جبران خليل جبران



" لولا القلب الذي يحبك والقلب الذي تحبه لكنت هباء منثوراً "

هذه إحدى كلمات الشاعر المبدع الراحل جبران خليل جبران الذي نبحر معه في عالم الشعر عبر المجموعة الكاملة لمؤلفاته الصادرة عن دار الجيل ببيروت،
جمع وتقديم انطوان القوّال.
ومن يطّلع على مخطوطات جبران يجد أحيانا في الصفحة الواحدة بيتا من الشعر يستريح إلى جانب صورة أو قطعة من النثر،
ولا عجب في ذلك لأن جبران واحد من شعراء وفنانين قلة،
وقفوا حياتهم على الكتابة وممارسة الفن،
فانصرفوا بكليتهم إلى تسجيل بنات أفكارهم لحظة الولادة،
ورؤى مخيلاتهم حين ظهورها، ليعودوا إليها من حين إلى آخر متعهدينها زيادة ونقصانا،
تبديلا وتعديلا لتكتمل.

جبران كان "يصرف أسابيع في انتظار عبارة واحدة صغيرة".

آثار شعرية

كتب أنطوان القوال :
إن جبران ترك من الشعر أكثر من المواكب وقصائد "البدائع والطرائف".
من هنا كانت الضرورة للبحث والتفتيش عن آثاره الشعرية وجمعها،
ومن ثم تتبعنا شعر جبران أينما وجد وجمعناه في هذا الديوان

الذي تم تقسيمه إلى ثلاثة أقسام:

الأول:
"المواكب" وهي قصيدة طويلة ظهرت عام 1919 في طبعة أنيقة ومزينة برسوم خاصة بها بريشة جبران،
والتقديم لنسيب عريضة وفيه
:
"هذا الكتاب هو أول ما يُنشر من تأليف جبران شعرا ..كان جبران في شعره ونثره، في كل حياته الكتابية متمردا.. ".

القسم الثاني:
أشعاره وزجلياته ويشتمل على القصائد المنشورة في كتاب "البدائع والطرائف" الذي صدر عام 1923،
وهو آخر ما صدر لجبران بالعربية،
وفيها يعبر جبران عن حالاته النفسية،
وعن منازعه الصوفية وآرائه في الحب والمصير،
في الحياة والموت والخلود ،
أما بالنسبة إلى الزجليات فجبران كان مولعا بالزجل وخاصة بالمواويل التي كان يسمعها في الأعراس والسهرات
.


القسم الثالث
بعنوان "في الشعر والشاعر" نصوص لجبران نثر فيها آراءه في الشعر ومهمته الإنسانية وفي الشاعر والتعريف به ورسالته، وفي الرجوع إليها ضرورة لتمكين الدارس أو القارئ من الولوج إلى عالم جبران الشعري والفكري.

حياته وموته

جبران شاعر لبناني ولد في ديسمبر عام 1883 م في بلدة بشري شمال لبنان وتوفي في نيويورك 10 إبريل 1931 بداء السل،
سافر مع أمه وإخوته إلى أمريكا عام 1895،
حيث درس فن التصوير وعاد إلى لبنان،
وبعد أربع سنوات قصد باريس حيث تعمق في فن التصوير،
ثم عاد إلى الولايات الامريكية المتحدة،
واسس مع رفاقه "الرابطة القلمية" وكان رئيسها.

من مؤلفات جبران نذكر:

الأجنحة المتكسرة، دمعة وابتسامة، المجنون، المواكب، العواصف، النبي، رمل وزبد، وآلهة الأرض(( صدر قبل وفاة جبران بأيام)).
بعد وفاته صدر "التائه" 1932، ثم "حديقة النبي" 1933 ولا يزال الكثير من آثاره ومخطوطاته ينتظر الجمع والصدور،
لأن ما عرف من نتاج جبران قليل إذا ما قيس على حياة وُقفت على الرسم والكتابة دون أي شئ آخر.

========================================



من تحفته "المواكب" نقرأ:

الخير في الناس مصنوع إذا جبروا
والشر في الناس لا يفنى وإن قبروا
وأكثر الناس آلات تحركها
أصابع الدهر يوما ثم تنكسر
فلا تقولن هذا عالم علم
ولا تقولن ذاك السيد الوقر
فأفضل الناس قطعان يسير بها
صوت الرعاة ومن لم يمش يندثر

**
ليس في الغابات راع
لا ولا فيها القطيع
فالشتا يمشي ولكن
لا يجاريه الربيع
خلق الناس عبيدا
للذي يأبا الخضوع
فإذا ما هب يوما
سائرا سار الجميع

أعطني الناي وغن
فالغنا يرعى العقول
وأنين الناي أبقى
من مجيد وذليل

**
وما الحياة سوى نوم تراوده
أحلام من بمراد النفس يأتمر
والسر في النفس حزن النفس يستره
فإن تولى فبالأفراح يستتر
والسر في العيش رغد العيش يحجبه
فإن أزيل تولى حجبه الكدر
فإن ترفعت عن رغد وعن كدر
جاورت ظل الذي حارت به الفِكَرُ

**
ليس في الغابات حزن
لا ولا فيها الهموم
فإذا هب نسيم
لم تجئ معه السموم
وغيوم النفس تبدو
من ثناياها النجوم

أعطني الناي وغن
فالغنا يمحو المحن
وأنين الناي يبقى
بعد أن يفنى الزمن

**
والعدل في الأرض يُبكي الجن لو سمعوا
به ويستضحك الأموات لو نظروا
فالسجن والموت للجانين إن صغروا
والمجد والفخر والإثراء إن كبروا
فسارق الزهر مذموم ومحتقر
وسارق الحقل يُدعى الباسل الخطر
وقاتل الجسم مقتول بفعلته
وقاتل الروح لا تدري به البشر

**

والحب في الناس أشكال وأكثرها
كالعشب في الحقل لا زهر ولا ثمر
وأكثر الحب مثل الراح أيسره
يرضي وأكثره للمدمن الخطر
والحب إن قادت الأجسام موكبه
إلى فراش من الأغراض ينتحر
كأنه ملك في الأسر معتقل
يأبى الحياة وأعوان له غدروا


وفي النهاية يقول:

هل فرشت العشب ليلا
وتلحفت الفضا
زاهدا في ما سيأتي
ناسيا ما قد مضى؟
وسكوت الليل بحر
موجه في مسمعك
وبصدر الليل قلبٌ
خافق في مضجعك
أعطني الناي وغن
وانس داء ودواء
إنما الناس سطور
كتبت لكن بماء


ومن أشعاره وزجليّاته نقرأ:

"وشهدنا الغم"

قد أقمنا العمر في واد تسير
بين ضلعيه خيالات الشقا
وشهدنا الغم أسرابا تطير
فوق رأسينا كأسراب القطا



"مات أهلي"

مات أهلي وأنا قيد الحياة
أندب الأهل صباحا ومساء
مات أحبابي ولو كان الممات
في يدي ما كنت أبقى للشقاء
مات أحبابي وشر النائبات
عيش من لم يدر معنى للبقاء



"تحت رسمي"

هذا خيال فتى يهوى الحياة ولا
يهوى الحياة وفي الحالين يكتئب
فإن بدا ساكنا والصمت يملكه
فاتلوا عليه صلاة الحب يضطرب




"يا مستعير الكتب"

ألا يا مستعير الكتب دعني
فإن إعارتي للكتب عار
وجدت كتابي في الدنيا حبيبي
حبيبي لا يباع ولا يعار


==========================



في الشعر والشاعر

==========================

في هذا القسم نصوص مختلفة لجبران ، نقرأ تحت عنوان "الشاعر" من كتابه "دمعة وابتسامة":

"الشاعر حلقة تصل بين هذا العالم والآتي منهل عذب تستقي منه النفوس العطشى شجرة مغروسة على ضفة نهر الجمال ذات ثمار يانعة تطلبها القلوب الجائعة.
بلبل ينتقل على أغصان الكلام وينشد أنغاما تملأ خلايا الجوارح لطفا ورقة.
هذا الذي لا يطلب من البشر إلا ابتسامة صغيرة والذي تتصاعد أنفاسه وتملأ الفضاء أشباحا حية جميلة والناس تبخل عليه بالخبز والمأوى
".

فإلى متى أيها الإنسان

============================

إلى متى أيها الكون تقيم من الفجر بيوتا للأُلي جبلوا أديم التراب بالدماء، وتعرض بتهامل عن الذين يهبونك من محاسن أنفسهم سلاما ووداعة؟.
وحتى متى تعظم القتلة والذين حنوا الرقاب بنير الاستعباد، وتتناسى رجالا يسكبون نور الأحداق في ظلمة الليل ليعلموك أن ترى بهاء النهار ويصرفون العمر بين مخالب الشقاء كيلا تفوتك لذة السعادة؟.