هوامش حرة
حزب الفقراء
يكتبها‏-‏فاروق جـــويـــدة

ما أكبر حزب في مصر الآن؟‏..‏ وما برنامج هذا الحزب؟‏..‏ هل الإخوان المسلمون أم المثقفون أم الليبراليون أم الحزب الوطني أم حركة كفاية وتوابعها أم الأحزاب التي صنعتها الحكومة مثل المعلبات؟‏..‏ وما المستقبل السياسي للشارع المصري في ظل هذا كله؟‏..‏

كان هذا هو السؤال الذي طرحته أمامي السيدة مني الشاذلي في برنامجها الجاد العاشرة مساء علي قناة دريم‏..‏ لم أكن في حاجة إلي وقت طويل حتي أجيب عن هذا السؤال‏..‏ وكانت إجابتي أن حزب الفقراء هو الآن أكبر الأحزاب في الشارع المصري‏..‏ فالحكومة تقدم كل يوم دعاية مجانية للإخوان المسلمين بلا مقابل‏..‏ والمثقفون تفرغوا للتوقيع علي البيانات الحكومية‏..‏ والحزب الوطني خرج ولم يعد ولم يستدل علي مكانه حتي الآن‏..‏ وحركة كفاية ضاعت في دوامة الصراع‏,‏ والأحزاب التي صنعتها الحكومة مازالت في المرحلة الاولي من صناعة أطفال الأنابيب ولكن الحزب الذي لا ينكره أحد الآن هو حزب الفقراء لأنه يوجد في كل مكان ويتمتع بوجود طاغ وشعبية مذهلة‏..‏

تذكرت هذا كله وأنا أشاهد علي شاشات التليفزيون د‏.‏ محمد يونس أستاذ الاقتصاد المسلم وهو يتسلم جائزة نوبل للسلام والذي أقام كل تاريخه العلمي طوال ثلاثين عاما علي فكر غير تقليدي لتقديم القروض الصغيرة للفقراء وانشأ أول بنك للفقراء في العالم‏,‏ والغريب أن الرجل بدأ تجربته بمبلغ‏27‏ دولارا دفعها من جيبه قروضا لمجموعة من السيدات في قرية صغيرة بجوار الجامعة التي كان يعمل فيها في بنجلاديش في عام‏1976..‏ وطوال رحلته مع الفقر والفقراء قدم بنك الفقراء قروضا لأكثر من‏66‏ مليون فرد‏97%‏ منهم من النساء في‏700‏ ألف قرية وبلغت نسبة سداد القروض‏99%..‏ وقال يونس تعقيبا علي فوزه بجائزة نوبل إنني لا أري سببا لأن يكون هناك شخص فقير علي ظهر الأرض‏..‏

واصبح بنك الفقراء في بنجلاديش حديث العالم بعد أن وصلت هذه التجربة إلي أكثر من‏40‏ دولة تقدم القروض للفقراء في كل مكان‏..‏

تذكرت تجارب لبنوك أقيمت في مصر منذ سنوات حاولت أن تقدم القروض للحرفيين والمزارعين وأصحاب الصناعات الصغيرة كان منها بنك ناصر الاجتماعي‏..‏ والبنك الصناعي وبنك التسليف الزراعي وهي تجارب لم تحقق أهدافها بالصورة المطلوبة فلا أحد يعلم الآن شيئا عن بنك ناصر أو ما هي أنشطة البنك الصناعي أو ضحايا بنك التسليف من الفلاحين الغلابة‏..‏ لقد نظرنا إلي قضايا البنوك والجهاز المصرفي علي أساس أنها مشروعات رأسمالية تجارية ضخمة لا علاقة لها بالفقراء سواء كانوا حرفيين أو زراعيين أو شبابا عاطلا وتصورنا أن العمل المصرفي مقصورا علي الأسماك الضخمة التي تندفع في مياه النيل كالوحوش تأكل كل الأسماك الصغيرة‏..‏ وفجأة خرجت هذه الوحوش وتركت مياه النيل وحشائشه وقاذوراته وانطلقت في السماء ومعها أموال المودعين الغلابة‏..‏

لم تفكر حكومة من حكوماتنا المتعاقبة في مشروع بنك يشبه بنك الفقراء الذي أقامة د‏.‏ محمد يونس في بنجلاديش ببضع دولارات كان يكفي لإقامة هذا المشروع عشرة ملايين دولار حصل عليها أحد رجال الأعمال وليس مائة مليون دولار‏..‏ ولكن متي وضعت الحكومات المصرية فئة إسمها حزب الفقراء في مصر في سياساتها‏..‏ إن الحكومات لم تفكر يوما في أن يتحول هؤلاء الفقراء إلي أدوات عمل وإنتاج واستثمار‏,‏ إنها تفكر فقط في بنود الدعم الذي لا يصل إليهم وإذا وصل فإن نصفه يضيع ما بين التجار والبقالين والمشرفين علي المناقصات ورواتب المسئولين في الوزارات وينتهي الأمر إلي كيلو سكر أو زجاجة زيت أو كيس شاي‏..‏

لو أن حكومتنا الرشيدة قدمت لأصحاب الدعم وسائل عمل شريف وقروضا ميسرة للعمل في أي حرفة فإن ذلك أفضل كثيرا من زجاجات زيت فاسد أو شاي مغشوش‏..‏

وفي الوقت الذي كانت الحكومات تمن فيه علي الفقراء بأكذوبة قديمة اسمها الدعم كانت توزع آلاف الأفدنة بأسعار رمزية علي الحيتان الكبيرة‏..‏ وتقدم بلايين الجنيهات قروضا دون ضمانات وتخصص الوظائف العليا لأبناء الأكابر منتهكة قيمة إنسانية تسمي تكافؤ الفرص‏..‏

وفي الوقت الذي تتغني فيها الحكومات كل يوم بقضية الدعم فإنها لا تذكر شيئا عن الاراضي التي وزعت وربح منها من ربح‏..‏ ولا تذكر شيئا عن حجم القروض التي ضاعت علي البنوك وأخذها رجال الأعمال وهربوا ولا يستطيع أحد أن يذكر أولاد الأكابر الذين احتلوا كل المواقع المهمة في وظائف الدولة‏..‏

كان من الطبيعي في ظل غياب قواعد عادلة لتوزيع الثروة في مصر وتراكم الموارد في يد مجموعة من الأشخاص الذين جمعوا ما بين المال والسلطان أن تزداد مساحة الفقر وأن يضم حزب الفقراء كل يوم تلالا من البشر‏..‏ وفي ظل غياب العدالة في توزيع الثروة كان من الطبيعي أن تتسع دائرة الفساد‏,‏ حيث لا توجد قواعد لشيء‏..‏ وتدخلت مؤسسات الدولة في بعضها البعض وأصبح من الصعب أن نفرق بين السلطة السياسية والسلطة الشعبية وسلطة رأس المال فقد تداخلت كل هذه السلطات وصنعت طبقة جديدة بلا ملامح واضحة فهي تجمع السياسة والمال وتتحدث باسم الشعب‏..‏

وفي ظل غياب المعايير وشيء مقدس أسمه العدالة زادت أعداد حزب الفقراء في مصر وأقتحم طبقات اجتماعية كاملة ولم يعد مصقورا علي قاع المجتمع وفئاته السفلي بل إنه أمتد ليعصف بالطبقة المتوسطة صاحبة التاريخ العريق ليهبط بها في كل شيء ثم اجتاح المهنيين والموظفين والمزارعين والعمال ولم يترك حزب الفقراء فصيلا أو فئة في المجتمع المصري إلا وكان له فيها نصيب‏..‏

ووقفنا جميعا نرقب هذا التحول الخطير وكلنا صامتون‏..‏ فريق صغير جدا ملك المال والسلطة ومقدرات الوطن وفريق كبير جدا لا حول له ولا شأن لأنه يلهث كل يوم لكي يحصل علي رغيف خبز نظيف‏..‏ ولا يجده‏..‏

هنا يصبح الحديث عن المستقبل في ظل هذه التركيبة مغامرة غير محسوبة‏..‏ وتصبح حركة الشارع واحتمالاتها أيضا غير محسوبة‏..‏ ولكن الغريب أن الانقسام الطبقي الذي اجتاح مصر في السنوات الأخيرة ما بين الأغنياء والفقراء ومن يملكون ومن لا يملكون قد خلق انقساما آخر بين فئتين‏..‏ فئة تحارب بالميكروفونات والشعارات والفضائيات في منتديات القاهرة وفئة أخري مطحونة في قلب الريف والمصانع والعشوائيات لا أوجد يعرف عنها شيئا‏..‏ وأصبحت المسافة بين الأغنياء والفقراء أكبر بكثير من قدرتنا علي الإصلاح وبقيت المسافة بين النخبة وبين فئات المجتمع الضائع أكبر من قدرتنا علي الفهم‏..‏ وهنا يصبح من الصعب قراءة الشارع المصري قراءة سليمة لأن المقدمات جميعها غامضة وغير واضحة المعالم‏..‏ نحن أمام مجتمع انقسم علي نفسه ما بين الفقر والغني‏..‏ وما بين المسئولية والغياب‏..‏ ومابين الكلام والفعل‏..‏ أو بمعني آخر ما بين الشعارات التي يرددها البعض والصمت الذي يجتاح الأغلبية‏..‏

في مجتمعات كانت أكثر منا تخلفاوأكثر منا سكانا‏..‏ وأكثر منا هموما كانت تجربة بنك الفقراء تجربة رائدة للعالم كله‏..‏ وبدلا من أن نسمع كل يوم حكايات وقصصا عن الدعم الذي لا يصل والبطالة التي ليس لها حل والزيادة السكانية التي نلقي عليها كل مشاكلنا‏,‏ لماذا لا نستفيد من تجارب الآخرين مع الفقر وبدلا من أن توجه البنوك المصرية كل أنشطتها لتمويل الأغنياء الهاربين‏..‏ لماذا لا تخصص قروضا صغيرة للفقراء المقيمين‏..‏ إذا كانت تجربة البنوك قد انتهت نهاية غير سعيدة مع الأغنياء الذين هربوا دعونا نجرب مرة واحدة وفي بنك واحد أن نعطي قروضا للفقراء الذين أقاموا‏..‏ إن هذه الكتلة البشرية الهائلة هي التي ستحدد مستقبل كل شيء‏..‏

فإذا سئلت يوما من سيحدد مستقبل مصر؟ فلا تتردد في أن تقول إنه حزب الفقراء الذي لا يراهن عليه أحد في مصر الآن‏..‏