السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إنها التاسعة مساءً ليلة أول أيام عيد الفطر المبارك "يوم الوقفة"، صوت بندول الساعة رنّ في أذن حازم المنتصب بقامته الطويلة في بلكونة شقة الأصحاب بمنطقة عابدين يُتابع مشاهد السائرين رائحين وعائدين وهم يحتفلون بعيد الفطر الذي أخذ في مطاردة كل فلول المظاهر الرمضانية، وفي هذه اللحظة انبعثت صيحة عالية من داخل الشقة من أحد أصدقاء حازم واسمه شادي..

شادي: يلّا يا حزوم الجوب (أي سيجارة حشيش) قرّب يتّطفي تعالَ فرفشه لنا كده!!

صديق ثالث: باقول لك إيه يا شادي هي القِبلة منين؟؟ (شادي هو صديق الشلة القبطي الوحيد في القعدة).

شادي: طيب.. بس مش قبل ما أقول لك على القِبلة ضروري تمضمض "بقك" من الحشيش الأول وإلا صلاتك تبطل.

حازم: والنبي إحنا نستاهل الحرق.. دي مناظر ناس كانت بتصلي التراويح وكمان كام ساعة هتروح تصلي العيد.

شادي: اتكلم عن نفسك يا عم أنت.. أنا مفهومي عن الوحدة الوطنية إني آكل معاكم كحك العيد.. إنما أكثر من كده وستووووب.

ينطلق الجميع في ضحك هستيري وسط سحابات غير متناهية من الدخان الأزرق، ضحك أفزع مدام لولّا صاحبة الكوافير القابع بأسفل العمارة التي احتضنت شلة الأنس، فخرجت منزعجة تتبع مصدر تلك القهقهات المكتومة فلم تصل لشيء فعادت من جديد لداخل المحل المليء بزبائنها، فعادت لولّا إلى زبونتها المفضّلة مايسة.

لولّا: أيوه كده، خلي شعرك يتنفّس هواء نضيف بدل الكبسة اللي كان مكبوسها تحت الحجاب طول رمضان.

مايسة: ميرسي يا لولّا، يلاّ فنشي لي بقى الـ"ألاجارسون" (قصة شعر قصيرة) عشان ألحق أعدي على الترزي أجيب منه التوب بعد ما ضيقهولي عشان يبقى مجسّم.

خرجت مايسة من الكوافير ولم تُكمل مترها العاشر في الشارع حتى اعترضها مجموعة من الشباب..

الشاب الأول: حلوة القَصّة المعيزي دي يا مودموازيل، إيه رأيك أظبط لك قصة الكابوريا الجديدة؟؟

الشاب الثاني: وفين الحلّاق ده يا ميزو اللي هتروح له؟؟

الشاب الأول: مش بعيد يا شقيق هنا في المقطم أو في طريق المطار على حسب وقتها يعني.
تبدأ ليلى في الركض والشباب يلهثون وراء خُطاها المتسارعة، حتى بلغوها وبدأوا في تقطيع ثيابها وكذا فعلوا مع زيها الجديد، وبدأت أيديهم تنهش كالكلاب المسعورة التي سنّت أسنانها من قلة الطعام، لولا أن أرسل لها الله نجدة إلهية من أهل المنطقة.

المَشاهِد اللي عرضناها فوق دي (أيون اللي أنت لسه قاريها حالاً) هتشوفها كمان كام يوم، آه بتسألني على التفاصيل، أقول لك يا سيدي، هتلاقي إيدين فايحة منها رائحة الحشيش بعد ما كانت بتنعم بالتسبيح، هتلاقي أفواه تتقيأ شتائم أقلها تكفي لحجز سويت ملكي في النار، رغم أنها نفس الأفواه اللي وهنت من كثرة الاستغفار، هتلاقي فساتين وباديهات تختنق بأجساد فتياتها، رغم أنها نفس الأجساد اللي كانت عائمة وسط الإسدال والأزياء الإسلامية الفضفاضة على مدار 30 يوماً، نسيت أقول لك كمان إن الشارع هيتحوّل لفيلم إباحي كبير، كل شيء فيه مباح، أجساد الفتيات غنيمة للمتحرشين، وإسماعهم أقذع الألفاظ شيء جميل، وخليه على جنب -أقصد طبعاً الدين- وعشان تبقى عارف: أكشاك السجائر هتنتعش اقتصادياً.. ودواليب الحشيش وما على نفس شاكلته ستسجل أرقاماً قياسية في المبيعات.. وثلاجات البيرة لن تحصل على فرصة كي تمتلئ.

المفروض أن رمضان تدريب عملي جماعي على الطاعة والاستقامة ومراعاة الشعور والتقرب إلى الله، إذن ليس منطقياً أبداً أن تُصبح وقفة العيد -والعيد نفسه- تدميراً وإضاعة لكل جهد بُذل بتصرفات هي أبعد ما تكون عن سلوكياتنا قبل ساعات من العيد.

ربّ رمضان هو ربّ العيد وربّ كل أيام العام، والحرص على طاعته لن يُصبح أبداً مسلسلاً من ثلاثين حلقة تنتهي بانتهاء رمضان، لنعود منذ وقفة العيد أشخاصاً آخرين فيستأنف الكاذب كذبه، ويعود الحريص على صلاة المسجد إلى هجر فروض الله، والذي توقّف لسانه عن التفوّه بالكلمات البذيئة احتراماً لرمضان، ينتعش لسانه من جديد بكل اللي يحبه قلبك من سباب وشتائم.

اعتبار العيد إشارة خضراء للعودة إلى ما كنا عليه قبل رمضان معناه أننا كنا نكذب على أنفسنا طوال شهر كامل، وأننا غير قادرين على الالتزام لأكثر من ذلك، مجرد التزام ظاهري لم يترك أثره في القلب، فانقلب الحال سريعاً وكأن رمضان أشبه بقفص فُتح بانتهاء اليوم الأخير والصائمون هم المحبوسون بداخله ينتظرون إشارة للانطلاق من جديد، وتستمر الدائرة سنة كاملة من التسيب في آخرها ننتظر رمضان لنتطهر ثم نعود من جديد وهكذا دائرة مفرغة ندور نحن وذنوبنا فيها.

إيه بتقول إيه!! قرّب من الجهاز عشان بس أسمعك، همممم والله برضه وجهة نظر طب ما تسمّعها للناس.. قصدك إن المشكلة في نقطة واحدة بتنحصر، احترام للشهر الكريم، اللي بيشرب حشيش واللي رصيده في الصلوات الخمس ما فيش، واللي بتعمل شعرها كنيش.. واللي بيتفرّج على أفلام مش ولا بُد وبيقفل البلكونة والشيش، كل دول بيعملوا لنفسهم ستوب، بس بحُب، عشان شهر رمضان شهر مقدس ما ينفعش فيه أفضل عادي كده مقضيها، فما تجيش أنت تكفرني على خير بعمله، وكأنك بتقول للي بيدمن ربنا يحميك زي ما إنت يا ابني، وكأنك بتقول للي لابسة من غير لبس، اثبتي على موقفك رب رمضان هو هو رب الأيام العادية.

طالما رب رمضان هو رب بقية العام.. تفتكر نعمل إيه عشان تبقى السنة كلها رمضان؟

ولا شايف إن الالتزام المؤقت أفضل من عدم الالتزام على الإطلاق في شهر مفترض إنه مقدّس؟

خد كوباية البلح اللي جنبك دي وقول لي رأيك إيه؟؟! رمضان طول العام ولا عبادة في شوية أيام.. وبقية السنة سلّم لي على الالتزام؟!!


شكرا انكم استحملتم الرغي دة
اختكم نوراااام