لا يمكن ألا تكون قد لاحظت هذا الكم الهائل من الإعلانات التي غمرنا بها التليفزيون منذ فترة ليست ببعيدة، وبدأ الأمر بمحمد شومان وهو يُؤكد لنا دائماً أن "الضرائب مصلحتك أولاً"، ويصرّ على أن تأخذ فاتورة من الحلاق وربما بائع الفول و"أم باتعة" بائعة الجرجير على ناصية الشارع،

وحقاً تمنيت أن أرى أحد أفراد مصلحة الضرائب الذين وافقوا على هذا الإعلان وهو يطلب فاتورة من الحلاق!!

وعلى أية الحال

-كما هي عادة المصريين

- فالإعلانات لم تعد مستفزة،

بل أخذها المتفرجون تسلية ظريفة وأخذوا يسخرون من الإعلان كلما ظهر على الشاشة،

بل قام بعض الشباب بتصوير فيلم قصير كإعلان وعرضوه على الـYouTube وهو محاكاة ساخرة من إعلانات الضرائب.


وتوقّع الكل أن الأمر زوبعة في فنجان وظاهرة وستنتهي،

فالحقيقة أن الثقة بين المواطن والضرائب لن تحدث بسبب مجموعة إعلانات،

خاصة لو أن هذه الإعلانات تدعو المواطن لأخذ فاتورة من الحلاق،

فهي تُثبت -بجدارة- لكل من يُشاهد هذه الإعلانات أن صانعي الإعلان يعيشون على كوكب آخر غالباً،

فلم يروا محل حلاق بسيط في حي شعبي كالذي حاولوا أن يحاكوه في الإعلان،

ولم يروا الحلاق صاحب الشنطة (وهو حلاق يضع أدواته بأكملها في حقيبة ويمر على زبائنه المعروفين في منازلهم ومحال عملهم).

وبالتأكيد فإن أياً من الحلاقين لا يمكن أن يخطر ببال أي مِمَن يتعامل معهم على طلب فاتورة منهم.


ببساطة كان لسان حال الناس يقول إن من يصنع إعلان كهذا هو أبعد ما يكون تمامًا عن الشعب المصري ويريد فقط جمع الأموال،

وأن كل ما يُقال عن الضرائب وتحسين الخدمة.. إلخ كلام إعلانات.

ولكن هذه النوعية من الإعلانات لم تتوقف مطلقًا..

بل لحقتها على الفور مجموعة إعلانات التوعية الخاصة بـ"احسبها صح تعيشها صح"

، لتُقدّم لنا أغرب النصائح بأغرب الطرق الممكنة..

في البداية كانت الإعلانات متقبّلة فهي تُظهر سلوكاً سوياً وسلوكاً جيداً وتوضّح الفرق،

ورغم كون صانعو الإعلان يتكلمون مع المواطن كأنه طفل في الثالثة من عمره،

ورغم تأكد الجميع أن المواطن الذي يترك الأنوار ويشتري الكثير من الخضروات دون الحاجة،

لن يردعه إعلان كهذا،

ولكن مر الإعلان على خير.. حتى خطر ببال أحدهم تطوير فكرة هذه الإعلانات

عن طريق الإعلانات التي تُظهر لك المواطن وغالبًا قرينه؛ ليُقدّما لك النصيحة عن طريق إظهار أحدهما طيب يريد أن يحسبها صح،

والآخر شرير يوسوس له بألا يفعل،

وهنا بدأ العجب!!

فهل جعل الممثل يظهر كقرين لنفسه بهذا الشكل توفيرًا للنفقات بإحضار ممثل آخر؟؟

أم إن المقصود بالإعلانات أن نَفس المواطن الأمّارة بالسوء تريد أن تدفعه دفعًا ليحسبها خطأ؟؟



لنترك هذه النقطة فالمعنى غالباً في بطن الشاعر،


ولكن لنأتي للإعلانات نفسها.. هل هناك عاقل يقوم بإعلان يطلب من المواطنين أن يذهبوا سويًا بسيارة أحدهم

فقط للعمل كل يوم من أجل توفير الطريق والزحام والبنزين، وهل يتوقع من صنع الإعلان أن هناك شخصاً سينفّذها؟!!

ما كل هذه المثالية الغريبة التي يطلبون من الناس أن يتحلوا بها وكأننا في المدينة الفاضلة،

وقد تم حل كافة مشاكلنا ولم يعد لدينا ما نفعله سوى هذه النصائح المُكملة!!

وهل في خضم الزحام والشوارع ومواكب بعض المسئولين سيلحق هذا الغلبان الذي سيوصّل جيرانه أولاً أن يلحق بعمله بعد ذلك؟؟

وقِس على هذا باقي الإعلانات من كهرباء لمياه.... إلخ.


وببساطة يمكن لكل من يروا هذه الإعلانات أن يُدركوا تمامًا أنها لا تُغيّر أي شيء،

فلا الأسلوب ولا المحتوى ولا الهدف يمسوا المواطن في معاناته بالفعل لكي يتحرك ويستجيب،

فعندما يرى المواطن إعلان توفير الكهرباء سيسخط وهو يطالب بإزالة أموال جمع القمامة التي زيدت على الفاتورة دون وجه حق؛

وربما ليوفروا ثمن الإعلان الذي تكلّف الكثير بالطبع مع عدد مرات إذاعته عبر القنوات المحلية والفضائية لدرجة الملل، فربما أفاد ثمن هذا الإعلان في

تخفيف تعريفة الكهرباء على المواطن! وهو يشاهد إعلان الماء سيطلب أن يتم توفير ثمن مثل هذا الإعلان لإصلاح مواسير مياه الشرب والصرف

الصحي كي لا يشرب المواطن ماءً ملوثاً يصيبه بالتيفود كما حدث مؤخرًا! وعندما يرى إعلان السيارة سيطلب

أن يوفروا ثمن الإعلان في توفير بنزين 80 الذي اختفى من على وجه البسيطة

أو ربما زيادة أعداد مواصلات النقل العام؛ لتصبح وسيلة مواصلات آدميه يستخدمها البشر موفرين عرباتهم..

المهم أن الملايين التي تُصرف على إعلانات يكاد يُقسِم الجميع أنها لا تفعل شيئاً،

وكان أوْلى أن تُصرف على مرافق الدولة وفي مصلحة المواطن ذاته لتفيده..



هل انتهى الأمر؟!


لا لم ينتهِ.. فلقد غارت الضرائب العقارية من الضرائب العامة وقررت أن تدلوا بدلوها في لعبة الدفاتر هذه،

فخرجت علينا بالحنفية الأثرية وحمام السباحة الرائع، وتطمئن المواطن

أن أهل هذه المنطقة لن يدفعوا ضريبة عقارية؛ لأن التقدير لن يكون جزافياً

. وما كاد المواطن يتنفس الصعداء ليطمئن حتى يجد الإعلان يكمل بأنهم لن يقابلوا أصحاب المنازل ولن يزوروا البيوت ليروها،

لذا تجد المواطن الذي اطمأن منذ قليل يضرب كفًا بكف ويتساءل

: ما داموا لن يروا المنازل ولن يتحدثوا مع أصحاب البيوت،


فكيف سيكون التقدير غير جزافي؟؟

هل يملكون بلورة سحرية تعرّفهم قيمة كل بيت من مكاتبهم؟!!

ألم يكن أوْلى توفيرها وخصمها من هذه الأموال التي صُرفت على هذه الإعلانات بهذه الغزارة

-في كل هذا العدد من القنوات وفي أوقات عرض استراتيجية مميزة-


ويظل السؤال مرة أخرى معلّق

الضرائب المفروضة على البشر أو توفير منازل لهم من الأساس؟؟

تركنا إعلانات الضريبة العقارية، لننتقل لآخر الملتحقين بحملة الإعلانات الحكومية -وليس آخرهم- وهي سكك حديد مصر وحملة إعلانات:

"المواطن اللي على حق.. يقول للغلط لأ"،

والحقيقة أنني أشيد بصانع هذه الإعلانات في نقطة هامة فهو ذكي بما فيه الكفاية؛

لأنه يعرف أن المواطن الذي يتكلّم عنه لن يهتم بإعلانه هذا، ولن يُغيّر من سلوكه لمجرد أن الإعلان طلب منه ذلك.

ولكن فاته أمر آخر بسيط أن المواطن العادي الذي لا يفعل ذلك، لن يهتم أيضًا بأن يقول للغلط لأ أو آه، فالمواطن تشغله أمور أكثر أهمية من أن يقول

لمن "يسطّح" فوق القطار لا تفعل أو أن يُنبّه المتواجدين بين العربات بأن ما يفعلونه خطأ

، والحقيقة أن هذه ليست وظيفته أساسًا، حيث إن عدداً من مرتكبي مثل هذا السلوك في الأساس بلطجية يؤمنون بأخذ الحق -وربما غير الحق-

بالذراع، ولن يُخاطر أي شخص بأن يكون مواطناً على حق ويتلقى سكينة في صدره أو بطنه أو لكمة على أقل تقدير، هذا دور الشرطة والأمن. وأموال

هذه الحملة الضخمة التي وصلت حتى للإذاعة حتى صارت تطاردنا تمامًا كان أوْلى توفيرها واستخدامها في توفير أفراد أمن مرخّصين وظيفتهم أن

يقولوا للغلط لأ.. وأن يستطيعوا أن يتحمّلوا تبعات هذا القول، ولن أتكلم بالطبع عن توفير هذه الأموال لتحسين خدمة القطارات حتى لا يتهمني أحد

بالجنون!!

خلاصة القول إن ملايين الجنيهات التي تُصرف بإسراف وبزغ غير عاديين على حملات إعلانية، إما غير منطقية أو غير مجدية أو مستفزة،

ولا تسبب أي عائد على الدولة والمواطن، في حين أن هذه الملايين كان يمكن أن تستخدم في أمور نافعة -حقًا- وبعيدة عن هذه الحملات الاستعراضية.

والغريب أن أموراً كثيرة يحتاج المواطن للتوعية الكافية منها، لم نرَ لها أثراً في إعلانات التلفاز ولا حتى بتنويه غير مبهرج يوعي المواطن بحقوقه،

فمثلاً قد نشأت مؤخراً مشكلة عسيرة للمئات من المواطنين،

بعد القانون رقم 4 الخاص بتحديد العلاقة بين المالك والمستأجر لعام 1996،

والذي من ضمن ما أحدثه من تغييرات أنه غيّر معنى كلمة "مشاهرة" التي كانت تُكتب بالعقود منذ قديم

الأزل، فلقد اعتاد المتعاقدون منذ بدء البشر يأجرون منازل للسُكنى في مصر بأن يكتبوا في مدة العقد كلمة "مشاهرة

وهذه الكلمة كانت تعني أن مدة العقد ستون عاماً أو على وجه التحديد 59 عامًا، وهي أطول مدة لعقد عقود الإيجار، ولكن بعد تواجد قانون 1996

أصبحت معنى كلمة مشاهرة "شهر واحد".


تم هذا بلا أي تنبيه أو تنويه لأي مواطن، ولذلك ظل معظم المواطنين يكتبون عقودهم بعد عام 1996 بصيغة كلمة مشاهرة،

لتفاجأ المحاكم بمئات القضايا المرفوعة على مئات الأسر لطردهم من منازلهم،

بحجة أن عقد الإيجار كان مشاهرة أو لمدة شهر واحد، رغم أن أصحاب هذه الشقق قد دفعوا مبلغاً هائلاً "خلو"

ليحصلوا على شقة إيجار قديم في ظنهم،

وبهذا الشكل سنجد عشرات المواطنين بأسرهم في القريب العاجل يفترشون الطرقات بعد أن اكتشف بعض المُلّاك هذه الثغرة الممكن النفاذ منها

بطرد هذه الأسر وإعادة تمليك الشقق، وانتشر الخبر من مالك لآخر حتى أصبحت موضة هذا العام هي طرد الأسر من شققها بحجة

"المشاهرة".

لماذا لم يهتم أي شخص بأن يضع تنويهاً إعلانياً واضحاً للمواطنين يُبين لهم فيه أن ينتبهوا عند كتابة العقود الجديدة لتكون العقود صحيحة

(خاصة أن عقود الإيجار لا تتم عن طريق محامي) وليكشفوا للمستأجر عن الكارثة التي يمكن أن يقع فيها؟!!

-ربما لأن ذلك يقع بالفعل في مصلحة المواطن!!


قِس مرة أخرى عشرات المواقف التي كانت تحتاج إلى تنويه أو توضيح إعلاني من قِبل الحكومة للمواطن،

وما كان هذا الإعلان سيتكلف عُشر ما تتكلفه الإعلانات الحالية، فقط تنويه توضيحي للمواطن، ولكن هذا لا يحدث أبدًا!!

الحقيقة أن المصري اللي على حق بالفعل الآن،

عندما يفتح التلفاز هذه الأيام يقول: "يا ساتر يا ساتر"،

من سيل الإعلانات التي يصطدم بها والذي يتخيّل -أي المصري

- أنها لو وجهت أموال هذه الإعلانات فيما يفيده لكان عاش صح..


لذا ربما حان الوقت لنقول لبعض مسئولي الحكومة: "احسبوها صح علشان حنعيشها صح"!