[size=11pt]
رسالة الإسلام جاءت متناسبة مع احتياجات النفس الإنسانية فكأنها مطلعة على كل زوايا هذه النفس وأبعادها ـ كيف لا ـ والله سبحانه قد خلقها ووضع لها قوانينها المناسبة لها في القرآن فهي الدواء الطبيعي للأمراض النفسية مهما بلغت من حدتها ومضاعفاتها ولا يمكن أن تتوفر حالة الاطمئنان بالشكل التام إلا بذكر الرحمن سبحانه، وهو القائل: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) وقد قال الإمام علي (عليه السلام) : (إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن)

(21) .

وعلى هذا الضوء نلاحظ أن الأسس التربوية في القرآن الكريم هي الوحيدة التي تكفل سعادة الإنسان والمجتمع لأن القرآن يدرك ما يجري في النفس الإنسانية من حالات مرضية أسبابها ومسبباتها ونتائجها فيبدأ بمعالجة الأسباب الرئيسية لهذه الأمراض فيقلع جذور الفساد من الأساس حيث قال سبحانه:

(يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) . [سورة غافر: الآية 19].

ويعلم أن الإنسان ظلوم جهول حيث حمل أمانة السماء: (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا) . [سورة الأحزاب: الآية 72].

فلذلك حينما يشرع هذا التشريع المقدس يأتي مطابقاً لمصلحة الإنسان ولا يمكن أن نشك في هذه الحقيقة التي بات كثير من الناس لا يعونها بالشكل التام إثر تخلف معين أو لتأثير الإعلام المعادي للإسلام والمسألة لا تحتاج إلى تفكير هائل مع ما وصلت إليه البشرية من التقدم التكنيكي والصناعة المتطورة لتذليل الصعاب إلاَّ أننا نشاهد التذوق الحقيقي للسعادة والراحة القلبية لا تحققها الرسائل المتقدمة وإنما لا بد من معالجات روحية ونفسية لإنقاذ الإنسان من الأزمات الخطيرة التي تحيطه من كل جانب والتي قد تودي بحياته أحياناً.

فالقدم العلمي لا يحقق للإنسان احتياجاته النفسية فهو لا يوفر العقيدة القلبية والربط الروحي مع حقائق الوجود بل يوفر التفسير الظاهري للوجودات في الحياة فالعلم يكشف عن دقة الكون والإبداع الهائل في تصويره وهندسته وقوانينه من المجرات إلى الذرات من الحيوانات إلى الحشرات وفي داخل الإنسان أعظم الأجهزة العاملة تؤدي أعمالها بالشكل المناسب بينما القرآن الكريم بل الإيمان به يوفر حالة الربط الروحي بين الإنسان والمبدع للكون فيملأ هذا الفراغ بالحب والأمل فنعبده ونتقرب إليه ونخاف من عقابه بل نخاف من يوم الحساب ذلك اليوم العسير حيث المحكمة الكبرى تقام على الإنسان وحينذاك تشهد على أعمالنا أيدنا وأرجلنا.

(يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون) . [سورة النور: الآية 24].

فهذه القيم المقدسة لا يعطينا إياها العلم إضافة إلى أن العلم لا يدعي الكمال بل النظريات تتحول إلى عمليات والعمليات في تطور مستمر وفي كل يوم اكتشاف جديد واختراع جديد أما القرآن فهو المنهج التربوي والعقائدي الثابت إنه في قمة الكمال لا يطرأ عليه التغيير أو التبديل:

(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) . [سورة المائدة: الآية:3].

فإذن هنالك حاجة نفسية للقرآن الكريم أو للعقيدة بشكل عام وعلى ما تذهب إليه البحوث السايكولوجية المتطورة من أن هنالك فراغاً في مخ الإنسان لا يملأ إلا بالتربية الروحية والتعلق الوجداني بقوة كبرى تسندنا لأننا ضعفاء ويظهر ضعفنا جلياً حين المرض أو حين يلوح علينا شبح الموت المخيف فلما لم تجد البشرية ذلك الدين القيم تلجأ إلى الخرافات وعبادة الدنيا أو الأصنام كما كان سابقاً أو عبادة البقر كما عند البعض محاولة يائسة لملء الفراغ الذهني بالمعتقدات السخيفة خوفاً من حالة الضياع القاتلة وأظن أننا لا نحتاج إلى أدلة في هذا الحديث وخاصة حينما نرى البلدان العلمية في أوروبا بالذات فإلى جانب التطور التكنولوجي هنالك الضياع المر القاتل الذي يعاني منه المجتمع وبالذات الشباب وفي كل يوم ومضة جديدة تكتسح الشارع الأوروبي حتى غدا البعض لا يفارق المرآة ليل نهار يعمل في تصفيف شعره وترتيب ملابسه وجلده وحذائه وأظفاره بشكل لم يفعله المجنون حتى رأيت في إحدى البلدان الأوروبية إن بعض شباب (اليانك) قد حلق شعر رأسه من كل جانب بالموس عدا المنطقة العليا من الرأس فجعل الشعر منها طويلاً وملوناً كألوان الطيف الشمسي وقد وضع عليه نوعاً من الزيت الخاص له بريق معين حينما تراه كأنك ترى عشاً للعصافير وبالفعل يستطيع أن يخدع بعض العصافير لتقف على رأسه في الحدائق العامة وبفنية متعبة حينذاك يمتلئ هذا المسكين أو هذه المسكينة سعادةً نفسية وفرحاً كبيراً فينتعش ويضحك ويبتسم لروحه المعذبة وحينما يسأل عن هذه الأعمال يجيب لتحقيق نشوة السعادة الروحية لديه !!.

هذا وإضافة إلى ملء هذا الفراغ الروحي نلاحظ ان التربية الإسلامية لا تسمح للعقد النفسية أن تنمو في المناخ الملائم حيث يهيئ الإسلام مناخات مضادة للعقد النفسية فيحلها دون أن ينميها لكيلا تتحول إلى حالة مرضية عسيرة كمرض الحسد والحقد والتكبر والغيبة والخوف وحب السيطرة والانتقام والغرور وبقية الأمراض النفسية.

هذا السر التربوي يسحب الصواعق النارية من بارود النفس ويمسك صمام الأمان لإيجاد حالة التوازن في النفس والمجتمع دون أن تنمو الحالة السلبية في داخل الإنسان وليمتنع بدوره عن الظلم الاجتماعي وفي حالة الكوارث الطبيعية يفسرها التفسير الهادئ المقبول بدلاً من التفسير السلبي المريض الذي يدفع أعراض المرض النفسي بالظهور.

ومن روائع المعجزة الخالدة من الناحية التربوية أننا نلاحظ هذا المنهج الفريد قد أحاط الإنسان من كل جانب فهو يهتم بالإنسان قبل انعقاد نطفته فيقول (صلى الله عليه وآله) : (تخيروا لنطفكم فإن النساء يلدن أشباه إخوانهن وأخواتهن).

وفي حديث آخر: (إياكم وخضراء الدمن) قيل يا رسول الله وما خضراء الدمن قال: (المرأة الحسناء في منبت السوء) (22).

ويعتني بالجنين منذ انعقاده نطفة وإلى أن يخرج من رحم أمه طفلاً ومنذ الوهلة الأولى يضع القرآن الكريم والإسلام بشكل عام أسساً تربوية له وكلما كبر الإنسان تنمو معه هذه الأسس التربوية كي تحيط حياته تماما في بلوغه وشبابه ونضوجه وحتى يهرم ويموت ويدفن تلاحقه التعاليم الدينية وهو على صخرة المغتسل حيث الغسل والصلاة والدفن وبعد الدفن أيضا هنالك مراسيم تقام مباشرةً وهنالك مراسيم وخيرات طويلة الأمد وكما هذا الاهتمام التربوي للفرد يكون للمجتمع كذلك فلذلك يقول القرآن الحكيم:

(يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) . [سورة الأنفال: الآية 24].

فدعوة الرسول هي دعوة إلى الأحياء وإلى عمارة القلوب والحياة ومرة أخرى يحيط القرآن الكريم بالإنسان نفسياً ودنيوياً وفي الآخرة كذلك فيضع له القوانين الشرعية لضمان سعادته فهو من ناحية يخلق في داخل الإنسان رقابة ذاتية على سلوكياته وتصرفاته حيث يؤمن الإنسان في ظل الشريعة الإسلامية إن التبريرات مهما بلغت من قدرتها الكبيرة في الإقناع فإنها لا تقنع بما يحيط بالإنسان إحاطةً تامة ويعرف أسرار الأمور.

(يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) . [سورة غافر: الآية 19].

(وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) . [سورة ق: الآية 18].

فالتبريرات قد تنجح في إقناع الناس أو الحكام ويمكن أن تنطلي عليهم الحقائق ولكن الله سبحانه لا تخفى عليه خافية حتى أن في يوم القيامة يتعجب الإنسان من كتابه الذي يعتبر سجلاً لأعماله فيسلم إليه يقول القرآن لسان حال الإنسان هذا:

(ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) . [سورة الكهف: الآية 49].

من تصرفات وأقوال وأعمال كلها مسجلة في كتابه.

فالتربية القرآنية تخلق في الإنسان (بوليسياً داخلياً كما يقول الأوربيون حينما يقيمون النجاح الإسلامي في التربية. ومن ثم نلحظ أن الإسلام يدفع بالمسلمين لإنشاء الأخوة الإنسانية وعلى أوسع دوائرها ضمن قوانين عادلة تحكم السلوك والعلاقات والإخوة الإسلامية ويدفع الإسلام إلى التغاضي والتجاوز عن كثير من الأمور التي تسبب تعكير الصفو الاجتماعي يقول الإمام علي (عليه السلام) في رسالته لوالي مصر: (لا تكن عليهم سبعاً ضارياً فالناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق).

وجاء في القرآن الحكيم: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم) . [سورة الحجرات: الآية 13].

ومن ناحية أخرى يأتي القرآن الكريم بالأسس الأخلاقية لكي لا يتيه الإنسان في بحر الغرور والعجب بماله وجماله أو منزلته الاجتماعية بل يذكره دائماً بالموت والفناء.

(كل نفس ذائقة الموت) . [سورة آل عمران: الآية: 185].

(أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة) . [سورة النساء: الآية 78].

ويقول النبي (صلى الله عليه وآله) : (أكثروا من ذكر هادم اللذات) فقيل يا رسول الله فما هادم اللذات قال: (الموت، فإن أكيس المؤمنين أكثرهم ذكراً للموت وأشدهم له استعداداً) (23) .

وإن الدنيا عاقبتها الزوال والقرآن يدفع بالإنسان نحو أعمال الخير والصدقات والسلوك المعتدل رهبة ورغبة. . وهكذا في داخل الأسرة والمجتمع والعلاقة بين الأبوين والزوجين والعمل الخارجي مع الناس: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) . [سورة آل عمران: الآية 110].

والإمام الباقر (عليه السلام) يقول: (إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة عظيمة بها تقام الفرائض) (24).

وقانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضمان لاستقامة التربية الاجتماعية وإيجاد جهاز المراقبة الاجتماعية الهادفة لنشر الخير والصلاح وللعلم إن حديث المعجزة التربوية والنفسية حديث شيق وما أوردناه يلائم هذه الرسالة والحق أن في المسألة كلام كثير وتفصيلات أكثر.

وأكتفي بنقل هذه الرواية في تفسير العياشي عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (أتاني جبرائيل فقال يا محمد ستكون في أمتك فتنة قلت: فما المخرج منها؟ فقال: كتاب الله فيه بيان ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم وهو الفصل ليس بالهزل من وليه من جبار فعمل بغيره قصمه الله ومن التمس الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم لا تزيغه الأهوية ولا تلبسه الألسنة ولا يخلق على التردد ولا تنقضي عجائبه ولا يشبع منه العلماء هو الذي لم تلبث الجن إذا سمعته أن قالوا: (إنا سمعنا قرأنا عجباً يهدي إلى الرشد) (25) .

وبالمناسبة أنقل نصاً لبرناردشو (المفكر المعروف) : إذا أراد العالم النجاة من شروره فعليه بهذا الدين (الدين الإسلامي) إنه دين التعاون والسلام والعدالة في ظل شريعة متمدّنة محكمة لم تنس أمراً من أمور الدنيا إلا سمته ووزنته بميزان لا يخطئ أبداً وقد ألفت كتاباً في محمد ولكنه صودر لخروجه عن تقاليد الإنكليز (26).
]