[رجع فهمي من عمله مرهق بشده . ناظراً لباب شقته نظره المتلهف على الراحة بعد طول عناء

وبعد أن فتح باب شقته حتى أرتمي عند أقرب مقعد قابله في صالة المنزل
متنفساً بسرعة رهيبة..وكأنه كان في سباق طويل مع الوقت أو الزمن أو قل كل ما تريد من أنواع السباقات الإنسانية

تلك السباقات التي بدء فهمي بالتفكير في معانيها .

وكيف أنه أصبح كالعربة التي لا تقف ولا تتمهل ولا حتى لتتزود بالوقود

أستغرق بطلنا هذا في بحور تلك الأفكار التي كانت تتقاذفه مره ذات اليمين و تارة ذات اليسار .

حتى أفاق من تفكيره وهو يزفر بشده نافضاً عن نفسه كل تلك الأفكار المتعبة

قام من مكمنه ورفع سماعه الهاتف ضارباً رقم صديق عمره ورفيق دربه وهو أيضاً من تبقى له من كل البشر الذين يعرفهم في الحياة الدنيا

فهوا يتيم الأبوين.بلا أخوه بتاتاً .

أو كما يقولون. مقطوع من شجره...أنتظر بضع ثوان حتى سمع صوت محدثه يقول له

الو....فهمي .أنت رجعت من الشغل ؟

رد فهمي في غيظ قائلاً : لا. لسه مرجعتش يا ناجى. ده أنت بنى أدم غريب صحيح !!

لو كنت لسه في الشغل أمال بكلمك من البيت أذاي يا فالح ؟

سمع فهمي قهقه رفيقه وهو يقول : ها ها ها . أنت دايماً كده لازم تبتديها تريقه على !

أبتسم فهمى قائلاً فى ود حقيقى : يعنى لو مضحكتش معاك أمال هضحك مع مين؟مانت عارف أنى مليش غيرك

رد ناجى قائلاً : خلاص بقى .هو أنت هتقلبها مناحه.المهم هتعمل أيه الليلادى ؟

رد فهمى فى ضيق : صدقنى مش عارف. أنا هريح شويه وبعدين هدخل على شبكه الانترنت وأشوف الاميل بتاعى فيه أيه جديد

صرخ ناجى : ياعم فهمى.ماكفايه أنترنت فى الشغل وكمان هنا .هو أنت مبتزهقش خالص!

فهمى : طب قواللى أنت .أيه اللى ممكن أعمله؟

ناجى: لا قصدك أيه اللى ممكن نعمله أحنا الاتنين.تعال عندى ونخرج نتفسح شويه على الكورنيش

نأكل ذره مشوى أو حمص شام ...ونشم حبه هوا

رد فهمى فى تلقائيه : ماشى كلامك...ساعه واحده وهكون عندك

******************

وعــــــد
******


جلس الصديقان فوق أسوار كورنيش النيل ناظرين بعيون مسحورة بحب وعشق لمشهد نيل مصر الخالد فى تلك الليلة المقمرة من ليالي الصيف الحارة...ثم التفت ناجى ناحية فهمي قائلاً له :

عامل أيه فى جرنالك يافهمى.وأيه أخر أخبار العالم عندك؟

التفت فهمي قائلاً في اهتمام واضح : الأخبار عندنا بتجرى بطريقه عجيبه والحوادث بتتسارع وتيرتها بشده

ضحك ناجى هاتفاً : ياعم فهمى .أنت مش عايز تنسى طريقه الصحفى.! أنا عايز أعرف الاخبار بتاعه الارهاب والحوادث اللى كل يوم والتانى بنسمعها ؟

رد فهمي : الارهاب ذى مانت عارف موجود فى كل حته فى العالم .ده حتى أحنا أمبارح جالنا جواب تهديد من جماعه سلفيه متشدد بتفجير الجريده والانتقام مننا علشان الموضوعات اللى بنكتبها عنهم

فغر ناجى فاه فى رعب قائلاً : يا ليله سوده .وبعدين عملوا أيه؟

هز فهمى أكتافه قائلاً : ولا حاجه .الموضوع ده مش جديد علينا .وكل فتره بيجلنا جوابات ورسائل بالشكل ده ..يعنى هنعمل أيه ؟. ولا حاجه

صرخ ناجى بقوه قائلاً بصوت مرتفع جعل كل من حوله يلتفت اليه :

أذاى التهريج بتعكم ده..الناس دى مبتهزرش .والاخبار بتاعتكم عنهم أكيد بتهيجهم عليكم.

رد فهمى فى لا مبالاه رهيبه وهو ينظر لمياه النيل :

طب يعنى هنعمل أيه؟.العمر واحد والرب واحد.

ثم التفت لناجى قائلاً له: بقولك أيه؟

رد ناجى : أيه؟

تكلم فهمي بطريقه غامضة ارتعشت لها جوانح ناجى قائلاً :

طب تعمل أيه لو جالك خبرى وعرفت أنى أنقتلت بهجوم أرهابى من الجماعات دى ؟

رد ناجى وهو ينفض عنه هذا الرعب : حرام عليك يافهمى .أنت بتقول أيه.

ده أنا كنت ساعتها هيكون كل هدفى الانتقام منهم .بلاش كلامك العبيط ده.ربنا يعطيك طوله العمر وأشوفك كده رئيس تحرير والا مدير عام الجريده

رد فهمى بنفس الغموض قائلاً : طب أنا عندى فكره .توعدنى وعد أخ لأخيه

أستفسر ناجى قائلاً : وعد؟.أي وعد ده؟

أبتسم فهمى قائلاً : لو لا قدر الله وحصاللى حاجه توعدنى أنك تستنى منى رساله على الاميل بتاعك

نظر ناجى بشده لصديق العمر كأنه ينظر لمختل عقلياً غير مصدق ما يسمعه .ثم أجاب :

أنت بتهزر أكيد؟.أكيد أنت بتهزر .صح ؟

هز فهمى رأسه بالنفى قائلاً بكل جديه :

طبعاً لا.أنا بتكلم جد..وجد جداً كمان .توعدنى ؟

بلع ناجى ريقه قائلاً : طب هتبعت جوابك أذاى أذا كنت أنت لاقدر الله في عداد الأموات؟

أنفجر فهمي في الضحك وهو يقول له ذلك القول الذي نزل على صاحبه كأنه صاعقه مدمره :

هكتبلك من العالم الاخر.هبعتلك رساله من الاخره ها ها ها ها

محادثه
********

فتح ناجى جهاز الحاسب وبدء في تصفح الرسائل الخاصة بصندوق الاميل ..

واجداً بعض الإعلانات السخيفة عن أنه فائز بجائزة كذا وكذا .فضحك وهو يعلم أنها خدعه من الشركات التي تستغل الحالة النفسية والطمع لدى البشر .وفجأة وهو مندمج مع الرسائل إلا وأضاء أمامه مكان المحادثة بينه وبين فهمي فتبسم ناجى كاشفاً عن الكلمات المرسلة من صديقه فقرأ المكتوب وهو

هاى ناجى.بتعمل أيه على النت

ناجى : لا شيء .كنت بتصفح الاميل فقط .أنت في الشغل؟

فهمى : أينعم ..لسه مخلص بعض الصور اللي التقطها عن الحريق اللي عمله الارهابين فى مبنى حقوق الإنسان

ناجى : ياسلام على الهمه والنشاط!. ده لسه الحادثه سامعها من ساعتين أو تلاته بس

فهمى : أمال .أخوك أسرع مصور صحفي في البلد.

ناجى : طب أيه الجديد فى الصور دى؟

فهمى : أنا صورت حبه صور تحفه أكيد هتأخد واحده منهم جايزه التصور الصحفى السنادى

ناجى : ياسلام !!!.للدرجادى؟

فهمى : طبعاً .. دى الصدفه وحدها هى السبب فى الصور دى..أخوك اللى هو أنا صورت الحدثه وهى بتحصل.فاهم يعنى أيه وهى بتحصل ؟

ناجى : أذاى الكلام ده .؟هو أنت كنت عارف بالعمل الارهابى ده قبل ما يحصل ؟

فهمى : لا.طبعاً ..بس أنا كنت رايح أعمل ربورتاج بالصور عن مركز حقوق الانسان ده.
وبالصدفه شفت الارهابين دول وهما بيرموا قزائف الموليتوف مع ضرب النار من رشاشاتهم بداخل المركز

ناجى : ها..وبعدين؟؟

فهمى : ثانيه واحده.باين فيه حاجه بتحصل هنا عندنا ؟

وأنقطع خط المحادثه من أمام ناجى

الذى أنتظر بضع دقائق بلهفه ..حتى رجع وظهر فهمى على خط المحادثه

ناجى : فيه أيه عندكم يافهمى؟

فهمى : باين كده المبنى اللى أحنا فيه أنضرب بالقنابل

ناجى : بتقول أيه ؟! أنت بتهزر والا الموضوع بجد ؟

فهمى : بجد.بجد.ده حتى أنا فيه دم نازل من نافوخى وحاسس أن جسمى كله مولع نار

ناجى : فهمى.فهمى..بلاش شغل العيال ده وأتكلم عدل .متخوفنيش عليك كده

فهمى : معلش أنا هقفل دلوقتى وأستنى منى رساله .ماشى؟

ناجى : طب أستنى رساله ليه ماأحنا هنشوف بعض بالليل ؟!

وفعلاً أنقطع خط الاتصال والمحادثه مع فهمى للمره التانيه.دون أن يجد أجابه لسؤاله

أسرع ناجى بفتح التلفزيون..وقبل أن يجلس فى مواجهته حتى شاهد مبنى الجريدة التي يعمل بها صديقه فهمي والنيران تندلع من كل طوابقه الخمس وبعض حوائطه مهدمه

وهناك سيارات الإسعاف والشرطة وهرج ومرج وأناس محترقة وبعض الأشلاء المبعثرة في نطاق واسع من المكان

نظر ناجى بشده وهو يكاد أن يغمى عليه من هول المشهد ..ولكنه تماسك وخرج مسرعاً لجريده صديقه ورفيق دربه فهمي ..خرج والخوف بل الرعب يقتله على صديقه

**************************************[/color]