أنا قارئة قديمة ولقد قرأت رسالة الطريق المظلم التي يروي لك فيها قارئ انه يعمل باحدي الدول العربية ويعيش هناك وحيدا‏,‏ لان اسرته تعيش في القاهرة حيث يتعلم الابناء‏,‏ ثم تعرف علي زميلة له بالعمل كانت معرضة للفصل فتدخل لحمايتها‏..‏ وأثمر ذلك نشوء علاقة آثمة بينه وبينها‏..‏ وكيف يتألم لانه بالرغم من تدينه لايستطيع التوقف عن علاقته بهذه السيدة‏,‏ وكيف حاول الانقطاع عنها‏,‏ فلم تدع له الفرصة للتراجع‏.‏

وواصلت ضغطها عليه حتي استسلم لها من جديد‏,‏ وانه يخشي من تأثير هذه العلاقة علي استقراره العائلي وزوجته التي لايشكو منها شيئا‏,‏ ولم يتخيل ذات يوم ان يتورط في خيانتها وانه فكر طويلا في كيفية التخلص من هذه العلاقة‏,‏ حتي انه فكر جديا في الاستقالة من عمله الذي يمارسه منذ عشرين عاما والعودة لمصر‏,‏ لكنه يخشي ان فعل ذلك ان تترك تلك السيدة عملها وترجع وراءه وتلاحقه في بلده ايضا‏.‏

ولقد صعقت حين قرأت هذه الرسالة لانني بطبيعة الانثي ذات الفراسة ادركت انها من زوجي الذي يعمل باحدي الدول العربية‏,‏ وذلك بالرغم من التغيير الكبير في معالم القصة‏,‏ وفي بعض الرموز المهمة مثل السن وفترة الزواج وعدد الاولاد‏,‏ وطبيعة العمل الذي يمارسه زوجي‏,‏ فلقد عاملت زوجي دائما بما يرضي ربي وضميري بالرغم مما قيل لي عنه كثيرا من ضعفه امام الفتيات‏..‏ لكني كنت اثق في نفسي وبما وهبني الله من جمال الخلقة والخلق وأستبعد ان تجتذبه امرأة غيري‏..‏ وكلما راودني الشك فيه تشاغلت عن شكوكي بالعمل والبيت والابناء والمذاكرة‏

وحين يرجع الي البيت أتفرغ له تماما وأبدو امامه في اتم زينة حتي انه كثيرا ما كان يقول لي انه يستكثرني علي نفسه‏..‏ فاجيبه بأنه يستحقني ويستحق من هي افضل مني‏,‏ واستمر الحال علي هذا النحو الي ان تعاقد علي العمل باحدي الدول العربية وتنفست الصعداء لانه سوف يبتعد عن الاغراءات وحين كان في اجازته الاخيرة لاحظت بذكاء الانثي انه مشغول الخاطر وشارد الفكر‏,‏ وبأن شيئا ما في داخله يؤنبه ويشعره بالذنب وأفضيت اليه بهواجسي فقال لي انه يشعر بالقلق علي ابنائنا لبعده عنهم‏.‏

وانتهت الاجازة ورجع زوجي الي مقر عمله‏..‏ وانشغلت عن شكوكي بالحياة الي ان تفجر البركان في داخلي عند قراءة رسالة الطريق المظلم وشعرت بقلبي انها من زوجي‏,‏ وانني اكاد اجن‏,‏ فكيف اتعامل معه‏..‏ وبماذا تنصحني ان افعل؟ إنني أريده ان يعود للحياة معنا في مصر‏..‏ فهل اطلب منه ذلك وماذا أفعل ان لم يستجب لرغبتي هذه‏..‏ هل اطلب الطلاق منه لاستريح من هذا العذاب؟


ولكاتبة هذه الرسالة اقول‏:‏
ذكرتني رسالتك هذه بشطرة من بيت شعر للشاعر الفارسي القديم صائب تبريزي يقول فيها‏:‏ نحن امواج ان تسترح تمت‏!‏ وهذا صحيح الي حد كبير اذ اننا فيما يبدو لابد ان يكون لدينا دائما ما يجعل الراحة واطمئنان القلب املا نتطلع اليه دون ان نحققه‏..‏ فان عجز الواقع عن تقديم المنغصات التي تحرمنا من راحة القلب تكفلت هواجس الانسان وشكوكه بخلقها من العدم خلقا‏!‏


وهذا ما دار في خاطري‏,‏ وانا اقرأ رسالتك ياسيدتي‏..‏ فلقد خانتك فراسة الأنثي هذه المرة وضللتك ضلالا بعيدا وحرمتك من راحة القلب‏..‏ ولم تقدم لك دليلا عقليا واحدا علي صحة ظنونك في زوجك وأستطيع ان اؤكد لك عن ثقة‏.‏

ان كاتب رسالة الطريق المظلم ليس زوجك‏,‏ ولايمكن ان يكون هو فلقد رجعت الي اصل رسالته وقارنت مابها من بيانات عنه وعن شخصيته وحياته العائلية فلم اجد وجها للتشابه او التقارب مع الملامح العائلية لك ولاسرتك‏,‏ كما اوردتها انت في رسالتك‏,‏ وحذفتها من النشر لكيلا اعرضك للمتاعب العائلية مع زوجك بلا ضرورة‏.‏

وهذا يؤكد لنا من جديد ان عقل الانسان قد يفضل في بعض الاحيان ان يصدق ما يرغب المرء بهواجسه وشكوكه في تصديقه‏,‏ وليس ما ينبغي له ان يصدقه اعتمادا علي الدليل المنطقي والواقع العملي‏.‏

لكن لاعجب في ذلك اذا استسلم الانسان لشكوكه في الآخرين وغلب مذهب الشك الديكارتي علي تعامله مع الغير‏..‏ ونصيحتي لك هي ان تقتنعي أولا بان كاتب رسالة الطريق المظلم ليس زوجك وان تتعاملي معه ومع حياتك علي هذا الاساس‏..‏

فاذا كانت الهواجس بشان اخلاص زوجك لك تلاحقك وتفسد عليك حياتك فان سلامك النفسي والعائلي يتطلب الا تحكمي علي اخلاص زوجك لك بمجرد الحدس‏..‏ او الفراسة‏..‏ او الشعور بالقلب كما تقولين دون اي قرائن عقلية اخري‏..‏ او براهين مؤكدة‏..‏ ومادامت الامور قد وصلت بك الي هذا الحد من الشك في خيانة زوجك لك فان من الافضل لكل منكما ألا يعيش بعيدا عن الآخر‏..‏ وان يجتمع شملكما معا سواء في مقر عمله اذا كانت ظروفك الاسرية والعملية تسمح لك بذلك‏,‏ أو يرجع هو للاستقرار مع اسرته اذا لم يكن لاغترابه من ضرورة تدفعه الي ذلك‏.‏

اما كيف تتعاملين معه خلال ذلك‏,‏ فكما يتعامل القانون مع الاشخاص حين يعتبرهم ابرياء الي ان تثبت ادانتهم‏,‏ او كما تتعامل الزوجة الحكيمة مع زوجها بالثقة المبصرة في النفس وفي شريك الحياة‏..‏

وهي الثقة التي لايحيل معها الشك الجنوني في شريك الحياة حياته وحياتها معه الي حجيم‏..‏ ولاتستنيم فيها الزوجة في نفس الوقت الي الثقة العمياء في نفسها فتسري النار تحت الرماد‏,‏ وهي غائبة عن ادراك ما يجري حولها الي ان تصطدم بجبل من الجليد يبرز فجأة من تحت سطح الماء ويغرق سفينتها‏.‏