يعتبر الإمام الخميني أحد أبرز الشخصيات الشيعية خلال القرن الماضي، ويعتبر كثيرون من الشيعة الإمام الخميني الشخصية الإسلامية الأبرز خلال القرن الماضي نظرا لنجاحه في إقامة نموذج الدولة الإسلامية الذي لازال يثبت تألقه دوليا يوما بعد يوم.
ولد أحمد مصطفى الموسوي الخميني عام 1902 وسط عائلة دينية في مدينة خمين، توفي والده وعمره خمسة أشهر فقط وكفلته خالته وأمه، وبرز نبوغ الخميني المبكر في تحصيل علوم اللغة، فاتجه في شبابه لدراسة العلوم الدينية بمدينة أصفهان التي سرعان ما تركها للدراسة بالحوزة العلمية في مدينة قم، ومع إثباته لتفوقه بدأ التدريس وهو في العشرين من عمره، ومع ذياع صيته كأحد نوابغ الحوز العلمية بدأت مواقف الخميني السياسية تطفو على السطح.
ينبغي في البداية أن نشير إلى أن علماء الدين الشيعة يحظون باستقلال مادي عن الحكومة في بلادهم، بعكس نظام وزارات الأوقاف التي جعلت من علماء السنة موظفين في الدولة مما أثر على خطاباتهم وآرائهم، فالفقيه الشيعي له دخل مالي من أتباعه ومقلديه إذ يحصل على ما يسمى بفريضة الخمس، وهي التي فرضت للرسول (ص) للإنفاق على آل بيته وتم إسقاطها بعد وفاته، هكذا دائما مثل الفقهاء الشيعة قطبا في الصراع مع الحكومات فهم ليسوا بحاجة لأموال منها.
اتخذ الخميني موقفا داعما لحركة فدائيي الإسلام المناهضة للشاه رضا بهلوي، كما ساند الحركات الإصلاحية التي تبناها العلماء من أساتذته أمثال آية الله الكاشاني، وآية الله القمي الذي تضامن مع السيد العجرودي في مواجهة نظام حكم الشاه.
وكان الخميني جريئا في خطبه بشكل ملفت للنظر فكان يتناول الشاه بالاسم ويطلق عليه "الولد" و"الصبي" وما إلى ذلك من مسميات أثارت حنق السلطة، ولعل أشهر خطاباته كانت بشأن المستشارين الأمريكيين الذين عينهم الشاه وأعطى لهم صلاحيات واسعة في إطار سياسته الخاضعة لأمريكا في كل كبيرة وصغيرة، وقبل ذلك قاد انتفاضة شعبية عام 1963 كانت بمثابة الشرارة الأولى للثورة الإسلامية التي تحققت بعدها بستة عشر عاما، ولكن جهاز المخابرات الإيراني "السافاك" كان حاسما مع هذه الانتفاضات مما أجل توقيت الانفجار إلى عام 1979.
ومع بلوغ الخميني مرتبة آية الله واستمراره في سياسته العدائية لنظام الشاه العميل لأمريكا بدأ السافاك يتحين الفرصة للقبض عليه وتقديمه لمحاكمة ميدانية تنتهي بإعلان حكم الإعدام، وساعتها لم يجد العلماء بدا من التدخل فقرروا إجازة بحثه بعنوان "تحرير الوسيلة" وبالتالي ترقيته إلى مرتبة آية الله العظمى، وهنا لم يجد السافاك حلا سوى نفي الخميني للخارج إذ أن القانون الإيراني يمنع صدور أحكام بالإعدام في حق المراجع الدينية وهو ما انطبق على الخميني بعد ارتقائه للمرتبة الأعلى كفقيه شيعي.
صدر قرار بنفي الخميني إلى تركيا وبعدها سمح له بالتوجه إلى العراق والإقامة بحوزة النجف الأشرف العلمية حيث عمل بالتدريس وزادت شعبيته بين طلاب العلم الشرعي، وخلال الثلاثة عشر عاما التي قضاها في حوزة النجف استطاع الخميني بعث اتجاه ولاية الفقيه في الفكر الشيعي مرة أخرى ونشره بين 12 ألفا من طلابه، وأصدر فيه كتابه الأشهر "الحكومة الإسلامية" الذي أحدث دويا في العالم الإسلامي كله.
تقوم فكرة ولاية الفقيه على أن يتولى الفقيه رأس السلطة في الدولة الإسلامية خلال غيبة المهدي المنتظر، ومن المعروف أن المهدي المنتظر لدى الشيعة هو الإمام الثاني عشر: محمد بن الحسن العسكري الذي اختفى في سامراء بالعراق عام 260هـ ، والشيعة يعتقدون أنه مازال حيا وسيعود ليحكم المسلمين بالعدل مرة أخرى بعد انقضاء زمن الغيبة الذي نحيا إحدى حقبه الآن، ويرى متبعو فكرة ولاية الفقيه أن الفقهاء هم أولى الناس بالحكم إنابة عن المهدي المتظر نظرا لعلمهم التام بالشرائع مع ترك المجالات العلمية الدقيقة لأهل التخصص كما قال الخميني في "الحكومة الإسلامية"، ولا شك أن استقلالية الخميني ومواقفه السياسية المناهضة للشاه روجت لفكرة ولاية الفقيه التي تقبلها الشعب الإيراني بصدر رحب فيما بعد.
انتقل الخميني بعد ذلك إلى فرنسا، ومن هناك زادت حدة هجمته العنيفة على الشاه وأمريكا ونادى بإقامة النموذج الإسلامي الذي يمثل الحل الوحيد لمشاكل الشعب الإيراني الذي عانى الديكتاتورية والفقر والبطالة، ويحسب للخميني أنه أول من نقلت خطبه بأشرطة الكاسيت وهو ما صار الآن الوسيلة الأبرز لنقل خطب الدعاة، فكانت خطبه تسجل على أشرطة واسطوانات الموسيقا وتهرب إلى إيران لتحدث دويا هائلا بين الجماهير، وهذه التجربة عرفت باسم "إعلاميات الخميني".
ومع استمرار الهجمات الشرسة التي شنها الخميني بالتنسيق مع الطلبة الإيرانيين بباريس، خرجت الجماهير الإيرانية في مواجهة الجيش تنفيذا لتعليمات الخميني، وقتل أكثر من 70 ألف مدني إيراني في المواجهات حتى تسلل الحس الثوري إلى الجنود أنفسهم وخالفوا أوامر استهداف المتظاهرين وبالتالي خسر الشاه جيشه الذي كان يعول عليه ولم يجد بدا من الرحيل عن البلاد في يناير 1979 حتى توفي بمصر بعد أن استضافه الرئيس السادات، وفي نفس العام خرج الملايين من الإيرانيين لاستقبال الخميني في المطار حيث أعلن أمامهم إقامته للحكومة الإسلامية.
ولكن بعد مضي سنتين من الثورة نشبت صراعات داخلية بين رجال الدين أنفسهم مما أدى بالخميني إلى عزلهم وتقليص نفوذهم في حين زاد من صلاحيات رئيس الوزراء والحكومة بعد استقالة الحسن بني صدر، وتدهورت صحة الخميني بشكل واضح بعد انتهاء حرب السنوات الثماني مع العراق فتوفي في عام 1989 وخرج الإيرانيون لتشييع جثمانه.
الملاحظ في شخصية الخميني أنه كان دائما ما يطفو على الروح المذهبية ويتحدث كزعيم إسلامي لا كمرجع شيعي، فهو صاحب فكرة جيش العشرين مليون لتحرير القدس، وكان دائم الاستخدام لألفاظ قرآنية في تناول المسائل القومية والسياسية، فكان يستخدم كلمات كالـ"مستضعفين" والـ"استكبار" وغيرها مما ألهب حماسة الجماهير، فضلا عن استغلاله للمناسبات الدينية كعاشوراء الحسين التي رأى فيها إشعالا لروح الثورة على الظلم.
ويحسب للخميني أنه أول من ساند مشروع التقارب بين المذاهب الإسلامية بشكل رسمي وفعال، فأعطى مادة في الدستور الإيراني توفر كافة السبل لتقريب وجهات النظر بين المسلمين، كما ترجم بعضا من أعمال سيد قطب وحسن البنا إلى الفارسية، ولا يزال يوجد شارعان باسميهما في العاصمة طهران.
والمثير في حياة الخميني اتخاذه مواقف نارية من كل من يبدي تعاونا مع الإدارات الأمريكية المتلاحقة أو إسرائيل، فلا يخفى على أحد أنه أطلق اسم منفذ عملية اغتيال السادات على شارع بطهران، إلا أن شارع خالد الإسلامبولي تغير اسمه إلى شارع فلسطين في عهد الرئيس السابق محمد خاتمي.
وبالنسبة لمصر كان الخميني رمزا للحكم الديني المتطرف في نظر المسئولين، وهكذا كان في نظر أغلب احكام العرب الخائفين على كراسيهم، وأشعلوا الفتنة المذهبية في السعودية ضد الشيعة ومولوا كل من يهاجمهم خوفا من فكرة تصدير الثورة خارج إيران، ولهذا نجد دولا من الخليج كانت في قمة التفاهم مع إيران أثناء حكم الشاه ثم سرعان ما انقلبت عكس الاتجاه بعد الثورة وإبراز الخميني لعبارات العداء لكل من يتعاون مع أمريكا التي وصفها بالوصف الأشهر حتى اليوم "الشيطان الأكبر".