من المثير أن مخترع الإنترنت لا يزال حتى الآن مجهولا بالنسبة للكثيرين من مستخدميها، بل وحتى المتخصصين في تقنياتها، حيث عانى لفترات طويلة من التجاهل الإعلامي رغم حاجة مجتمع الإنترنت لمقترحاته وتحليلاته ومرئياته المستقبلية من ناحية، ورغم حجم الإنجاز الذي حققه من ناحية أخرى. وذلك حتى صعد اسمه على سطح الأحداث بإعلان شركة جوجل عملاق صناعة البحث على الإنترنت انضمام "فينت كيرف" إلى فريقها ليكون مسؤولا عن إعادة هيكلة استراتيجيات الشركة العملاقة وتقنياتها، والتي تسعى جاهدة لتعظيم قائمة المفكرين والعباقرة والمبدعين المنضمين إلى قافلتها بشتى السبل.

وقد أشرف كيرف على عملية ابتكار شبكة "أربانت Arpanet " التي تعتبر أولى الشبكات المتقدمة خروجا إلى النور، وعرف بأبي الإنترنت بعد أن دفعه نجاح شبكة "أربانت" للعمل على تأسيس القاعدة الأساسية لبروتوكولات الإنترنت المسؤولة عن نقل البيانات والمعلومات عبر الشبكة مع زميله "بوب كان" وقد كتب وساهم في كتابة العديد من الوثائق التفصيلية التقنية الخاصة بكيفية عمل الإنترنت والمعروفة بـ" RFCs".

وقد عمل أبو الإنترنت كمسؤول عن الاستراتيجيات التقنية وتقنيات الشبكات المتقدمة في شركة MCI وهي إحدى شركات الاتصالات الشهيرة.

ويعتبر انتقال رمز بهذه الأهمية مؤشرا على انتقال مراكز القوة من شركات الاتصالات العملاقة مثل MCI إلى الشركات التي تضطلع جديا بإعداد بنية أساسية جديدة مثل جوجل، خاصة أن كيرف لم يكن هو العالم الوحيد الذي فعلها.

ولكن ما هي حاجة جوجل وهي الشركة المعروفة باستقطاب الشباب والتي نشأت على أيدي طلاب أكاديميين صغار السن في الاستعانة بالعجوز البالغ من العمر 62 عاما، ولماذا فكرت في هذا الآن فقط؟

الغريب أن هذا السؤال طرحه كيرف نفسه حيث أشار إلى أن مسماه الوظيفي الجديد يحتمل نوعا من الغرابة فمن المفترض أن يكون رئيس الدعوة إلى الإنترنت.

ولكني أعتقد أن شركة في حجم "جوجل" وبأسلوبها الإداري المعروف، لن تلجأ إلى هذه الخطوة لمجرد إضافة اسم لامع إلى أعضاء فريقها، فهذا لم يكن في يوم من الأيام نهجها، ولو أيقن القائمون عليها بذلك المنطق في الإدارة لم تكن لتنجح أصلا.

أما السؤال الذي أتوقع أن يكون غريبا بالنسبة لنا فهو يتعلق بالسبب الذي يدفع كيرف لأن يترك موقعه كرئيس للمؤسسة الدولية المسؤولة عن تخصيص أسماء وعناوين مواقع شبكة الإنترنت ليلتحق بفريق جوجل؟

الحقيقة أن أبا الإنترنت قدم إلى جوجل لأداء مهمة محددة تتعلق برسم مستقبل الإنترنت، وتحديد اتجاهاتها بالضبط، ومواطن الخلل والضعف فيها، وكيفية الإبقاء عليها كظاهرة صحية في عمومها ومكافحة مظاهرها السلبية التي قد تفتك بها في يوم من الأيام، أي أنه اختار الموقع الذي يؤهله لأن يكون بالفعل أبا للإنترنت وأنه فهم هذه الأبوة باعتبارها رعاية واهتماما وحماية، وأنه فضل ذلك العمل على أن يكون مجرد مسؤول إداري يقوم بعمل روتيني مهما كانت حجم صلاحياته ومهما كان مسماه الوظيفي براقا بالنسبة للآخرين.

أما المعلومات التي تسربت حول تلك المهمة التي تحرص جوجل على أن تكون سرية تماما كراتب كيرف التي رفض مسؤولو الشركة الإفصاح عن قيمته، تشير إلى أن هناك بنية أساسية جديدة بالكامل تبنيها "جوجل" والتي باستكمالها تكون قد هيأت الفرصة لانطلاق شكل جديد من أشكال الاتصال العابر للقارات وربما أيضا العابر للمجرات.