التحفة الربانية

في شرح الأربعين حديثا النووية

ومعها شرح الأحاديث التي زادها ابن رجب الحنبلي



تأليف

فضيلة الشيخ العلامة / إسماعيل بن محمد الأنصاري ( يرحمه الله )

الباحث في دار الإفتاء بالمملكة العربية السعودية



بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ، نسأله جل شأنه أن يهدينا صراطه المستقيم ، و يحمينا من مضلات المفتنين ، وموبقات الملحدين ، و أصلي وأسلم على من أرسله الله رحمة للعالمين ، هدى وذكرى للمؤمنين ، وعلى آله وصحبه الذين جاهدوا في الله حق الجهاد ، فبلغوا الرسالة إلى كافة العباد، وفازوا بالعز والسعادة في الدنيا والمعاد .



وبعد : فللإمام النووي قدم راسخة في السنة المطهرة ، آثاره فيها حميدة ، ومكانته فيها مكانة الراسخين في العمل ، فقد خدم صحيح مسلم أجل خدمة ، وساق إلى من يريد الإصلاح كتابه (( رياض الصالحين )) ، ثم استخلص من الصحاح الأربعين حديثا المشهورة التي أنزلها العلماء منزلة القبول والاستحسان ، لاشتمالها على أصول الأحكام وشرائع الإسلام فتعهدوها بالشرح والبيان ، ومن أجل شروحها هذا الشرح الوجيز ، الذي ألفه أستاذنا الشيخ إسماعيل الأنصاري _ وفقه الله _ فقد أحسن الجميل إلى طلبة العلم ، وأبدع التنسيق في بيان مقاصد الحديث ، حيث سار على الطريقة الإستنتاجية بعد شرح المفردات اللغوية ، وكانت الأغراض التي تستنبط منكل حديث خير ما امتاز به هذا الشرح المفيد.

سائلين الله تعالى أن يجعله عملا صالحا خالصا لوجه الكريم . وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم .
الحديث الأول



عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول : (( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه )). رواه إماما المحدثين : أبو عبد الله محمد ابن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة البخاري ، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة .





المفردات :

إنما : للحصر ، وهو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه .

الأعمال : الشرعية المفتقرة إلى النية .

بالنيات : بتشديد الياء وتخفيفها جمع نية وهي عزم القلب.

وإنما لكل امريء ما نوى : فمن نوى شيئا لم يحصل له غيره .

فمن كانت هجرته : إنتقاله من دار الشرك إلى دار الإسلام .

إلى الله ورسوله : بأن يكون قصده بالهجرة طاعة الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم .

فهجرته إلى الله ورسوله : ثوابا وأجرا .

لدنيا : بضم الدال وكسرها من الدنو، أي القرب سميت بذلك لسبقها للأخرى ، أو لدنوها إلى الزوال ، وهي ما على الأرض مع الهواء والجو مما قبل قيام الساعة . وقيل : المراد بها هنا المال بقرينة عطف المرأة عليها .

يصيبها : يحصيها .

ينكحها : يتزوجها .

فهجرته إلى ما هاجر إليه : كائنا ما كان ، فالأول تاجر والثاني خاطب



يستفاد منه :

1- الحث على الإخلاص ، فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان صوابا وابتغي به وجهه . ولهذا استحب العلماء استفتاح المصنفات بهذا الحديث تنبيها للطالب على تصحيح النية.

2- أن الأفعال التي يتقرب بها إلى الله عز وجل إذا فعلها المكلف على سبيل العادة لم يترتب الثواب على مجرد ذلك الفعل وإن كان صحيحا ، حتى يقصد بها التقرب إلى الله .

3- فضل الهجرة إلى الله ورسوله . وقد وقعت الهجرة في الإسلام على وجهين : الأول _ الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن ، كما في هجرتي الحبشة ، وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة ، الثاني _ الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان ، وذلك بعد أن استقر النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين . وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالانتقال إلى المدينة ، إلى أن فتحت مكة فانقطع الاختصاص . وبقي عموم الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام لمن قدر عليه واجبا .
الحديث الثاني

عن عمر رضي الله تعالى عنه أيضا قال : بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد ، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال : يا محمد أخبرني عن الإسلام ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا . قال صدقت ، فعجبنا له ، يسأله ويصدقه ، قال : فأخبرني عن الإيمان ؟ قال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره . قال صدقت . قال: فأخبرني عن الإحسان ؟ قال : أن تبعد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك . قال : فأخبرني عن الساعة ، قال : ما لمسئول عنها بأعلم من السائل ، قال فأخبرني عن أماراتها ، قال : أن تلد الأمة ربتها ، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان . ثم انطلق فلبثت مليا ثم قال : يا عمر ، أتدري من السائل ؟ قلت الله ورسوله أعلم ، قال : فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم )). رواه مسلم



المفردات:



رجل : ملك في صورة رجل .

لا يرى عليه : بالياء المثناة من تحت المضمومة على المشهور . ورواه بعضهم بالنون المفتوحة ، وكلاهما صحيح .

على فخذيه : على فخذي النبي صلى الله عليه وسلم كما يفهم من رواية النسائي .

أن تشهد أن لا إله إلا الله : يبين معنى هذه الكلمة ما في الرواية الأخرى لأبي هريرة بلفظ (( أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا ))

وأن محمد رسول الله : يجب على الخلق تصديقه وطاعته فيما أمر به ، والانتهاء عما نهى عنه .

وتقيم الصلاة : المكتوبة . أما صلاة النافلة فإنها وإن كانت من وظائف الإسلام فليست من أركانه . وكذلك الزائد على الفرض من الزكاة والصوم والحج.

تؤتي الزكاة : المفروضة لمستحقيها .

وتصوم رمضان : تمسك نهاره عن المفطرات بنية .

وتحج البيت : تقصده لأداء النسك المعدود من أركان الإسلام إن استطعت إليه سبيلا : وهو الزاد والراحلة .

فعجبنا له يسأله ويصدقه : لأن ما أجا ب به النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف إلا من جهته ، وليس هذا السائل ممن عرف بلقاء النبي صلى الله عليه وسلم والسماع منه . ثم هو قد سأل سؤال عارف بما يسأل عنه . لأنه لم يخبره بأنه صادق فيه .

أن تؤمن بالله : أنه متصف بصفات الكمال ، منزه عن صفات النقائص . لا شريك له .

وملائكته : أنهم كما وصفهم الله : عباد مكرمون ، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون .

وكتبه : أنها كلام الله ، وأن ما تضمنته حق .

ورسله : أنهم صادقون ، وأنهم بلغوا كل ما أمرهم الله بتبليغه .

واليوم الآخر: يوم القيامة بما أشتمل عليه من البعث والحساب والميزان والصراط والجنة والنار ، إلى غير ذلك مما صحت فيه النصوص .

وتؤمن بالقدر خيره وشره : أن الله علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها ، ثم أوجد ما سبق في عمله أن يوجد ، فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته ، خيرا كان أو شرا , وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك ، وما أخطئك لم يكن ليصيبك .

فإن لم تكن تراه فإنه يراك : أي فاستمر على إحسان العبادة فإنه يراك .

عن الساعة : متى تقوم . والمراد بالساعة يوم القيامة .

ما المسئول عنها بأعلم من السائل : لا أعلم وقتها أنا ولا أنت ، بل هو مما استأثر الله بعلمه .

أماراتها : بفتح الهمزة : علاماتها .

أن تلد الأمة ربتها: سيدتها فسر هذا باتساع الإسلام واستيلاء أهله على بلاك الشرك فيكثر التسرى ، فيكون ولد الأمة من سيدها بمنزلة سيدها لشرفه بأبيه ، وفسر أيضا بكثرة العقوق : حتى يعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة بالسب والضرب والاستخدام . واختاره الحافظ ابن حجر قال : لأن المقام يدل على أن المراد حالة تكون مع كونها تدل على فساد الأحوال مستغربة ، وذكر أن التسرى كان موجود حين المقالة ، فحمل الحديث عليه فيه نظر.

الحفاة : جمع حاف . وهو غير المنتعل .

العراة : جمع عار ، وهو من لا شيء على جسده .

العالة : الفقراء .

رعاء الشاء: بكسر الراء . حراسها ، والشاء : جمع شاة .

يتطاولون في البنيان : يتفاخرون في تطويل البنيان ويتكاثرون به .

فلبثت : أقمت بعد انصرافه .

مليا : بتشديد الياء . زمانا كثيرا ، تبينه رواية النسائي والترمذي : ( فلبثت ثلاثا )

يعلمكم دينكم : كليات دينكم .



يستفاد منه :

1-تحسين الثياب والهيئة والنظافة عند الدخول على الفضلاء ، فإن جبريل أتى معلما للناس بحاله ومقاله .

2-الرفق بالسائل وإدناؤه ،ليتمكن من السؤال غير منقبض ولا هائب .

3-سؤال العالم مالا يجهله السائل ، ليعلمه السامع .

4-بيان الإسلام والإيمان والإحسان ، وتسميتها كلها دينا .

5-التفرقة بين مسمى الإسلام ، ومسمى الإيمان ، حيث جعل الإسلام في الحديث اسما لما ظهر من الأعمال ، والإيمان اسما لما بطن منها ، وقد جمع العلماء بين هذا وبين ما دلت عليه النصوص المتواترة من كون الإيمان قولا وعملا ، بأن هذين الاسمين إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر ، ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده ، وإذا قرن بينها دل أحدهما على بعض ما يدل عليه بانفراده ودل الآخر على الباقي .

6-وجوب الإيمان بالقدر ، وهو على درجتين إحداهما _ الإيمان بأن الله سبق في علمه ما يعلمه العباد من خير وشر وطاعة ومعصية قبل خلقهم وإيجادهم ، ومن هو منهم من أهل الجنة ، ومن هو منهم من أهل النار ، وأعد لهم الثواب والعقاب جزاء لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه . الثانية _ أن الله خلق أفعال العباد كلها من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان . وشاءها منهم ، ومع ذلك لا يحتج به في المعاصي .

7-أن وقعت قيام الساعة مما استأثر الله بعلمه .

8-أن العالم إذا سئل عما لا يعلم يصرح بأنه لا يعلمه . ولا يعبر بعبارات مترددة بين الجواب والاعتراف بعد م العلم ، وأن ذلك لا ينقصه ، بل هو دليل على ورعه وتقواه ، وعد تكثره بما ليس عنده .

9-أن من أشراط الساعة انعكاس الأمور بحيث يصير المربي مربيا . والسافل عاليا .

10- أن السؤال الحسن يسمى علما وتعليما ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في جبريل: (( يعلمكم دينكم ، مع أنه لم يصدر منه سوى السؤال )) .