الوصمة المدموغ بها المرض النفسي تعود أساساً للاعتقاد السائد لدى عامة الناس ونسبة غالبة من علماء الدين الإسلامي إلى أن المريض النفسي متلبس بالجن، أي يسكنه جن أو شيطان، أو على الأقل تحت تأثير السحر أو العين أو الحسد. وقد ساعدت وسائل الأعلام المقروءة والمسموعة والمشاهدة بدون أن تدرى في دعم هذا الاعتقاد بإفساحها المجال لمن يؤمنون بهذا الاعتقاد لإبداء آرائهم بقوة مدعمين هذه الآراء بآيات قرآنية و أحاديث نبوية وروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم. والجدير بالذكر أن هنالك عدد ليس بالقليل من علماء المسلمين لا يؤيدون هذا الاعتقاد وهو دخول الجن بدن المريض إلا أنهم يحجمون عن إبداء آراءهم خوفاً من نعتهم بالكفر أو الزندقة.

نسبة لهذا الاعتقاد السائد فإن هنالك أعداد كبيرة من المرضى النفسيين يقصدون الشيوخ والمطوعين الذين اشتهروا بعلاج التلبس وإزالة اثر السحر والعين والحسد ويدفعون أموالاً طائلة توقعاً للشفاء بأساليب متنوعة اشتهر بها هؤلاء المعالجين سنأتي على ذكرها لاحقاً. الغريب في الأمر أن هؤلاء المعالجين ليس لديهم وسائل تشخيص محددة، بل يؤكدون لكل مريض يقصدهم بأي نوع من الأعراض النفسية المتعارف عليها عالمياً بأنها من فعل السحر أو العين أو الحسد أو الشيطان. وأغلبية المرضى الذين يراجعون الأطباء النفسيين يذكرون أنهم تعالجوا لفترة عند هؤلاء الشيوخ وآثروا في النهاية مراجعة الطبيب النفسي بعد أن ساءت حالتهم الصحية أو لأنهم فطنوا أنهم ضلوا الطريق.

في مجتمعنا الشرقي والإسلامي اعتقد أن أغلبية الأطباء النفسيين لا يمانعون إطلاقا عندما تسمح حالة المريض من أن يقرأ عليه قرآنا أو أدعية لأن من المؤكد أن هذه الوسائل التي هي جزء من مكونات المريض العقائدية تساعد على دعم وتسريع العلاج الطبي من ناحية الإيمان بقضاء الله وتقبل أرادته مع توقع استجابته لصلواتهم وادعيتهم لرفع البلاء عنهم. ولكن من المهم أن لا يتدخل المطوع أو الشيخ في العلاج الطبي أو محاولة تنفير المريض أو أهله من متابعة العلاج لأن عددا كبيرا منهم لا يؤمن بأي دور للطب في العلاج .

الاعتقاد بتلبس الشيطان للإنسان كان سائدا في ما نطلق عليه الدول المتقدمة الآن في القرن الماضي نسبة لاعتقاد الكنيسة في الأمر، إلا أنه نتيجة للنهضة العلمية وانحسار تأثير الكنيسة فأن هذا الاعتقاد يكاد يكون قد اندثر، ومن يقول به الآن يعتبر كمن يؤمن بالخرافات.

نبذة تاريخية
الاعتقاد بمسؤولية الأرواح الشريرة عن الأمراض مهما كان نوعها قديم من الأزل وقد كانت القبائل البدائية في التاريخ الأول تعزى أي مصيبة تحل بالقبيلة من أوبئة وكوارث طبيعية وقحط ومجاعات إلى هذه الأرواح الشريرة إن لم تكن من فعل آلهتهم الغاضبة والمعاقبة لهم. وبالمقابل توجد أرواح طيبة مثل أرواح أسلافهم يلجأ إليها أطباؤهم لإلهامهم ومساعدتهم في التخلص من عبث الأرواح الشريرة مع درأ آثار الكوارث والأوبئة ومساعدتهم في التغلب على أعدائهم.

كانت هذه الأرواح تفوق الخيال في" مسيبوتيميا القديمة" وكذلك كان الحال في" بابيلونيا القديمة" وقد كان للكهنة طقوس معينة يطردون بها هذه الأرواح من أبدان المرضى تشمل الصلوات وإطلاق البخور والأدعية للآلهة وفي بعض الأحيان تحدى هذه الأرواح وأمرها بالخروج.

كتب الهندوس المقدسة" فيدا" التي وضعت سنة ألف من قبل الميلاد تحدثت كذلك عن هذه المخلوقات الشريرة وكذلك كان الحال في بلاد فارس في القرن السادس قبل الميلاد. الكتب التي ترجع لهذه الحضارات تتحدث أيضا عن طقوس لطرد هذه الأرواح بواسطة الصلوات والمياه المقدسة.

ذكر أن" هومر" قد تحدث مع الشيطان، أما" سقراط" فقد وصف المجنون بالذي تحت تأثير الشيطان. وكذلك أكد " أفلاطون".

اشتهر الرومان بطقوس خاصة يلعب الجنس والخمر دورا كبيرا فيها وذلك لتلبيس أنفسهم بالشيطان عن طريق دخوله أبدانهم وذلك في حفلاتهم الصاخبة. وانتقلت هذه إلى اليونان القديمة لاحقاً.

التقاليد" الشامانية" تعتقد أن الأرواح الشريرة والشيطان مسئولة عن سرقة أرواح المرضى والحلول محلها محدثة مرضه، ويترتب على المعالج الذي يطلق عليه اسم "الشامان" البحث عن هذه الروح المسروقة واستعادتها لصاحبها بعد طرد الروح الشريرة لكي يشفي المريض.

إلى يومنا هذا نجد هذا الاعتقاد" الاستحواذ بالأرواح" منتشرا ليس فقط في دول العالم الثالث بل بين مجموعات في الدول الغربية المتقدمة التي فيها من يؤمن بتناسخ الأرواح، اى أن بعض أرواح الموتى التي كانت تعانى في حياتها أو لحظة مفارقتها للحياة بدلا من أن تصعد إلى السماء تحوم حول الأرض لتحل في جسد جديد محدثة لصاحبه معاناة نفسية وجسدية هائلة. ونتيجة لهذا الاعتقاد فقد انبرى عدد كبير من المعالجين الروحانيين لتخليص هؤلاء المرضى من هذه الأرواح بطقوس خاصة بهم. والجدير بالذكر أن بعض المعالجين النفسيين المعاصرين ابتكروا أسلوباً من العلاج النفسي أسموه "علاج الخلاص من الأرواح". وهذا العلاج غالبا ما يكون تحت التنويم. وهو مشابه لحد كبير لأساليب المعالجين الروحانيين والتي تعتمد لحد كبير على استغلال المعتقدات الخاصة بالمريض.
كتاب العهد الجديد


تحدث العهد الجديد، كتاب المسيحيين المقدس عن أن سيدنا عيسى عليه السلام كان يمارس طقوس طرد الأرواح الشريرة من أبدان المرضى تأكيدا لنبوته وكان النبي يأمر هذه الأرواح بالخروج من بدن المريض وان لا تعود مرة أخرى. وقد ذكر بأنه قام بطرد أرواح من بدن مريض دخلت بدورها قطيع من الخنازير التي أسرعت إلى حافة هاوية وسقطت في الماء لتموت. وذكر أن النبي عيسى علم تلاميذه طرد الأرواح من أبدان المرضى. وليومنا هذا تتولى الكنيسة وخاصة الكاثوليكية هذه المهمة. وكتب العهد القديم تحدثت عن تعرض بعض أنبيائه للشيطان.

القرآن الكريم أكد أن من معجزات النبي عيسى عليه السلام شفاء المرضى بإذن الله بصلواته ودعائه.

إلى عهد قريب كان المريض العقلي في أوروبا يعتقد انه شيطان أو ساحر وقد تمت مطاردتهم وقتلهم حرقاً للتخلص منهم. وأخيراً باختفاء هذا الاعتقاد تم التعامل معهم كمرضى وأصبحوا يجمعون في مصحات خاصة لرعايتهم وحمايتهم.

الجن في الإسلام

من المعروف أن سكان الجزيرة العربية قبل الإسلام من أهل الكتاب يهود ونصارى والمشركين من العرب أولاد سام وحام كانوا يعتقدون في وجود الجن وأثره على الإنسان من مكروه ومرغوب إذ كان الموهوبون كالشعراء يعتقد أن بهم جن وهو الذي يلهمهم بقول البديع من الشعر. وكانوا يستعينون بالجن في إحداث الضر والخير ومعرفة المجهول. أما وادي عبقر فكان وادي في الجزيرة العربية كان يعتقد أن الجن تسكنه. وكلمة عبقري مشتقة من ذلك الاسم.

القرآن الكريم أكد وجود الجن كما جاء في شأن إبليس الذي كان من الجن، ومن بعض الآيات التي تدل على وجودهم كقوله تعالى " والجان خلقناه من قبل من نار السموم"، وقوله تعالى " وخلق الجان من مارج من نار." ويقال أنهم خلقوا قبل آدم بألفي سنة.

تعرض النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه لهم مثلا قوله "عرض لي الجان في صلاتي فخنقته" وكذلك قوله " ما منكم من احد إلا ومعه قرينه من الجن وقرينه من الملائكة."
تذكر المراجع أن الجن مخلوقات رقاق الأبدان كالهواء لا يبصرها الإنسان ولكنهم يبصرونه ويستطيعون التشكل في صورة الأنس والبهائم والحيات والعقارب والطير. ومنهم المؤمن والكافر ويدخلون الجنة والنار يوم القيامة على حسب أعمالهم.

إبليس عصى ربه إلا أن الله سبحانه وتعالى أمهله من العقاب إلى يوم يبعثون، وإلى ذلك اليوم تعهد أن يغوي الإنسان ضعيف الأيمان ويبعده عن فعل الخير ليدخله معه النار.

كما ذكر في القرآن تسخير الله الجن لسيدنا سليمان يأتمرون بأمره، " من الجن يعمل بين يديه بأذن ربه." وذكر أيضا أن الجن يعلم الناس السحر والطب.


المسلم لا ينكر وجود الجن ولكن الخلاف في تفسير هذه الآية "الذين يأكلون الربا لا يقومون إلاّ كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس." هذه الآية اتخذت كدليل على أن المصر وع يدخل في جسده الشيطان فيجعله يتخبط. أي أن ما يأتي به المصر وع من تشنجات وحركات لا إرادية غريبة وما يتفوه به من كلمات مبهمة أو بذيئة من فعل التلبس. .وكذلك يدللون بحادثة المرأة التي لها ابن به جنون يأخذه عند الغداء والعشاء، فما كان من الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن مسح على صدر الابن فخرج الجني من جوفه "مثل الجرو الأسود". وفي حالة ثانية أمره الرسول بقوله" اخرج عدو الله" فخرج.


وسوسة الشيطان للإنسان


يوجد اعتقاد كبير لدى المسلم بوسوسة الشيطان للإنسان لإغرائه لمخالفة ربه ويدلل على ذلك بقوله تعالى "من شر الوسواس الخناس. الذي يوسوس في صدور الناس". فالوسوسة فسرت على أنها الصوت الخفي الذي لا يحس فيحترز منه أو الإلقاء الخفي في النفس. وقيل أن الوسوسة غالبا ما تكون كلاما يكرهه الموسوس و ذلك يؤدى إلى صرعه. وقد تكون الوسوسة كلاماً تميل إليه النفوس والطبع، كالرغبات والأماني المكبوتة التي لا يستسيغها العقل. وقد قيل في بعض كتب التفسير أن الشيطان يدخل جسم ابن آدم لأنه جسم لطيف أو رقيق ليوسوس له اى يحدث النفس بالأفكار السيئة التي تقود إلى المعصية. ويستدل على ذلك بالحديث الشريف " أن الشيطان يجرى في الإنسان مجرى الدم."

العلم الحديث يعطى شرحاً آخر لهذه الوسوسة التي يعانى منها كثير من المرضى النفسيين لا دخل للشيطان فيها وسنأتي على ذكرها لاحقاً بمزيد من التفصيل في الجزء الثاني من هذا المقال.


طرد الشيطان بواسطة المشايخ


الاعتقاد بأن الجن أو الشيطان يؤدى إلى الصرع أو الجنون لدى الإنسان أدى إلى ظهور معالجين كثيرين من المشايخ والمطوعين بعضهم عن نية صادقة والبعض كوسيلة للكسب السريع. غالباً ما يكون التشخيص بالتلبس بالجن إذا كانت تبدر من المصاب حركات وتشنجات وكلاما مبهماً أو بذيئاً أو نوبات إغماء تشبه النوبات الصرعية. أما إذا ما كان المريض يشتكي من اضطرابات نفسية تلعب العاطفة دورا بارزا فيها مثل الحزن أو القلق أو الغضب أو المخاوف الشديدة أو الشعور بالذنب أو عدم الثقة أو فقدان الشهية للأكل أو الجنس أو المتعة في الحياة أو العمل، فالتشخيص غالبا ما يكون المرض نتيجة لعين أو سحر أو عمل أو حسد.

إخراج الجني عند المشايخ الملتزمين بالدين يكون بأساليب مختلفة كالدعاء والذكر وقراءة المعوذات وآية الكرسي، و هذه الأساليب يعتقد أنها تؤثر سلباً على الجني أو الشيطان و تؤدي إلى طرده من جسم المريض. بعض المعالجين يلجئون إلى أساليب مباشرة للتعامل مع الجني العنيد وذلك بانتهاره وسبه ولعنه و أمره بالخروج فأن لم يأتمر كان نصيبه الضرب بالعصي غالبا تحت الأرجل حتى يصيح ويصرخ. والاعتقاد هنا أن المصر وع لا يحس بالألم بل الجني هو المتألم والذي غالبا ما يترك المصر وع قهرا ولكن قد يعود مرة أخرى ويتطلب ذلك مراجعة المعالج مرة أخرى.

الحقيقة أي عمل مؤذي كالضرب يعاني منه المريض شخصياً فهو يبكي ويطلب الرحمة ولكن الشيخ لا يبالي لأنه يعتقد أن الذي يعانى ويصرخ هو الجني ويستمر في الضرب إلى أن يغمى على المريض أحيانا أو يسعفه ذكاءه فيستجيب لما يطلبه منه الشيخ. وكم من مريض مات نتيجة الضرب أو التجويع أو التعرض لعوامل طبيعية ضارة بالصحة.

المعروف أن بعض المرضى عندما يكونون في حالة غيبة أو تغيير في الوعي نتيجة لنوبة" اضطراب تفككي أو تلبسي " قد لا يستجيبون للمؤثرات الخارجية مثل الشعور بالألم فيعتقد عندها خطأ أن عدم استجابتهم تعنى أن الجني هو الذي يحس بالألم وليس المريض الذي لا يبدي أي تأثر واضح بما يحدث له في تلك اللحظة ولكن قد يلاحظ عليه اثر الأذى عندما يستعيد كامل وعيه.



هل هنالك اتفاق ديني على التلبس؟

طائفة المعتزلة وبعض الطوائف المسلمة تنكر دخول الجن بدن الإنسان المصر وع لاستحالة دخول روحين جسداً واحداً. ويوجد بيننا الآن عدد من العلماء المسلمين المعاصرين الذين يجاهرون برأيهم هذا غير عابئين بوصفهم زنادقة أو كفار.

في هذا الموضوع يقول احدهم: "إن كلمة لبس أو لمس لم ترد في القرآن أو السنة. والمس كما جاء في قوله سبحانه وتعالى "كالذي يتخبطه الشيطان من المس." وكذلك قوله تعالى " أنى مسني الشيطان." لا يعنى دخول الجني جسم الإنسان وإنما هي وسوسة زائدة منه تسبب التخبط أو الصرع. فالإنسان لضعفه يصرع عند سماعه للوسوسة التي هي همس بما تكرهه النفس أو ما يغضب الله".

الملاحظ هنا أن في كلا الحالتين يكون الشيطان مسئولا عن المس أو التخبط إلا أن الاختلاف في الكيفية فالفئة الأخيرة تعتقد أن الصرع نتيجة وسوسة الشيطان وليس دخول الشيطان فعلياً بدن المريض.
شاهد من أهلها


قبل عدة سنوات كتب احد المعالجين بالقرآن مقالاً في إحدى الصحف أنه لسنوات كان يعالج المرضى بالقرآن مرجعاً أغلبها للتلبس بالجن أو الحسد أو العين أو السحر، ولكنه عندما اطلع على كتب علم وطب النفس تأكد لديه أن الحالات التي كان يعالجها موصوفة بدقة أكبر في تلك الكتب وأنها تستجيب للعلاج عند الطبيب النفسي بصورة أشمل وأسرع. و من يومها ودّع مهنته للأبد وصار ينصح مراجعيه بمراجعة الأطباء لأنهم يستطيعون أن يشخصوا الحالة ويعالجونها أحسن منه. ولو كان العلم متقدما في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم لوجّه المرضى نفس الوجهة مع تدعيم للعلاج الطبي بالقرآن والدعاء . والرسول نفسه ذكر أن" لكل داء دواء إلا الهرم"

أعداد متزايدة من علماء المسلمين الآن يؤمنون بالمرض النفسي والعقلي بجانب المرض العضوي ويؤمنون كذلك بالعلاج الطبي لهذه الأمراض وفي السودان كثير من المشايخ الذين يقصدهم المرضى النفسيين لهم علاقة قوية مع الأطباء النفسيين المحليين إذ أنهم يرسلون الحالات المرضية إلى هؤلاء الأطباء ومن ثم الدعاء على هذه الأدوية وأمر المريض أن يتعاطاها على حسب نصائح الطبيب. وهذا الأسلوب فعّال للغاية إذ أن العلاج الطبي مدعم بالعلاج الديني مع التأكد من التزام المريض بالعلاج.