لقد رحلت أم زوجتي أخيرا يا سيدي‏..‏ رحلت وودعت دنيا الآلام والأحزان‏..‏ رحلت بعد أن قاست شتي صنوف الآلام والعذاب فقد أنعم الله عليها بمرض السرطان‏..‏ ولا أقول ابتلاها سبحانه وتعالي به‏..‏ فأنا مؤمن كل الإيمان بأن الآلام التي قاستها أم زوجتي إنما هي تكفير عن ذنوب وصغائر‏..‏ وقد قضي الله تعالي ولا راد لقضائه أن تعود إليه طاهرة من كل ذنب‏..‏ بريئة من كل صغيرة‏.‏

وأستأذنك يا سيدي بألا أدعوها بكلمة حماتي تلك الكلمة التي ابتذلت وامتهنت بطريقة هزلية في الأفلام القديمة الساذجة‏..‏ وأستأذنك أيضا بألا أدعوها بكلمة أم زوجتي‏..‏ ولكني سأدعوها بكلمة أمي‏..‏ فقد كانت لي نعم الأم برغم أن أمي الحقيقية مازالت علي قيد الحياة أطال الله في عمرها‏..‏ لكني أقسم لك أنني لم أشعر مع أم زوجتي إلا بشعور الابن نحو أمه لما لقيته منها من حنان وعطف ومودة‏..‏ كما أن كلمة أمي هي الكلمة التي كنت أناديها بها في حياتها‏..‏ تلك الكلمة كانت تنبع من صميم قلبي مفعمة بالحب والمودة بعيدة تماما عن المجاملة والمغالاة‏..‏ فلن أنسي لها أبدا المرات العديدة التي وقفت فيها إلي جانبي ضد ابنتها في بعض المشكلات التي كثيرا ما كانت تعترض حياتنا برغم علمها بأني الطرف المخطئ‏..‏ لكنها بحكمتها وعطفها وحنانها النادر الوجود كانت تحتوي مشاكلنا بعكس الكثير من الأمهات اللاتي يضخمن المشكلات بين بناتهن وأزواجهن‏..‏ بل إنهن في بعض الأحيان يكن السبب الرئيسي والمباشر للمشكلات والأزمات ولن أنسي لهفتها علي وبهدلتها معي في المستشفيات التي كثيرا ما اضطررت للمكوث بها لإجراء بعض العمليات البسيطة‏..‏ دائما كانت معي‏..‏ بجوار سريري‏..‏ و
قد عوضتني بحنانها ورعايتها عن غياب أمي الحقيقية التي أقعدها المرض وكبر السن‏.‏ ولن أنسي لها مجاملاتها الرقيقة لي ولزوجتي ولابنتي الوحيدة نورا في جميع المناسبات‏,‏ وكانت دائما تكلف نفسها ما لا طاقة لها به برغم رقة حالها وقلة مواردها‏..‏ أما كفاحها النبيل ونضالها الشريف الذي خاضته مع الحياة من أجل تزويج بناتها الثلاث وسترتهن مع قلة الإمكانات وضيق ذات اليد فتلك ملحمة عظيمة تستحق أن تكتب يا سيدي بماء الذهب‏..‏ ولن أنسي ليلة وفاة زوجها‏..‏ وبعد إنقضاء مراسم العزاء عندما رأيتها تقف مع بناتها الثلاث وفي غمرة أحزانها لتوصيهن بألا تؤثر أحزانهن علي علاقتهن الخاصة بأزواجهن‏..‏ فأي نوع من البشر كانت تلك السيدة‏..‏ ومن أي مادة ملائكية طاهرة أبدع خلقها الله سبحانه وتعالي؟‏!.‏

وفجأة يا سيدي‏..‏ بكل ما يتصف به المرض اللعين من غدر وخبث ودناءة ووضاعة ومراوغة اجتاح جسد أمي بلا رحمة ولاهوادة فخضعت المسكينة لإجراء عملية جراحية تم فيها استئصال أحد ثدييها‏..‏ أذعنت بعدها لكورس طويل أليم مهين من العلاج الكيماوي‏..‏ وما ادراك يا سيدي بالعلاج الكيماوي‏..‏ شهور طويلة من المعاناة تجرعتها بنفس راضية وثغر باسم وقلب يفيض بالرضا والامتثال لقضاء الله‏..‏ حتي بشرها الطبيب المعالج بأنها شفيت تماما من المرض اللعين‏.‏ ففرحنا جميعا‏..‏ وحلق بنا السرور إلي أعلي سماوات النشوة والحبور‏..‏ فقد كنا جميعا نرتعد خوفا من أن تجتث الشجرة العظيمة الوارفة الظلال من أصولها‏..‏ فقد كانت تظلل علينا حياتنا جميعا‏..‏ نلجأ إليها فنجد عندها الفئ والظل الظليل من صحراء الحياة وقحطها‏..‏ وبعد أشهر قليلة من البهجة الخالصة‏..‏ عادت أمي لتشكو من آلام مبرحة في صدرها لنكتشف أن المرض اللعين قد عاود هجومه ولكن بشكل أكثر ضراوة وشراسة هذه المرة‏..‏ واحتجزت أمي في المستشفي لعدة أسابيع‏,‏ وقد تفاقم الورم اللعين وانتشر في رئتيها‏..‏ وكل كلمات اللغة الجوفاء تقصر في التعبير عن حجم العذاب والمعاناة التي قاستها‏(‏ أمي‏)‏ في تلك الأسابيع‏..‏

وفجأة وبلا مقدمات أوصي الطبيب المعالج بخروج‏(‏ أمي‏)‏ من المستشفي لتمكث بالمنزل عدة أيام علي أن تعود لاستكمال العلاج بالمستشفي مرة أخري‏..‏ وبرغم أن قلبي كان ينفطر حزنا علي عذاب‏(‏ حبيبتي‏)‏ وآلامها‏..‏ فإنني فرحت كثيرا عندما اختارت أن تخرج من المستشفي إلي بيتي أنا‏..‏ وخرجت‏(‏ أمي‏)‏ من المستشفي إلي بيتي‏..‏ وعلي سرير ابنتي رقدت‏(‏ أمي‏)‏ وظللنا أنا وزوجتي ماكثين بجوارها في تلك الليلة وكأننا نملأ عيوننا من وجهها السمح الذي يقطر حنانا ولطفا ومودة‏..‏ وبعد أن تقدم بنا الليل ذهبت مع زوجتي للنوم تاركين‏(‏ أمي‏)‏ آملين أن تنعم ببعض الراحة التي حرمت منها منذ زمن‏..‏ وأسلمني التعب إلي نوم عميق‏..‏ استيقظت منه مذعورا علي صياح زوجتي مستغيثة مولولة‏..‏ وهرولت إلي غرفة‏(‏ أمي‏)‏ لأجدها قد أسلمت روحها إلي بارئها بمنتهي الهدوء والطمأنينة‏..‏ إن مسألة رضا الله تعالي عن العبد أو سخطه عليه من المسائل الغيبية التي لا نستطيع أن ندلي برأي قاطع فيها‏..‏ لكني يا سيدي وبعد أن شهدت جنازة‏(‏ أمي‏)‏ ورأيت عشرات المئات من الأشخاص الذين انشقت عنهم الأرض فجأة وجاءوا من حيث لا أدري ليشيعوا جثمان‏(‏ أمي‏)‏ إلي مثواه الأخير‏,‏ وقد ضاق بهم

المسجد بما رحب‏..‏ فاضطررنا لأداء صلاة الجنازة في الشارع‏..‏ فاصطف عشرات المئات خلف‏(‏ النعش‏)‏ الذي ترقد فيه‏(‏ أمي‏)‏ لأداء صلاة الجنازة في مشهد مهيب لا يتكرر في حينا الشعبي إلا في صلاة العيدين فقط‏..‏ بعد رؤيتي لهذا المشهد أستطيع أن أقول وأنا مطمئن القلب إن‏(‏ أمي‏)‏ ممن رضي الله تعالي عنهم إن شاء الله‏.‏

لقد تركتنا‏(‏ أمي‏)‏ ورحلت يا سيدي وهأنذا بعد رحيلها أسير هائما علي وجهي في الطرقات‏..‏ مشوش الفكر‏..‏ كسيف البال‏..‏ أشعر بمرارة اليتم رغم أن‏(‏ أمي الحقيقية‏)‏ مازالت علي قيد الحياة أطال الله في عمرها‏..‏ ولكني أقسم لك يا سيدي أن روح‏(‏ أمي‏)‏ الطاهرة مازالت ترفرف في أنحاء شقتي‏..‏ وأقسم لك أنني مازلت أشعر بها تربت بيدها الحنون علي خدي‏..‏ وتطيب خاطري مع كل خلاف صغير مع زوجتي‏..‏ وكأنها تقول لي‏(‏ لا تغضب يا حبيبي‏)‏ تماما مثلما كانت تفعل معي في حياتها‏..‏ ولكنها رحلت ياسيدي‏,‏ ورحيلها حقيقة ساطعة قاسية مؤلمة أصبحت في حياتي أمرا حتميا لا مفر منه‏..‏ وأجدني في تلك الأيام الجدباء المقفرة المفعمة بالأسي والأحزان‏..‏ أجدني أتلفت وأتساءل في حيرة ودهشة هل من الممكن أن تندثر سيرة تلك الراحلة النبيلة وكأنها شئ لم يكن؟‏!..‏ وحياتها الحافلة بكل معاني الحب والتفاني والتضحية‏,‏ هل من الممكن أن تنطوي إلي الأبد مثل كتاب جميل فرغنا من قراءته؟‏!..‏ وفي غمرة حيرتي وأحزاني يأتيني الجواب بالنفي متمثلا في بناتها الثلاث خاصة صغراهن‏(‏ زوجتي‏)..‏ فسلوكهن القويم وأخلاقهن الرفيعة واستعدادهن الدائم للعطاء والبذل والتضحية كل ذلك يؤك
د لي إنهن ظل أمهن الراحلة علي الأرض‏..‏ وأن‏(‏ الذي خلف لم يمت‏)‏ كما يقول المثل الشعبي السائر‏.‏

تلك هي حكايتي يا سيدي‏..‏ ولو قدر لها أن تنشر فلي عندك رجاء آخر وهو كتابة اسمي وعنواني كاملين لكي أتواصل وأتشارك مع قراء‏(‏ بريد الجمعة‏)‏ الأعزاء خاصة هؤلاء الذين قاسوا تجربة مثل تجربتي‏,‏ فأنا مازلت أومن بأن المشاركة هي ما نحتاجه لكي نشعر بإنسانيتنا‏.‏



سيدي‏..‏ لن تندثر أبدا سيرة هذه السيدة النبيلة‏,‏ التي تركت الحب صدقة جارية في قلوب كل من حولها‏,‏ والتي أنجبت ثلاث بنات صالحات يدخلن الأب الجنة حسب وعد الرسول صلي الله عليه وسلم فما بالنا بالأم التي عانت وقاست وحيدة في الحياة بعد رحيل شريكها فأحسنت التربية ولم يتوقف عطاؤها حتي بعد زواجهن‏,‏ فبمحبتها لأزواج بناتها‏,‏ ضمنت لهن الاستقرار والسعادة وحصدت محبتكم‏.‏

سيدي‏..‏ ما قدمته أمك الثانية ـ والدة زوجتك ـ من محبة صافية صادقة‏,‏ تأتي بفعل السحر في نفوس الآخرين‏,‏ درس كبير لو وعته كل أم في تعاملها مع أزواج بناتها أو زوجات أبنائها‏,‏ لما انتشر الطلاق وساد‏,‏ ولهدأت البيوت المشتعلة بسبب التدخل الخاطئ لبعض الأمهات مثلما هو واضح في الرسالة الأخري طريق الطلاق‏..‏ فالمحبة هي عدو الشيطان الحقيقي‏,‏ والتي يعجز أمامها عن الدخول إلي القلوب الغاضبة أو غير المحبة‏.‏

أعمال هذه الأم الرحيمة الكريمة‏,‏ التي تحملت ابتلاء الله بصبر ورضا‏,‏ ستظل ثمرة وارفة تحمي بناتها من غدر الأيام‏,‏ وسيظل تأثير دعواتها لك قائما ومستمرا طالما راعيتها في ابنتها واتخذت من طريقها منهجا لك في الحياة‏.‏ أغرس الحب كلما استطعت ولا تستسلم لهوي النفس أو تحريضها‏.‏

سيدي‏..‏ دعواتي ودعوات أصدقائنا في بريد الجمعة للراحلة بالفردوس الأعلي ولك بالصبر ولكل الأمهات باتباع خطي الراحلة النبيلة‏,‏ وها أنا قد تركت اسمك كما طلبت‏,‏ واغفر لي حذف عنوانك فبالتجربة هذا أفضل لك وسأوافيك بما يصلنا من رسائل المحبين‏..‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.‏