الكعب والعقب

الدكتور محمد علي البار


يكثر الاستخدام الخاطئ لبعض الألفاظ ومنها الكعب . ويقولون دق الأرض بكعبه . وهو خطأ إذ أن الكعب لا يصل الى الأرض وإنما يقصدون العقب وهو عظـم في مؤخــرة القــدم ( Calacaneum ) ويلامس الأرض من الخلف . ومن ذلك ايضا قولهم عن أسفل الحذاء "الكعب" .

والكعب : هو العظم البارز عند ملتقى الساق بالقدم . وهما كعبان أحدهما وحشي وهو بروز في نهاية عظم الشظيّـة ( Fibula ) والآخـر إنسي وهـو بروز في نهايـة عظم الظنبوب (Tibia ) ويسمى الكعب في لغة الطب (malleolus ) والنسبة اليه كعبي ( malleolar ) ، وهما كعبان في كل طرف سفلي عند ملتقى الساق بالقدم . قال تعالى في سورة المائدة في آية الوضؤ { آية رقم6 } ( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجُوهَكم وأيديَكم الى المرافق وامسحوا بروءسِكم وأرجُلَكم الى الكعبين ) .

والقراءة المعتمدة بنصب أرجَلكم عطفاً على أيديَكم . وهناك قراءة بخفضها عطفاً على روءسِكم . والعمل عند أهل السنة على غسل الرجلين لورود أحاديث كثيرة صحيحة في الباب . والمسح على الخفين أو الجوربين غير المشفّين جائز يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر .

والكعب كل ناتئ بارز فيقال للفتاة إذا برز ثدياها "كاعب" والجمع كواعب ، قال تعالى في صفة حـور الجنـة ( وكواعب أترابا ) { النبأ 33 } . ويقال علا كعبه إذا ارتفع مقامه . وقد سُميّت الكعبة لارتفاعها وسمو مكانها ، ولانها على هيئة التكعيب . ومنه المكعب وهو شكل سداسي الأسطح . قال تعالى ( جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ) { المائدة97 } ، وذو الكعبات بيت كان في الجاهلية لبني ربيعة . ويقال فلان جالس في كعبته أي غرفته وبيته على تلك الهيئة . كما يقول الراغب الاصفهاني في مفردات ألفاظ القرآن .

والعَقِبْ : مؤخر القدم . وهو عظم كبير في آخر القدم ( Calcaneum ) يتم عليه ارتكاز البدن . وقد يكون له مهماز ( Calcanean spur ويظهر في صورة الأشعة السينية واضحا . وقد يسبب ألماً شديداً . وفي حديث عبدالله بن عمرو الذي أخرجه الشيخان "البخاري ومسلم" قال : " تخلف النبي عنا في سفرة سافرناها ، فأدركنا وقد أرهقنا العصر فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا ، فنادى بأعلى صوته : "ويل للأعقاب من النار" .

واستعير العقب للولد وولد الولد . قال تعالى ( وجعلها كلمة باقية في عقبه ) { الزخرف 28 } وقولهم " جاء في عقب الشهر " أي في آخره . " ورجع على عقبيه " أي إذا انثنى راجعا . " وانقلب على عقبيه " مثل قولهم رجع على حافرته ، وارتد على ادباره ، ونكس على رأسه ، أي انقلب من الضد الى الضد . ومن ذلك قوله تعالى للمؤمنين في معركة أحد بعد ما شاع بينهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل ففّت ذلك في عضدهم وتقاعست كثير منهم عن القتال وأصابتهم الهزيمة ( وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل . أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم . ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا . وسيجزي الله الشاكرين ) { آل عمران 144 } .

وقد قام أبوبكر الصديق رضي الله عنه عند موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك المقام المشهود واستشهد بالآية السالفة عندما صُدم الناس بموت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال عمر رضي الله عنه في دهشته ان النبي لم يمت وانما ذهب لملاقـاة ربه كمـا ذهب موسى وسيعود ..... الخ .

وقوله تعالى ( قل أندعو من دون الله مالاينفعنا ولا يضرنا ونُرَدُّ على أعقابنا بعد إذ هدانا الله ) { الانعام 71 } . وقال تعالى في وصف الشيطان الذي غرَّر بقريش في معركة بدر فلما رأى الملائكة فرّ وتركهم ( وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ، وقال لا غالب لكم اليوم . فلما ترآءت الفئتان نكص على عقبيه . وقال اني برئ منكم. اني أرى ما لا ترون والله شديد العقاب ){ الأنفال 48} ، واعتقبا البعير اذا تعاقبا الركوب عليه واحداً بعد الآخر . وعَقَبهُ اذا تلاه .

والعُقْبُ والعُقْبَى . وهي عاقبة الشئ وذلك يكون في الآخرة قال تعالى ( أولئك لهم عقبى الدار ) { الرعد 22 } ، وقال تعالى ( هنالك الولاية لله الحق . هو خير ثوابا وخير عُقْبَا ) { الكهف 44 } . والعاقبة ما يأتي من ثواب أو عقاب قال تعالى ( والعاقبة للمتقين ) { القصص 83 } ، وقوله تعالى ( فكان عاقبتهما أنهما في النار ) { الحشر 17 } وعاقبة كل شئ نهايته وآخره . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ...