التراث الفلسطيني الشفاهي، ليس أمرا جديدا. فقد اهتمت أكثر من مؤسسة بهذا الأمر، وعملت ما استطاعت كي تستطيع إنقاذ تراث، تتمنى إسرائيل لو تستفيق فتجده قد اندثر. هناك معركة حضارية بين طرفين غير متكافئين والفلسطينيون يعون ذلك جيدا، إسرائيل تهدم وتلغي الأفكار والحجارة والبشر، والفلسطينيون رغم تفرقهم وتشتتهم، يقومون بجهود صغيرة متفرقة، لكنها جبارة أحيانا، لإفشال الحلم الإسرائيلي المتحفز.

ومن بين هذه المحاولات التي تستحق الاحتفاء بها "إحياء ونشر الحكايات الشعبية الفلسطينية" وهو عنوان مشروع مخصص للأطفال، حيث يتم السعي لإصدار موسوعة لقصص الأطفال، صدر منها مؤخرا الجزء الأول ويشمل عشرين حكاية على أن تصدر الأجزاء الأخرى تباعا. الحكايات تصدر بإخراج جديد، يتلاءم مع تطورات العصر التكنولوجية، لكنه بالأساس يهدف لمنع اندثار الحكاية الشعبية الفلسطينية والمحافظة على الرواية التاريخية العربية ـ الفلسطينية.

المبادر لهذا المشروع هو الحكواتي والشاعر عبد الحكيم سمارة، من فلسطينيي 48، يسكن في قرية "جت" في المثلث الجنوبي. وهو أحد القلائل الذين يزاولون مهنة الحكواتي في هذا العصر، عصر الفضائيات والانترنت، وتحول العالم إلى قرية صغيرة، تستطيع إن أردت أن تلفه بفترة زمنية قصيرة وأنت جالس أمام ذلك الصندوق الصغير المدعو حاسوبا.

المفارقة أن هذا المشروع يأتي تزامنا مع احتفالات إسرائيل بـ 61 عاما على قيامها، وانشغال الشعب الفلسطيني بإحياء ذكرى نكبته، وصاحبه ينتمي إلى تلك الشريحة من هذا الشعب التي صارعت المخططات الإسرائيلية العديدة لإبعاده عن لغته وانتمائه الوطني لأمته العربية. شريحة نجحت في التمسك بانتمائها عبر نضالات طويلة مريرة.

الحكواتي الفلاح

العمل الأساسي للحكواتي سمارة هو في رواية الحكايات الشعبية، في "مزرعة أبو جميل السياحية"، وهي عبارة عن قرية سياحية تتميز بطابع تراثي قديم، في مدينة باقة الغربية في المثلث الشمالي. إلا أنه يتنقل حاملا حكاياته لأماكن أخرى وبشكل خاص لطلاب المدارس ورواد النوادي ليحكي لهم حكايات: "أبو زيد الهلالي" و"الشاطر حسن" و"جبينة" و"نص مصيص" وغيرها، متقمصا الدور قلبا وقالبا. يرتدي بالكامل زي الحكواتي، عندما كانت الناس تحضر لتستمع إليه في المقاهي والجلسات الشعبية في الأحياء، لتمضية الوقت والسهر.



سمارة ينسجم مع الدور ويأخذ مستمعيه عائدا بهم إلى تلك الأزمان، ليس من خلال اللباس فحسب إنما من خلال أسلوبه في نقل الحكاية، حتى يصبح المستمع جزءا منها، كما قال في حديث لـ"الشرق الأوسط". ويضيف: "هذه الحكايات هي جزء من التراث العربي وليس الفلسطيني فقط، ولا يعرف من هو مؤلفها وراويها الأول. حكايات شعبية تعني أن الشعب قام بتأليفها، حرص عليها ونقلها من جيل إلى جيل". ويتابع: "هذه حكايات تعود إلى ما قبل التاريخ الإسلامي. كل منطقة في عالمنا العربي تأثرت بالشعوب التي حطت فيها. أذكر على سبيل المثال، حكاية "جبينة".

هي بالأصل كنعانية. تطورت مع الزمن حتى وصلت إلى صيغتها الحالية. أيضا هذه هي حال قصص "الشاطر حسن" و"الشاطر محمد"، طورتها الشعوب من قصص ألف ليلة وليلة، وجعلت لها رونقا خاصا بها ينسجم مع نفسية وتضاريس كل بلد. لذا فإن قسما كبيرا من الحكايات الشعبية العربية متوارث لدى الشعوب العربية على اختلاف مناطقها الجغرافية. نفس الحكاية تحكى بنصوص وأسماء متشابهة في المغرب العربي كما في بلاد الشام والجزيرة العربية ومصر والعراق وفلسطين".

نشأت فكرة إحياء ونشر الحكايات الشعبية، خلال بحث الشاعر سمارة وتنقيبه عن المزيد من الحكايات لتقديمها لمستمعيه، وإضافة إلى تلك المنشورة في عدة كتب، قرر الانطلاق لجمع عدد أكبر منها، من رأس النبع. قصد سمارة أجدادنا وجداتنا الأحياء من فلسطينيي 48 و 67 في الضفة الغربية وقطاع غزة لينقل قصصهم كما جاءت على ألسنتهم. "اكتشف أن لدينا كنزا تراثيا من الحكايات الشعبية الآخذة بالاندثار بسبب الانشغال بأمور أخرى، ولكن أيضا بسبب التطور التكنولوجي".

ويقول: "جمعت أكثر من ألف حكاية شعبية فلسطينية. تعزز بمضمونها الانتماء التراثي والثقافي للمتلقي لما تحمله من قيم تربوية وإنسانية وخيال خصب". ومع أن هناك تشابها بين الحكايات في العالم العربي، لكن المفاجأة كانت داخل مدن وقرى 48 و 67. "فعندما بدأت بإعداد النصوص تبين لي أن هناك اختلافا حول كيفية رواية الحكاية بين منطقة الجليل الأعلى ومنطقة بر غزة. فقررت التشاور مع مختصين في الموضوع لاختيار النص الأقرب".

نشأت فكرة الحكواتي في منطقتنا في المدن العريقة مثل حلب ودمشق وعكا ونابلس كما يقول الحكواتي سمارة. في السابق كان الحكواتي يجلس في المقهى أو في ديوان واسع يؤمه الكبار والصغار ويحكي الراوي أمامهم حكاياته عن عنترة وأبو زيد الهلالي وألف ليلة وليلة، بينما في القرى كان من يروي الحكايات للأطفال، هم جداتهم وأمهاتهم. أما أنا فقد قمت باستنباط شخصية الحكواتي الفلاح مقابل حكواتي المدن".




الممتع في الحكايات الشعبية أن أبطالها هم في العادة من عامة الشعب. وربما هذا هو سر الانجذاب إليها وأسرها حواس المستمع. فهي تنقل صراعا وحالات اجتماعية قائمة حتى يومنا هذا، بين الأغنياء والفقراء، الظالم والمظلوم، القوي والضعيف، الخير والشر والشخصية المثالية دائما شخصية البطل الذي يجسد الخير والقوة والمحبة والسلام ونصرة المظلوم.


حلة جديدة

مشروع الحكايات الشعبية، وإصدارها في موسوعة، لا يمكن أن يتم من دون الأخذ بعين الاعتبار التغيرات والتطورات التكنولوجية السريعة الحاصلة، لجذب الأطفال والمراهقين للاطلاع عليها والاستفادة منها، وجعلها جزءا من تعاملهم الذكي والسريع مع تلك الأدوات التكنولوجية. الحكواتي سمارة كان واعيا لهذه النقطة، فقرر إصدار حكاياته بصوته وبلغة عامية، على قرص مدمج حتى يكون بمتناول يد الجميع، أيضا عبر الحاسوب والإنترنت.

"لا يمكن تجاهل الفرق الشاسع في الأدوات والمفردات التي تم استعمالها في الحكاية الشعبية في ذلك الوقت وبين واقعنا الحالي. في الماضي كانت وسائل النقل اليومية تتم بواسطة الحيوانات، بينما في هذا الزمن تتم بواسطة السيارات. هناك كلمات تستعمل في الروايات لم تعد مستعملة أصلا. مثلا في حكاية "نص نصيص/ مصيص، كنت أقول: وركب على عنزته وحط الحلس وحمل المقحار. اليوم لا أحد يفهم شيئا من هذا. ولا أعرف كم من القراء يعرف معنى كلمة الحلس (الفلاح كان يستعمل الحلس وهو كيس يوضع فوق ظهر الحمار) أو المقحار (عبارة عن قطع من الخشب كانت تضعها النساء داخل الطابون). لذا أقوم دائما بتفسير معاني تلك الكلمات التي تستعمل، ومن خلال المشروع الجديد أحاول أن أخرج الحكاية بصيغة عصرية يسهل فهمها".

من القصص العشرين التي يتضمنها الجزء الأول، حكايات: "خنفيسة" وهو تصغير لحشرة الخنفساء، "اخشيبون" أصلها من كلمة خشب. "اقريعون" أصلها من اقرع، "الطير الأخضر"،" شقائق النعمان"، "محمد السماك"، "محمد الزيات"، "النصائح الثلاث"، بالصيغة التي يرويها فلسطينيو 48.

في النهاية عبّر الحكواتي والشاعر سمارة عن قلقه من خطر اندثار الفلكلور والتراث الفلسطيني، بسبب الأوضاع والصراعات الخارجية والداخلية التي يعيشها الشعب الفلسطيني وقيادته. فيقول: "مبادرتي متواضعة جدا، جاءت من خلال حرصي وغيرتي على الجانب الثقافي الشعبي، الذي لا يأخذ حقه بالاهتمام أمام سرعة العولمة. كما قلت لدينا كنز من الروايات الرائعة والراقية. بعض الأشخاص من العالم الغربي قاموا بأخذ نصوص لحكايات عربية وغربوها بعد تغيير أسمائها وتحولت إلى حكايات عالمية. حكايتا سندريلا وليلى الحمراء في الأصل حكايتان شعبيتان وشرقيتان. لكنهما تحولتا إلى جزء من القصص العالمية التي يحسبون أن أصلها غربي، بينما الخيال الشرقي واسع منذ فجر التاريخ".