اكتب اليك بعد قراءتي رسالة سوء الاختيار المنشورة ببريدكم يوم‏2009/7/24.‏ ومعذرة إذا طالت رسالتي‏,‏ فأنا ياسيدي آنسة في الرابعة والأربعين من عمري وعلي قدر من الجمال أحمد الله عليه‏,‏ ولا تظن اني ارسل لك لمساعدتي في العثور علي زوج فاضل‏,‏ فأنا والحمد لله راضية بما قسمه الله لي وعذرا لهذه المقدمة

فنحن ثلاثة أبناء أنا أكبرهم لي أخ يصغرني بعامين وأخت تصغرني بعشرة أعوام‏,‏ كنا نعيش في مدينة ساحلية بين أب وأم لم يحدث بينهما تفاهم أبدا‏,‏ كانا كثيري الشجار وحدث بينهما انفصال ثلاث مرات علي مدي عشرين عاما‏,‏ فأمي سيدة مسالمة وحسنة النية طوال حياتها حتي الآن‏,‏ وقد ربت فينا هذه الصفة‏,‏ وبالرغم من انها علي قدر محدود من التعليم إلا أنها كانت مثقفة

قرأت الكثير من الكتب ولديها الكثير من الفطنة والذكاء‏,‏ وأبي كان رجلا متعنتا يفرض رأيه وينفذه حتي ولو كان خطأ‏,‏ وكان فظا يعاملنا بقسوة وكان يثور لأتفه الأسباب‏,‏ وكنا نخافه خوفا مميتا ولم نر منه طوال فترة حياتنا معه إلا القسوة والاستهزاء بنا أنا وأخي‏,‏ وأختي الصغري لم تشعر بهذه المعاملة لصغر سنها‏,‏ وعندما أنهيت دراستي بالثانوية العامة والتحقت بمعهد في القاهرة حدث الانفصال الأخير بين والدي ووالدتي مع تنازل والدتي عن جميع حقوقها المادية في سبيل ان نقيم أنا واخوتي معها في القاهرة ـ مدينتها قبل ان تتزوج أبي ـ وأن نزوره من وقت لآخر وان يقوم هو بتوفير مسكن لنا والإنفاق علينا نحن أولاده ونقلت امي اختي في مدرسة ابتدائية بالقاهرة ولكنه لم يوفر لنا مسكنا واقمنا لدي جدي وجدتي لأمي‏

وبعد انتهاء العام الدراسي طلب والدي ان نقيم معه أنا وأخي ورفضنا لما نراه منه من قسوة ومعاملة فظة وايضا لاتفاقه مع والدتي بان نقيم معها‏

وكان رد فعله ـ سامحه الله ـ ان امتنع عن الإنفاق علينا أو حتي أختي الصغري‏,‏ وعمل أخي في السابعة عشرة من عمره‏,‏ وتحمل الإنفاق علينا ولم يكمل تعليمه الجامعي من أجل ألانحتاج لأحد حتي أبي‏,‏ وسارت بنا الحياة‏,‏ تارة ترضي عنا وتارات تعاندنا حتي سافر أخي لبلد خليجي بعد سنوات كثيرة وطويلة يعلم الله كيف مرت علينا‏,‏ وعمل هناك وبدأت الحياة تبتسم لنا وعملت وأكملت تعليمي الجامعي أثناء عملي وانهت أختي دراستها ايضا وتزوجت وانجبت طفلين‏,‏ وانقطع ابي عنا منذ زيارتنا الأخيرة له من أربعة وعشرين عاما لاقينا فيها ما لاقينا من ظلم من الأقارب والغرباء‏

وكان تعقيبنا علي ما نلاقيه من ظلم إذا كان والدنا ظلمنا فلا نعتب علي الاخرين اذا ظلمونا‏,‏ وبالرغم من ذلك لم نرفع عليه قضية للإنفاق علينا أو حتي نلجأ لأحد من عائلته بالرغم من انه قادر ماديا وعنده الكثير‏,‏ لكن لم يعطنا قرشا واحدا في يوم من الأيام‏,‏ ولم يسأل عنا من منا مريض أو من منا لديه مشكلة‏,‏ وباع هو شقتنا واشتري شقة أخري في حي اخر وتزوج وانجب بنتا وولدا وعلمنا انه سيكتب كل ما لديه من أموال لابنته وولده هذا‏,‏ ويشاء المولي عز وجل ان يتوفي هذا الولد في سن الخامسة من عمره في حادث سيارة أليم واصبح لديه اربع بنات من زوجته الثانية رباهن وعلمهن حتي تخرجت اثنتان في الجامعة والاخيرتان مازالتا في التعليم الثانوي

ومنذ عام ذهبت اختي الصغري لتزوره في بيته لتصل الرحم وتعرف أولادها علي جدهم‏,‏ وللأسف قابلها مقابلة فاترة هو وبناته وزوجته‏,‏ وأخذ يسرد لها في تعال كيف سارت به الحياة وأنه لديه الكثير من المال وأخذ يتفاخر ببيته وبالأرصدة التي وضعها لبناته في البنك باسمهن وأخبرها انه مرض منذ عدة سنوات بتلف في الشريان التاجي شفاه الله واحتاج لجراحة دقيقة بالقلب واتي الي القاهرة واجري الجراحة له جراح كبير في مستشفي كبير ومشهور وعلي نفقته الخاصة‏

وبالرغم من موت ابنه ومرضه الا انه لم ينتبه إلي ان الله ينذره‏,‏ بل أخذه الغرور ولم يحاول حتي ان يطلبنا لنزوره ويرانا ونراه ونتعرف علي اخواتنا وعادت اختي من عنده في المدينة الساحلية لاتري الطريق من دموعها المنهمرة‏,‏ وضلت الطريق ياسيدي لبيتها‏,‏ المهم وصلت واقسمت انها لن تذهب اليه مرة أخري‏,‏ وعلمنا منذ اشهر ان المرض اشتد عليه واصبح قعيدا ولايتحرك إلا داخل المنزل وبصعوبة‏,‏ واصبحت بناته وزوجته يدرن عمله وانه كتب كل شيء من ماله لهن

انني اسرد قصتنا هذه للأب الذي ترك ولده لوالدته ولايرغب في الانفاق عليه أو حتي رؤيته‏,‏ أقول له اتق الله فيه وقربه منك عسي ان يكون هو عكازك في كبر سنك ويكون هو الحامي لاخوته القادمين‏,‏ فلا ترتكب خطأ أبي الذي مازال يعاملنا بتعنت وعند لا أعرف لهما سببا أو ذنبا اقترفناه انا واخوتي‏,‏ وبالرغم من ذلك نطلب له الرحمة من الله وان يغفر له ولنا اذا كنا قصرنا في حقه‏,‏ افق ياسيدي قبل ان يصيبك الله بالانذارات مثل والدي

فابنك ربما يكون في احتياج لنفقتك عليه ولكنه في احتياج أشد الي يديك تربت علي كتفه وتشعره بأنه ليس وحده في خضم هذه الحياة التي أصبحت صعبة علي من هو في مثل ظروفه‏,‏ واقول لوالدة الطفل لاتيأسي من رحمة الله واصبري مثل امي فلسوف يعوضك الله في هذا الابن خيرا كثيرا باذنه تعالي‏,‏ ولاتطلبي العطف ممن لاقلب له واحتسبي الله وسيأتي يوم يأخذ فيه كل ذي حق حقه عند العادل الذي لايغفل ولاينام‏.‏

*‏ سيدتي‏..‏ فهمت أشياء كثيرة في الحياة وقبلتها علي الرغم من عدم منطقيتها‏,‏ ولكن مالم أستطع فهمه هو كيف يتجرد اب من كل مامشاعر الابوة ويقسو علي أولاده ولا يفكر في رؤيتهم لأكثر من ربع قرن‏,‏ لاينفق عليهم ولا يودعهم ولا يتتبع أخبارهم‏,‏ واذا زاروه يصدهم ويمنعهم حتي من لسؤال عنه في محنته ومرضه؟‏...‏ قد يغضب من زوجته‏,‏ يكرهها‏,‏ يطلقها‏,‏ لكن ما ذنب الأبناء؟‏..‏ أي قلب هذا الذي يغرس في نفوس بشر من دمه‏,‏ من خلاياه‏,‏ من روحه‏,‏ غضبا وكراهية‏.‏

الغريب ان الله ابتلي والدكم في ابنه‏,‏ وبمرضه‏,‏ لكنه لم يراجع نفسه‏,‏ لم يخش ان يقابل الله وهو علي معصية‏,‏ بل واصل أخطاءه بحرمانكم من ماله وتفضيل أبنائه من زوجته الثانية عليكم‏,‏ جاهلا انه يواصل غرس الأشواك في قلوب الاخوة وهو لايدري كيف تدور الأيام ومن سيلتقي بمن‏.‏

سيدتي‏..‏ حرت في أمر والدكم ولم أعرف رأي الشرع فيما يفعل وما هو واجبكم تجاهه‏,‏ فلجأت الي صديقي العالم الجليل الشيخ خالد الجندي لأستنير برأيه فقال لي‏:‏ هذا الأب ليس له طاعة ولا ولاية‏,‏ وفي نظر الشرع هو أب عاق لأنه لم يراع رقابة الله في فلذات أكباده‏,‏ فسبحانه وتعالي قال في سورة النساء‏:‏ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا‏..‏ والذي لايعرفه الكثيرون اننا في خضم الحديث عن عقوق الأبناء لا نعرف ان هناك مايسمي بعقوق الآباء‏.‏

وقالها سيدنا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ لأحد الآباء عندما ذهب إليه يشكو عقوق ابنه‏,‏ وبعد ان استمع الفاروق الي الابن‏,‏ قال للأب‏:‏ اذهب لقد عققته قبل ان يعقك‏.‏

وكلام الشيخ خالد الجندي لايعني ان تنهروا والدكم أو تعتدوا عليه أو حتي تقولو له أف بل لتطئمن نفوسكم بأنكم لستم مذنبين أمام الله‏,‏ ولتصبروا علي ما ابتلاكم به أما عما فعله والدكم بأمواله وهو حي‏,‏ بالتمييز بين الأبناء في العطية‏,‏ فبعض العلماء منعها وحرمها ومنهم من اباحها مع الكراهة ولكل دليل‏,‏ وان كان الشيخ خالد يميل الي الرأي الثاني‏.‏

سيدتي‏..‏ اتفهم المرارة في نفسك وشقيقتك‏,‏ وأتلمس رقي اخلاقكم وكرمكم‏,‏ ولا أريد ان أبدو مثاليا‏,‏ ولكن مثلكم لايقابل السيئة بالسيئة‏,‏ فان كان في مقدرتكم العفو والسماح‏,‏ فلتواصلوا هذه الروح السمحة‏,‏ ولتذهبوا الي والدكم للسؤال عنه في مرضه‏,‏ لا رضاء له ولكن ابتغاء مرضاة الله وتزكية النفس وتنقيتها من الغضب‏,‏ ولاتنتظروا منه ثناء ولا احتواء‏,‏ وادعوا له بالهداية لعله يفيق ويصلح ما أخطأ‏,‏ فالله قادر علي كل شيء‏.‏ وليت الأب الآخر بطل رسالة سوء الاختيار يسمع نصائحك ويسارع باحتضان ابنه ولايجعل العناد شيطانه‏,‏ أعانكم الله وعوضكم عما عانيتم‏,‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.‏