هلالُهُ في السَّماءِ و نورُه في القلبِ



رجاء محمد الجاهوش


ذكرى
أنلتقي هذا العام ..؟
أتَجمعنا تلك البُقعةِ المُباركةِ ـ بصمتٍ ـ كما جَمعتنا وَحْدَنا سِنينَ عديدة ؟
طالما سألتُ نفسي : ما الذي غيَّبَ نساء الحيِّ عن مُصلانا ، أزَهِدْنَ فيه لصغرِ حَجمهِ أم ماذا ؟

أتذكرين يا ... ؟!

لحظة كنتُ أسابقُ النَّسماتِ كَي أصلُ أوَّلا ، لكنني ـ رغم قرب المكان ـ كنتُ دومًا المُتأخرة !

كم حَثثتُ الخُطا وقلبي يَلهجُ :

" اللهم إني أقبلتُ عليكَ فاقبَلني وتقَبَّل مني ؛ اللهم صلِّ على محمَّد ، اللهم افتح لي أبوابَ رحمتك " ..

ها قد وصلتُ ، أُلقي التحيَّة وألِج ، فيستَقبلني مُحيَّاك بابتسامةٍ عذبةٍ ونظرةٍ خَجلى ، فأبادِلك الابتسامة بابتسامةٍ ، وقبل أن نَهِمَّ بالحديث يعاجلنا الإمام بإقامة الصلاة فنَصطف لأدائها ...

نقفُ بخشوعٍ مُستشعرين جَلال الموقفِ ، وعَظمةِ المَعبودِ ـ جلَّ جلاله ـ فتَسري السَّكينة في جوارحنا ، وتهدأ القلوب وتستقر ..!


نتحرَّر من أثقال كثيرةٍ أعيَت أرواحنا على عتباتِ السُّجود ، وعندما نَرفع أكفَّنا بالدُّعاء تفِرُّ من محاجرِنا دموعًا حُبِسَت بقسوةٍ لتفضحَ ضعفنا ، وتغسلنا من أدرانِنا ..

ثمان ركعات وحدّت بين قلبَيْنا برباطٍ خَفِي ، في حين عجزت أحاديث كثيرة وزيارات متكررة أن تفعل ذات الفعل !

لا غرابة ؛ فإن الاجتماع على طاعةٍ يُنبِتُ زهرة الحبِّ في القلوبِ .

لم نتحدّث إلا مرَّة واحدة ...

التفت إليّ ـ ذات مساء ـ بعد أن سلَّمنا من الصَّلاة وقلتِ : - هل أعلِّمك سُنَّة من سُنَنِ النَّبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الصَّلاة ؟

- ليتك تفعلين .

- قَالَ رَسُولُ اللّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
"إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنْ أَرْبَعٍ . يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْر ِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ "

تظاهرتُ بالجهلِ ليلتها وشكرتكِ بامتنان ، حتى لا أفسد عليكِ حلاوة ذلك الشعور الذي يَسكننا عندما نقوم بواجب الدَّعوة إلى الله ، وما أرفع مقام الدَّعوة والدَّعاة إن هم صدقوا وأخلصوا ..

نفحة ربانيّة

هلّ هلال رمضان ـ يا مَن لا أعرف اسمها ـ ، وجاءنا يَزفُّ البَشائرَ ، فهل ما زلتِ على العَهد أم شغلتكِ عن مُصلانا الشواغل ؟

أتانا يَحمل بين لياليه صحائفَ بيضاءَ ناصِعَة ، معه منها الكثير ، بعددِ أهل الأرض جَميعهم ، هي لنا ، فمن أرادَ أن يَستبدِل صحيفته التي تلوَّثت بالسَّواد فما عليه إلا أن يتعرّض لنفحاته ...

يُقبل على الله بحب وخضوع ، ويُري الله من نفسه خيرًا ، فالأجواء قد هُيِّئت له ، فها هي مردة الجنِّ والشياطين قد صُفِّدَت ، وأبواب جهنّم أغلقت ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ ، كلّ ذلك من أجلنا ...

فما أكرمك عند ربّك يا أيُّها الإنسان !

نفحة ربانيَّة تَمتدُ شهرًا كاملا ، وتَفِدُ إلينا مرّة كلّ عام ، ما أعظمَ عطاء الرّب ، وما أرحمَه بعبادِهِ !
فمَن ذا الذي يفتحُ لك بابَه شهرًا كاملا ؟! ويقول لك : أقبِل إليَّ لا تتردّد ، اسأل تُعطَ فهذا موسم الهِبات ؟!

مَدخل شيطانيّ

يُطأطئ بعضنا رأسَهُ خجلا ، ويبتلعُ غصَّته وهو يَعترف : أذنبتُ كثيرًا .. عصيتُ الله كثيرًا ، فهل لي من توبةٍ ؟!
كيف لا ؟!
والله ـ عزَّ وجلَّ ـ يقول في كتابه الكريم :

"إِلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً " .. (الفرقان:70)

وهو القائل أيضا :

"قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ " .. (الزمر:53)

وها هو ـ سبحانه ـ يخبرنا على لسان نبيّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحديث القدسي :

"يا ابنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى ما كانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِي ؛ يا ابنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَت ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِي ؛ يا ابنَ آدَمَ إنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بي شَيْئاً لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً"

يا عبد الله ..

املأ قلبك بالتوحيد ، جدّد إيمانك بـ "لا إله إلا الله" ، ردّدها كأعذب نشيد ، اجتهد في فعل الخيرات لِتعوِّضَ ما فاتك ، فربّ ذَنب ساقَ صاحبَه إلى الجنَّة !

شامَة

شَهرٌ ترتدي فيه الأمَّة الإسلاميَّة أبهى الحُلل ، فتطلَّ على الدُّنيا كشامَةً بين الأُمَم .
بذل وجود : يُعطي الغنيّ فيتخلّص من شحِّ نفسه ، ويأخذ الفقير شاكرًا نعمة ربّه .
برٍّ ، وصلة رحم ، ووصل صديق : انتعاشُ مشاعرٍ ، وتوَقُدّ عاطفةٍ ، فمجتمع مترابط بوثاق متين .
جهاد ، وتضحية ، وتوحيد صفوف ، تهذيب نفس ، وتربية روح ، وتنقية قلوب .
الكلّ يسعى دول كَـلَل ، رهبًا ورغبًا ، فالجنّة غالية ، والفرصة محدودة
..!

تسبيح

يَهبُّ النَّسيم العليل تسبيحًا ، وتتمايل الأغصان تَسبيحًا ، وتغرّد الطيور تسبيحًا ، ويعلو موج البحر تسبيحًا ، وتتلألأ النجمات في سماء ربي تسبيحًا ، وينبعث ينبوع الضَّوء من الشَّمس تسبيحًا ...



قال تعالى : " تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً " .. (الإسراء:44)

يا قلب ..

أما آن الأوان أن يَنتظمَ نبضكَ تسبيحًا ؟!

ليلة .. وأيّة ليلة ؟!

شهرٌ فيه ليلة خير من ألف شهر ، من قامَها إِيماناً واحْتِساباً ، غُفِرَ لهُ ما تَقدَّمَ مِنْ ذَنْبِه ، ليلة نزل فيها القرآن العظيم جملةً إِلى السماء الدنيا ، ثم نزل على سيدنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ شيئاً بعد شيء ، ليلة تَعدِل عمرك كلّه بكلِّ ما فيه ، إنَّها ليلة القدرِ .
يَغْفِرُ اللَّهُ فـي لَيْلَةِ القَدْرِ لكُلِّ مُسْلِمٍ إِلاَّ لِلْـمُتَشاحِنَـيْنِ ، فيُقال : "اترْكُوهُما حتى يَصْطَلِحا !"

ماذا ننتظر ؟

ألسنا نحن الفقراء إلى عطايا الرحمن في مثل هذه اللَّيلة ، فمالنا نَجلخِم ونستكبر ونصرّ على العداوةِ والبَغضاء ؟!

شوق

وَصلَ الوافدُ الحَبيبُ يَسبِقه نوره ، وما زالت خُطايَ تُسابقُ نسماتِه نحوَ المَسجدِ ، يَحدوني الشَّوق ، وتُحلِّق بيَ الآمال .
فيا مَن لا أعرف اسمها ...
هل تُرانا نلتقي هذا العام أيضا ؟
هل سأسبقكِ ؟ أم سأصلُ متاخرةً كالعادةِ ..!