تصاعدت المخاوف من النتائج السلبية المرتقبة من التعديلات الدستورية التي يتبناها الحزب الحاكم في مصر، وتعالت في أوساط المثقفين والقانونيين الدعوات الرافضة لتمرير التعديلات، حيث دعا المشاركون في ندوة تحت عنوان "التعديلات الدستورية وآفاق مستقبل الحقوق والحريات في مصر"، والتي عقدها مركز قضايا المرأة العربية يوم 13 فبراير 2007، الأحزاب السياسية والقوى الاجتماعية والشخصيات العامة، لمقاطعة أي حوار حكومي حول هذه التعديلات.
دعوة للمقاطعة

وقد رأى أصحاب هذه الدعوة أن المشاركة غير مجدية ولن تغير في نوايا الحزب الوطني شيئا، باعتباره هو الذي حدد المواد المطلوب تعديلها، وطرح التعديل المقترح لها، وسوف يمررها مجلسا الشعب والشورى كما يرغبها الحزب الحاكم الذي سيوظف كل المواقف الرافضة في تحسين صورته بالخارج ليظهر بمظهر الديمقراطي الذي يتيح الفرصة لمناقشة الرافضين، وتبيان أنهم في النهاية يمثلون أقلية لا يجوز مع رأيها العدول عن هذه التعديلات.

فقد دعا المستشار هشام البسطويسي نائب رئيس محكمة النقض إلى ضرورة مقاطعة كل ما يجري من حوار بين الحكومة والقوى الوطنية بشأن التعديلات الدستورية؛ لأن المشاركة فيما أطلق عليه "المهزلة" لن يستفيد منها سوى الحزب الحاكم، وأن أغلب الشعب المصري قرر مقاطعة ما يجري باعتبار أن هذه التعديلات لا تهمه في شيء بل يعرف بالتحديد الهدف الحقيقي من ورائها. ورأى البسطويسي أن قرار المقاطعة يصب في تقوية اتجاه المجتمع نحو تعميق العصيان المدني؛ ردا على نوايا النظام السلبية للتعديلات؛ لأنه لو كان النظام يريد أو يملك إرادة حقيقية لنقل مصر إلى وضع أفضل؛ فقد كان بإمكانه الدعوة إلى جمعية وطنية تضع دستورا جديدا عصريا يسمح بتداول سلمي للسلطة ويعمق روح الإصلاح والشفافية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

واعتبر البسطويسي أن التعديلات المقترحة تنتقص من استقلال القضاء المصري بفتحها ثغرات جديدة لمزيد من تدخل السلطة التنفيذية في شئون القضاء والقضاة؛ فالمادة 93 مثلا تمنح لمجلس الشعب الصلاحيات القضائية فيما يخص الفصل في المنازعات بشأن صحة عضوية المرشحين، كما رأى البسطويسي أن إقرار قانون مكافحة الإرهاب كبديل عن قانون الطوارئ هو من أخطر الأمور على الحريات التي ضمنها الدستور من قبل للمواطنين؛ لأنه سيترتب على هذا القانون إطلاق يد السلطة للتنكيل بكل خصومها تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، خاصة أن العالم كله لم يتفق على تحديد واضح ومنصوص عليه لما يمكن أن يدخل تحت بند الأفعال الإرهابية. وبالتالي من الجائز مثلا أن تعتبر السلطة أن لقاءنا هذا وما يقال فيه يعد من قبيل السلوك الإرهابي، وهكذا سوف يتم قمع كل الآراء المخالفة والرجوع بالمجتمع إلى عصور لم يكن يسمع فيها سوى صوت الحاكم بمفرده.

وينضم جورج إسحق المنسق العام السابق للحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية" إلى هذه الدعوة للمقاطعة، حيث اعتبر أن مقاطعة ما يجري من مناقشات هو أفضل الردود من القوى الحزبية والسياسية طالما لم تلب هذه التعديلات الحد الأدنى من المطالب الشعبية. واقترح إسحق الدعوة لعقد جمعية عمومية تضم مفكرين وخبراء قانون دستوري، وسياسيين تكون مهمتهم وضع دستور جديد للبلاد يحقق الطموحات التي ينشدها المجتمع المصري.

تلاشي مبدأ المواطنة

وقد اتفق د. يحيى الجمل الفقيه الدستوري مع ما طرحه المستشار البسطويسي، حيث رأى أن الدستور بعد إجراء تعديل 34 مادة من مواده سوف يفقد انسجامه وتصبح أغلب مواده متناقضة مع بعضها البعض، وهو لن يوفر الضمانات الدستورية الكافية للفصل بين السلطات، ونقل مصر، كما يزعم الحزب الحاكم، إلى مرحلة أفضل. فقضية المواطنة التي يسوقها الحزب الوطني باعتبارها نصرا عظيما للشعب المصري، وبنظرة للنص المقترح لتعديل المادة 76 الخاصة بشروط المرشح لرئاسة الجمهورية، نكتشف حجم التناقض بين هذه المادة مع مبدأ المواطنة؛ لأن الأخيرة تقتضي أن يتساوى جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، ومن ثم فإن وضع العراقيل والشروط التعجيزية أمام المرشحين لهذا المنصب هو خرق فاضح لمبدأ المواطنة. ويبدو الحزب الحاكم وكأنه يقوم بتفصيل المواد الدستورية على مقاس شخص بعينه وحزب بعينه، بحيث يبدو باقي المرشحين مثل "الكومبارس" أو "السنيدة" لهذا المرشح الذي يعده الحزب الحاكم لوراثة عرش مصر.

تأسيس حزب للإخوان بشروط

أما د. حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، فقد اعتبر أن هذه التعديلات تمثل "نكسة" كبيرة لمستقبل مصر؛ فهي تلغي كل المكاسب التي كان يتمتع بها الدستور قبل التعديل خصوصا فيما يتعلق بالضمانات التي كانت متوافرة فيما يخص الحريات العامة وحرية التعبير وحرمة المسكن وغيرها.

واعتبر نافعة أن أخطر ما يتضمنه التعديل هو إقصاء الإخوان من العمل السياسي رغم تعارض ذلك مع مبدأ المواطنة التي يدعو له الحزب الحاكم، وهنا يصبح الدستور في شكله الجديد نموذجا صارخا وأنموذجيا للتمييز بين المواطنين.

ودعا نافعة إلى مساندة حق الإخوان في تأسيس حزب له مرجعية أخلاقية أو حتى دينية؛ فهذا مطبق في كثير من دول العالم، وتطبيقه في مصر لن يشكل أي خطر، لكن الأهم أن يفتح هذا الحزب عضويته لكل المصريين، وألا يضع شروطا تمييزية، وألا يعتمد العنف أو العمل المسلح.. وإذا توافرت هذه الشروط فلا بأس أن تؤسس أي جماعة حزبا سياسيا مدنيا بمرجعيات متعددة؛ فهذا الأمر يثري الحياة السياسية المصرية التي تسبب الحزب الحاكم في إفسادها على مدى أكثر من ربع قرن كامل.

مرجعية الشرائع السماوية

ومن جانبها تطرقت د. فاطمة خفاجي أستاذة الاقتصاد بجامعة القاهرة إلى قضية تعديل المادة الثانية من الدستور. واعتبرت أن النص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع يتعارض مع مبدأ المواطنة والمساواة بين المواطنين، ودعت "خفاجي" إلى تعديل هذه المادة بما يتناسب مع الشرائع السماوية ومواثيق حقوق الإنسان.

أما عن وضع المرأة المصرية، فقد رأت "خفاجي" ضرورة إدخال تعديلات جوهرية لتحسين الوضع السياسي للمرأة المصرية بما يتماشى مع المواثيق الدولية، خاصة أن نصوص الدستور الحالية والتعديلات المقترحة بتخصيص حصة للمرأة في المجالس البرلمانية تتضمن استبعادا للمرأة، وهو ما يتعارض أيضا مع مبدأ المواطنة، إضافة إلى العديد من النصوص الأخرى الموجودة في قانون الأحوال الشخصية، كما أن ثمة مفاهيم قانونية عديدة قائمة تحتوي على عنصرية ضد المرأة يجب تعديلها.

التعديلات على ثلاثة أنواع

وإجمالا، فقد خلصت ورقة العمل التي قدمها مركز قضايا المرأة المصرية إلى عدد من الأمور أهمها:

أولا: إن هذه التعديلات مجتمعة لم تحقق أهداف القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني من أجل الإصلاح. فلا هي حققت الفصل بين السلطات في الدولة، ولا حالت دون هيمنة السلطة التنفيذية أو تكثيف صلاحياتها الواسعة في يد شخص رئيس الجمهورية، بل إن هذه التعديلات لم تتوقف عند الإصرار على تأييد الحكم ومنع تداوله بالرفض القاطع لتعديل المادة 77 من الدستور، وإنما راحت تتجاوز ذلك إلى المساس بالحريات الأساسية المكفولة في الدستور بزعم مكافحة الإرهاب.

ثانيا: لقد واجهت التعديلات الصورية المطالبات المستمرة بإلغاء حالة الطوارئ ووقف انتهاكات أجهزة الأمن لحرمات المواطنين في منازلهم وأعمالهم وأجسادهم بالدعوة إلى تضمين الدستور ما يتيح للحكومة سن قانون مكافحة الإرهاب يتحايل من أجل إنفاذه على المواد 41 و44 و45 تحديدا؛ وهو ما سيجعل من الوارد أن يتم تفتيش المساكن وحبس المواطنين احتياطيا والتنصت على اتصالاتهم ومراقبة مراسلاتهم دون حاجة لإذن من النيابة العامة ولآماد غير محددة، وذلك كله بموجب نص دستوري واضح.

ثالثا: إن هذه التعديلات مجتمعة يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنواع:

النوع الأول: تعديلات كاشفة لحقائق اقتصادية واجتماعية جرى صنعها بالمخالفة للدستور مثلما هو الحال في التعديل المطروح للمادة 59 حيث طلب رئيس الجمهورية استبدال حماية البيئة بحماية المكاسب الاشتراكية، رغما عن أن التعهدات الدولية لمصر توجب أن ينص في هذا التعديل على حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمواطنين، وهي ذاتها الحقوق التي نعتها الدستور الحالي بالمكاسب الاشتراكية.

إن إهدار هذه الحقوق الأساسية للإنسان تحت غطاء التحول من نظام اشتراكي إلى نظام للاقتصاد الحر ليس سوى مغالطة للتحلل بنص الدستور من الواجبات التي ينبغي للدولة أن تلتزم بها تجاه المواطنين وفقا للعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي صادقت مصر عليه.

النوع الثاني: تعديلات صورية تدور جميعها حول تحاشي الضغوط المجتمعية للتخفيف من الصلاحيات الواسعة لمنصب رئيس الجمهورية بمنح رئيس مجلس الوزراء الذي يختاره الرئيس ويعينه حقوقا يصعب تحديدها كالتشاور مع رئيس الجمهورية عند اتخاذ الأخير لقرارات لها قوة القانون، أو عند تعيين نواب رئيس الوزراء والوزراء أو حتى منحه حق القيام بمهام رئيس الجمهورية في حالات الضرورة.

ومن التعديلات الصورية أيضا تلك المؤقتة التي ستضاف مرة أخرى إلى المادة 76 لضمان وجود متنافسين من بعض الأحزاب في الانتخابات الرئاسية القادمة فحسب.

النوع الثالث: تعديلات جوهرية تبدو جميعها مثيرة للقلق أو الإحباط أو الارتباك. فمن التعديلات المثيرة للقلق تعديل المادة 37 لإلغاء الحد الأقصى للملكيات الزراعية نظرا لخطورة تفعيل آليات السوق على البنيان الاجتماعي للريف المصري وتوجهات الإنتاج الزراعي، خاصة أن القانون يعطل هذه المادة فعليا في الأراضي المستصلحة حديثا ولا يبقيها نافذة إلا في الدلتا والوادي. وهذا التوجه الجديد يتعارض مع ما استقرت عليه مؤسسات المجتمع المدني في العالم من ضرورة استثناء الأراضي الزراعية من آليات السوق؛ نظرا لندرة الأرض ودور الملكية في مكافحة الفقر بالريف.

ومن التعديلات الباعثة على بث اليأس من مستقبل الديمقراطية وإمكانية تداول السلطة ذلك التعديل الذي سيلحق بالمادة 88 وخاصة من زاوية فعالية الإشراف القضائي على الانتخابات، وأيضا المطالبة بأن يكون من حق رئيس الجمهورية حل البرلمان دون الحاجة لإجراء استفتاء شعبي على قراره.

أما ما يثير الارتباك في التعديلات، فيبدو واضحا في تعديل المادتين 194 و195 لإعطاء صلاحيات تشريعية لمجلس الشورى، رغما عن أن هذا المجلس لا يعد مجلسا منتخبا بالمعنى الحرفي للكلمة؛ إذ يعين رئيس الجمهورية وبإراداته المنفردة ثلث أعضاء مجلس الشورى.

إن هذا التوجه يخلق أوضاعا من التضارب التشريعي الذي يستوجب، باعتراف الرئيس في طلبه إجراء التعديلات، اتخاذ إجراءات لمعالجة حالات الاختلاف بين مجلسي الشعب والشورى، فهذا التعديل كان من الوارد أن يكون مفهوما لو اقترن بإلغاء حق الرئيس في تعيين ثلث أعضاء مجلس الشورى، وهو ما لم يحدث.

ويلحق بهذا الصنف من التعديلات ما تتحدث عنه تعديلات المادتين 115 و118 من منح البرلمان الحق في تعديل موازنة الحكومة ولكن وفق شرط تحقيق التوازن بين الإيرادات والنفقات؛ الأمر الذي يسلب بالشمال حقا أعطته الحكومة لمجلس الشعب باليمين.

وزيادة على ذلك فإن عدم النص بطريقة جازمة على الطريقة التي سيتم بها تعزيز تمثيل المرأة في البرلمان يبدو أمرا مثيرا للحيرة والارتباك.

وأخيرا، خلصت الندوة إلى ضرورة مقاطعة كافة النقاشات مع الحكومة حول هذه التعديلات كنوع من العصيان والرفض الشعبي، وذلك إذا لم تتم الدعوة لانتخاب جمعية وطنية مهمتها صياغة دستور جديد للبلاد بعد إجراء حوارات شاملة ومفتوحة حول بنود هذا الدستور في أوساط الأحزاب والمؤسسات الأهلية والعلمية؛ لأن هذا هو السبيل الأمثل لمنع تمرير هذه التعديلات التي تمس بحقوق المواطنين وحرياتهم، وتعيد بشكل دستوري حكم الفرد الأوحد الذي يتحكم في مصير البلاد.

موقع اسلام اون لاين