الحديث الحسن:
قال الشيخ تقي الدين بن تيمية:

(أول من عرف أنه قسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف أبو عيسى الترمذى , ولم تعرف هذه التسمية عن أحد قبله. وقد بين أبو عيسى مراده بذلك: فذكر أن الحسن مما تعددت طرقه. ولم يكن فيهم متهم بالكذب ، ولم يكن شاذا ، وهو دون الصحيح الذي عرف عدالة ناقليه وضبطهم).

وأما من قبل الترمذي من العلماء ، فما عرف عنهم هذا التقسيم الثلاثي ، لكن كانوا يقسمونه إلى : صحيح ، وضعيف. والضعيف كان عندهم نوعان:

ـ ضعيف ضعفا لا يمتنع العمل به , وهو يشبه الحسن في اصطلاح الترمذي.

ـ وضعيف ضعفا يوجب تركه.. وهو الواهي.



أقسام الحسن:-
والحسن قسمان :

1 - حسن لذاته: وهو ما اشتهر رواته بالصدق ولم يصلوا في الحفظ رتبة رجال الصحيح.. وهذا تعريف ابن الصلاح.

وقال الطيبي: (الحسن: مسند من قرب من درجة الثقة ، أو مرسل ثقة ، وروي كلاهما من غير وجه ، وسلم من شذوذ وعلة) , وقد تقدم تعريف الترمذي.

ومن ألطف تعاريفه : (ما اتصل إسناده بنقل عدل قل ضبطه عن الصحيح غير شاذ ولا معلل).

وخلاصتها جميعا: أنه أقل من الصحيح ، وفوق الضعيف.



2 - حسن لغيره : وعرفه ابن الصلاح بما كان في إسناده مستور لم تتحقق أهليته ، غير مغفل ، ولا كثير الخطإ في روايته ، ولا متهم يتعمد الكذب فيها ، ولا ينسب إلى مفسق آخر ، واعتضد بمتابع أو شاهد.. فأصله ضعيف ، وإنما طرأ عليه الحسن بالعاضد الذي عضده ، فاحتمل لوجود العاضد ، ولولاه لاستمرت صفة الضعف فيه ، ولاستمر على عدم الاحتجاج به.



مراتب الحسن:
وللحسن رتب كالصحيح :

ـ فأعلاها: ما قبل لصحته .. كبهز بن حكيم عن أبيه عن جده , وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده , ومحمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر عن جابر . وأمثال ذلك , وهو أدنى مراتب الصحيح.

ـ ثم بعد ذلك ما اختلف في تحسينه وضعفه , كحديث الحارث بن عبد الله , وعاصم بن ضمرة , وحجاج بن أرطأة , ونحوهم . قاله الذهبي .

ـ والحسن لذاته المشهور رواته بالعدالة والصدق اشتهارا دون اشتهار رجال الصحيح ، إذا روي من وجه آخر ، ترقى من الحسن إلى الصحيح , وهذا هو الصحيح لغيره.

ومثاله : حديث الترمذي من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة).

فإن محمدا وإن اشتهر بالصدق ، والصيانة ، ووثقه بعضهم لذلك ، لم يكن متقنا لسوء حفظه.. فحديثه حسن لذاته.. وبمتابعة محمد عليه في شيخ شيخه وهو أبو هريرة يرتقي إلى الصحة لغيره ، فقد رواه جماعة غير أبي سلمة عن أبي هريرة.. والمتابعة قد يراد بها متابعة الشيخ , وقد يراد بها متابعة شيخ الشيخ.

والحديث رواه الشيخان من طريق الأعرج عن أبي هريرة فهو: صحيح لذاته من هذا الطريق , صحيح لغيره من طريق محمد بن عمرو.



الاحتجاج بالحسن:
وجمهور المحدثين ، وعامة الفقهاء على أن الحسن كالصحيح في الاحتجاج به ، وإن كان دونه في القوة , ولهذا أدرجه طائفة في أنواع الصحيح ، كالحاكم وابن حبان وابن خزيمة.

وقال السخاوي: (منهم من يدرج الحسن في الصحيح لاشتراكهما في الاحتجاج ، بل نقل ابن تيمية إجماعهم عليه إلا الترمذي خاصة).

وقال الخطابي: (على الحسن مدار أكثر الحديث ، لأن غالب الأحاديث لا تبلغ رتبة الصحيح ، وعمل به عامة الفقهاء ، وقبله اكثر العلماء..) قال: (وشدد بعض أهل الحديث ، فرد بكل علة قادحة كانت أم لا).

كما روى عن أبي حاتم أنه قال: (سألت أبى عن حديث ، فقال : إسناده حسن, فقلت :يحتج به؟ فقال: لا).

ـ وزيادة راوي الصحيح والحسن مقبولة, إذ هي في حكم الحديث المستقل ، وهذا إن لم تناف رواية من لم ترد ، فإن نافتها ، ولزم من قبولها رد الأخرى ، احتيج للترجيح , فإن كان لأحدهما مرجح فالأخرى شاذة.

قال الحافظ ابن حجر في النخبة وشرحها: (وزيادة راويهما : ـ أي الصحيح والحسن ـ مقبولة ، ما لم تقع منافية لرواية من هو أوثق ممن لم يذكر تلك الزيادة ، لأنه إما أن تكون لا تنافي بينها وبين رواية من لم يذكرها ، فهذه تقبل مطلقا ، لأنها في حكم الحديث المستقل الذي ينفرد به الثقة ، ولا يرويه عن شيخه غيره... وإما أن تكون منافية بحيث يلزمهم من قبولها رد الرواية الأخرى , فهذه التي يقع الترجيح بينها وبين معارضها ، فيقبل الراجح ، ويرد المرجوح).

ـ واشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقا من غير تفصيل , ولا يتأتى ذلك عن طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح ألا يكون شاذا . ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه , والعجب ممن أغفل منهم ذلك مع اعترافه باشتراط انتفاء الشذوذ في حد الحديث الصحيح وكذا الحسن .

ـ والنقول عن أئمة الحديث المتقدمين ، كعبد الرحمن بن مهدي ، ويحيى القطان ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وعلى بن المديني ، والبخاري ، وأبي زرعة وأبي حاتم ، والنسائي ، والدارقطني ، وغيرهم اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها , ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة....

ـ ويصف الترمذي بعض الأحاديث بأنه "حسن صحيح " , وروى بعض المحدثين في هذا التعبير ما يستوقف النظر , لأن وصف الحسن قاصر عن الصحة.

وقد أجاب عن ذلك الحافظ ابن حجر بقولة : (إن تردد أئمة الحديث في حال ناقليه اقتضى للمجتهد ألا يصفه بأحد الوصفين. فيقال فيه : حسن وصفه عند قوم.. وصحيح باعتبار وصفه عند قوم).

وغاية ما فيه أنه حذف منه حرف التردد ، لأن حقه أن يقول: حسن أو صحيح.

وعليه , فما قيل فيه: حسن صحيح ، دون ما قيل فيه صحيح , لأن الجزم أقوى من التردد , وهذا حيث التفرد , فإن لم يحصل تفرد ، فإطلاق الوصفين على الحديث يكون باعتبار إسنادين: أحدهما: صحيح فقط ، والآخر حسن.

وعلى هذا ، فما قيل فيه: حسن صحيح فوق ما قيل فيه صحيح فقط إذا كان فردا ، لأن كثرة الطرق تقوي.
__________________
نـوِّر حياتك بالــهدى و اسلك طريق التائبين .. و اعمر فؤادك بالتقى فالــعمر محدود السنين
و ارضِ الإله بطاعة يسعدْكَ فى دنيا و دين .. و احمل بصدرك مصحفا يشرحْ فؤادك كل حين
و دعِ الغـوايـة انـهــا لشقـاء كـلِّ الغافـليــن .. الدين مشكـاة الـحياة يضــىء درب الحـــائرين
عــدْ للكريمِ بتوبة و اركـبْ جنــاح العائـــدين .. تلقى السعـادة كــلها ، فلنعم درب الصـالحين

د. هناء

منقول من منتدى المصريه