بمجرد الوقوف أمام هذا الساتر الرملي الضخم،
ستشعر أنك صغير جدا..لأنك لم تشق هذه الصخور
بجسدك كما فعل آلاف من المصريين، ولم تحفر
هذه الأنفاق بأصابع يدك المتعبة،ولأنك لا تستطيع أن
تقف تحت حرارة الشمس الصفراء

حتي يتغير لون جسدك ولون إحساسك ولون أحلامك كما حدث مع حراجي القط بطل ملحمة الأبنودي الشعرية، ومن داخل أنفاق السد العالي لا يسمع سوي صوت حراجي القط العامل بالسد العالي الذي حفر هذه الأنفاق بيديه ليخرج من ظلمتها النور الذي نعيش فيه.
كان سؤالا حزينا.. ماذا سيكتب الأبنودي اذا أعاد ملحمته الشعرية المهمة " جوابات حراجي القط" العامل بالسد العالي بعدما شهد هذا الصرح العظيم العديد من حوادث السرقة والإهمال الجسيم كما أشرنا منذ عام، والآن ها نحن نفتح صفحة جديدة من صفحات التخريب العمدي في أهم مشروع عرفته مصر.

البداية مع عمال السد الذين يعملون في "مصنع حقن السد العالي" وهو المصنع الذي أُنشئ خصيصا مع افتتاح السد العالي عام 1970، لمهمة واحدة وأساسية وهي إعادة إصلاح وترميم أي شروخ تحدث في جسم السد العالي أو أي شروخ تصاب بها الأنفاق الرئيسية أو الفرعية نتيجة عوامل طبيعية مثل الزلازل أو هزات التوربينات المولدة للكهرباء، وهذا يعني أن مصنع الحقن، يعد من أهم الكيانات المصاحبة للسد العالي، لأنه الكيان الوحيد القادر علي إصلاح جسم السد العالي في حالة حدوث أي أزمة أو كارثة.

المفاجأة الصادمة، أن هذا المصنع رغم أهميته المشار إليها، متوقف عن العمل نهائيا منذ ثلاث سنوات، وقبل ذلك كان يعمل بأقل من نصف كفاءته، رغم أنه تم تحديثه بشكل كامل في عام 1996 أي بعد 26 سنة من انشائه مع افتتاح مشروع السد العالي.

وعلي الرغم من أن المصنع القديم كان يعمل بكفاءة معقولة، إلا أن قيادات السد العالي كان لديهم رغبة في تحديث عمليات الحقن التي كانت تتم بطريقة بدائية جدا، وتطويرها مع استخدام أجهزة الحاسب الآلي في عملية الحقن، وبالفعل تم الإعلان عن مناقصة لتنفيذ هذا المشروع الضخم والهام.

طبقا للمستندات الرسمية التي حصلنا عليها والتي تعود إلي عام 1996 والخاصة بعملية إنشاء واستلام مصنع الحقن الجديد، فإن الجهات الحكومية المسئولة عن إنشاء هذا المصنع فهي الهيئة العامة للسد العالي متمثلة في إدارة التنفيذ والصيانة، ومعهد بحوث الميكانيكا والكهرباء التابع للمركز القومي لبحوث المياه بوزارة الموارد المائية، وهذه الجهات تعاقدت مع مقاول أطلق عليه في الأوراق الرسمية اسم "مكتب مشروعات الطاقة" دون أي تفاصيل أخري عن المقاول أو الشركة التي يعمل باسمها.

تم التعاقد علي إنشاء مشروع خطي إنتاج سيليكات والومينات الصوديوم السائلة وهي المادة التي تستخدم في لحام الشروخ والتصدعات الموجودة بجسم السد أو الأنفاق، فمن المعروف أن السد العالي يضم ستة أنفاق رئيسية، حيث تقوم بتوصيل القناة الأمامية بالقناة الخلفية، وهذه الأنفاق مبطنة بالخرسانة المسلحة، ويتم التحكم في هذه الأنفاق عن طريق بوابات يتم تشغيلها بواسطة رافع كهربائي. وتبرز أهمية هذه الأنفاق في أن كل نفق يتفرع إلي فرعين مركب علي كل منهما توربينة لتوليد الكهرباء ويبلغ عدد التوربينات 12 توربينة قدرة الواحدة منها 175 كيلو وات وقدرة المحطة الإجمالية 2.1 مليون كيلو وات والطاقة الكهربائية المنتجة قدرها 10 مليارات كيلو وات في الساعة سنويا.

الخطير هنا أن هذه الأنفاق مبطنة جيدا، لأن هذا الجزء من جسم السد هو المهدد بالشروخ والتصدعات نتيجة الهزات الأرضية أو هزات التوربينات المولدة للكهرباء، وأن احتمالية هذا التصدع واردة في كل لحظة، واذا حدث ذلك، فهذا يعني تسرب المياه إلي داخل جسم السد، وهذا أكبر خطر يهدد جسم السد العالي، ففي حالة وقوع تسرب، سيفقد السد قوته في حجز المياه الموجودة في حوض النيل، لأنه سيتحول إلي كتلة من الطين مشبعة بالمياه، فتخرج المياه عن السيطرة وتندفع كالفيضان.. هذا هو اخطر كابوس يمكن أن يواجه البلاد، كما أكد فنيو مصنع الحقن.

ومن المعروف علميا، أن أي سد في العالم، يتخلله نسبة تسرب، وهذه النسبة محددة وهي 3% فقط، واذا زادت هذه النسبة، فإنها تعرض جسم السد للخطر المحقق.

وبالنسبة للسد العالي، فإن عملية إنشائه استرعت أن يكون هناك ثلاثة أنفاق طولية تمتد بطول جسم السد تسمي أنفاق التفتيش، ومهمة هذه الأنفاق هي أنها تستخدم لحقن أي شروخ - باستخدام سيلكيات وألومينات الصوديوم المتخصصة في سد هذه الشروخ في حالات الزلازل الشديدة أو الإصابات العنيفة لجسم السد .

الوضع الحالي لمصنع الحقن الذي ينتج المواد سالفة الذكر، غير مبشر بالمرة، فالمعلومات التي بين أيدينا والتي كان مصدرها الأساسي عمال وفنيين في هيئة السد العالي وكذلك في مصنع الحقن تؤكد علي عدة حقائق، وهي أن هذا المصنع صار " خرابة " ومجموعة من المعدات الصدئة التي لا فائدة منها، فالأواني التي تتم فيها عملية صهر سيلكيات والومينات الصوديوم لا تتحمل درجة إصهار هذه المواد ولم تعد قادرة علي العمل، رغم أن الأواني القديمة كانت أفضل من الحالية وتتحمل درجة الحرارة حتي 300 درجة مئوية، إلا أنها بيعت كخردة عند عملية تطوير المصنع، وحتي المواسير التي تنقل فيها المواد المنصهرة من موقع المصنع وحتي مناطق الأنفاق المراد حقنها، تبين أنها مسدودة ولا يتم تنظيفها بشكل دوري، والأهم من ذلك هروب العمالة الفنية المدربة بسبب رفض الحكومة تدريب وتعيين العمالة الفنية الدائمة والإصرار علي العمالة المؤقتة والتي أدت إلي هروب العمال من العمل علي معدات الطوارئ ومصنع الحقن علي وجه الخصوص.

أما العمالة الكبيرة والماهرة، فإن أغلبها قد خرج علي المعاش، والبقية الباقية ستحال علي المعاش مع قدوم العام 2010.

وأكدت قيادات عمالية بالسد العالي، أن وزارة الري والموارد المائية والهيئة العامة للسد العالي لم تقم بأي مناورات اختبارية وتجريبية لمعدات مصنع حقن جسم السد وتقويته، وعدم تجربته منذ إنشائه، وحتي الآن، لأنه ببساطة لا يعمل من الأساس.

المستندات الرسمية التي حصلنا عليها تؤكد أن عملية تطوير مصنع الحقن في عام 1996، تخالف الواقع الحالي الذي يمر به المصنع الآن، ففي أثناء عملية التطوير، ترددت معلومات قوية بين الفنيين، أن المهندسين الذين استلموا كل ماكينات المصنع، حصلوا علي شقق في محافظة الجيزة نظير تمريرهم عملية استلام المصنع رغم ما فيه من عيوب فنية.

المستند الاول عبارة عن خطاب رسمي يؤكد الكشف عن عيوب الصناعة للمعدات والأجهزة الكهربائية المركبة بالمشروع والتي تم استلامها بشكل مبدئي بتاريخ 7-11- 1996 ووقع ما يزيد علي 34 مهندسا وكميائيا وعاملا وفنيا علي استلام الأجهزة ومكونات المشروع وهي تعمل بكفاءة عالية، علي الرغم من وجود عدد من الأجهزة لا يعمل مثل عداد قياس المياه المركب علي أحد خطوط التغذية، واقر الخطاب أنه يجب أن يقوم المقاول بإصلاح أو تغيير هذا الجهاز خلال شهر من تاريخه.

المستند الثاني عبارة عن محضر رسمي لتدريب 27 مهندسا وفنيا علي استخدام الأجهزة الحديثة التي تعمل في مصنع الحقن، بحيث تقوم الشركة التي ركبت هذه الأجهزة بتدريب طاقم العاملين في السد العالي في موقع العمل نفسه.

وذكر المحضر الرسمي تفصيلة مهمة، عن ضرورة تدريب العاملين علي تحميل برامج التحكم علي الجهاز الرئيسي للمصنع، فبدون هذه البرامج لن تعمل الأجهزة، وشدد المحضر علي ضرورة أن ترسل الشركة المتعاقد معها أصول برامج تشغيل خطي السيلكيات والومينات الصوديوم، وهذا يعني أن الشركة المتعاقد معها لم تكن أرسلت هذه البرامج حتي موعد استلام الأجهزة، فكيف تم التدريب عليها اذن؟

وهذه النقطة بالتحديد استوقفت المهندسين في السد العالي واكد عدم استلام هذه الديسكات فيما بعد، وهذا هو السبب الرئيسي في توقف المعدات الخاصة بمصنع الحقن. معللا أن النسخة الاحتياطية لهذه البرامج غير متوفرة أيضا.

المستند الثالث عبارة عن محضر لجنة الاستلام النهائي لجميع معدات المصنع مع إخلاء طرف المقاول، وضمت هذه اللجنة مدير عام التنفيذ والصيانة بالسد العالي وكيمائياً وأربعة مهندسين ومجموعة من المحاسبين، بالإضافة الي ثلاثة مهندسين من معهد بحوث الميكانيكا والكهرباء بالمركز القومي لبحوث المياه بوزارة الري والموارد المائية، وأخيرا أربعة من مهندسي شركة المقاولات التي نفذت المشروع، ويلاحظ تغيب المحامي الخاص بالسد العالي، وتبين انه تغيب عن قصد حتي لا يتحمل مسئولية عملية الاستلام.

وأكدت كل هذه اللجان حقيقة واحدة وهي استلام جميع الأجهزة بعد إجراء كافة التجارب عليها وفقا للعقد المبرم وأن هناك بعض الملاحظات البسيطة التي لا تعوق استلام المصنع، ومنها عدم استلام أقراص البرامج الخاصة بالأجهزة، ولذا لن تحصل الشركة علي خطاب الاستلام النهائي الإ بعد توريد الأقراص المذكورة.

السؤال الآن، اذا كانت ادارة هيئة السد العالي دائما ما تعلن عن خطوط الدفاع الرئيسية لمنع أي تسرب للمياه والتي يأتي في مقدمتها النواة المكونة من طينة أسوان المصمتة.. والثاني من خلال الستارة المانعة للمياه وهي مانع طبيعي يتكون من السيليكون، وأن هذه الستارة لابد أن تحقن كل فترة محددة، فكيف يتم حقن هذه الستارة مع تعطل المصنع الذي ينتج هذه المادة، بالإضافة الي تعطل المواسير التي توصل بها هذه المادة.

علمت الفجر من مصادر فنية أن الأسبوع الماضي تم اكتشاف شروخ وتصدعات دخل أحد الأنفاق الرئيسية الستة في جسم السد العالي من ناحية الشرق، مع وجود هبوط في منطقة من مناطق جسم السد العالي منذ فترة، وأن إدارة الصيانة اضطرت الي سد بعضها بخلطة من الطمي الأسواني وبعض المواد الكيمائية الأخري،الأمر ببساطة أن هذه المعلومات اذا وضعت في سياق المعلومات السابقة، فإنها ستؤدي الي كارثة كبري لا محالة.


الفجر