المكان: أمام مسجد أل رشدان المجاور لبوابة ستاد القاهرة الدولي تخرج مجموعة من الجماهير الجزائرية الغاضبة على خسارة فريقها أمام المنتخب المصري ووصول الأخير لبطولة كأس العالم...، يقوم مشجع جزائري بحرق العلم المصري يتبعه مشجه آخر بحرق تي شيرت منتخب مصر مما أحدث سحابة دخانية كثيفة جذبت مجموعة من المشجعين المصرين الذين انتشر في تفوسهم الغضب كما ينتشر النار في الهشيم فور علمهم بماهية الأشياء التي يتم حرقها، فقاموا على الفور باستخراج العصي البلاستيكية والخشبية المدعمة للأعلام، وعَلى صوت ارتطام العصي الذي يختلط أحيانا بأصوات سباب مصري أصيل وآخر جزائري فرنسي دارج غير مفهوم، بينما تلطخت العصي بالدماء، تدحل الأمن، ألقيت القنابل المسيلة للدموع، نداءات مستمرة لسيارات الإسعاف، وفاة مشجعَيْن أحدهما مصري والآخر جزائري، وإصابة 50 مشجعا من الطرفين، تبددت فرحة المصريين بالوصول لكأس العالم حزنا على الموتى والجرحى، وتضاعف حزن الجزائريين بعدم الوصول إلى كأس العالم بفقدانهم واحدا منهم.[img width=700 height=466]http://boswtol.com/sites/default/files/09/Nov/45/awel-kelma.jpg[/img]



هذه ليست أحداثا واقعية، ولكن حدوثها سيكون أمرا مفروغا منه لو استمر الوضع على ما هو عليه، حتما ستكتب كلمة النهاية بدماء المشجعين، لو استمرت البذاءات هي البضاعة الوحيدة التي يُصدرها الإعلام الجزائري لمصر، واستمر الإعلام المصري في الرد بالمثل؛ فلن يختلف المشهد الحقيقي عن ذاك المتخيل أعلاه، الحكاية نحكيها ببساطة ألا وهي: أن المنتخبين المصري والجزائري وصلا في بطولة تصفيات كأس العالم "إلى نقطة وجب فيها أن يعبُر أحدهما فوق الآخر إلى جنوب إفريقيا حيث بطولة كأس العالم القادمة 2010، وكنتيجة لما سبق، حدثت أشياء تتساوى في بذاءتها مع الحروب النفسية التي تتم بين الدول المتحاربة نعرض لبعض منها تفصيلا وآخر إجمالا...



الجماهير والإعلام الجزائري (قطاع عريض منه وليس كله) اعتبرت مسألة الحرب النفسية واللفظية عاملا ضروريا من عوامل النصر في ملحمة 14 نوفمبر حيث يلتقي الفريقان باستاد القاهرة الدولي، والتي يحتاج فيها منتخب الفراعنة للفوز بفارق ثلاثة أهداف حتى يتأهل لكأس العالم، ويكفي الأخضر الجزائري الفوز أو التعادل أو الخسارة بفارق هدف بينما خسارته بفارق هدفين سوف تعني اللجوء إلى مباراة فاصلة.



فكان ما لم يتوقعه كثيرون، قامت الجماهير الجزائرية بحرق العلم المصري وتي شيرت المنتخب المصري وصوّرت هذه الفعلة مصحوبة بأغنية مفعمة بالسباب للمصريين وادّعوا أن المصريين نالوا ما يستحقون في هزيمة عام 1967، وأن الصهاينة عاودوا ضربتهم ونصرهم في حرب عام 1973، وتعجبت الأغنية ذاتها من تسمية المصريين لعاصمتنا بقاهرة المعز؛ حيث إن المعز لدين الله كان خليفة شيعياً وليس رجلا سنيا، وقامت أيضا بتوجيه السباب الصريح لصاحب هدف مصر في مباراة الجزائر عام 1989-حسام حسن- والتي تأهلنا بفضلها إلى كأس العالم 1990 في إيطاليا، ولم يتوقف الأمر بهم عند هذا الحد؛ بل قامت مجموعة أخرى من الجماهير الجزائرية بنشر صور للاعبي المنتخب المصري برؤوس لفنانات مصريات ولبنانيات ونشرتها على مختلف المواقع والمنتديات على الإنترنت.



الإعلام الجزائري هو الآخر لم تسلم يداه مما فعله عدد كبير من الجماهير الجزائرية، وكان أكثر أفعاله فجاجة هو قيام صحيفة الشروق الجزائرية بتحريف سورة يوسف ووضع أسماء المدرب المصري حسن شحاته ولاعبي المنتخب الجزائري محل الكلمات المقدسة، في حين أذاعت جريدة الهداف الجزائرية أن خلفية المفتي العائلية لها أصول جزائرية.


المفترض أن المباراة هي مباراة كرة قدم وهي رياضة والرياضة أساسها التسامح، هذا إذا كان الحال بين دولتين لا يجمعها أي رابط عرقي أو ديني أو لغوي، فكيف هو الحال إذن بين دولتين لهما خلفيات دينية وعرقية ولغوية مشتركة، بين دولة شاركت في إنقاذ اللغة العربية في الجزائر هي مصر.. بين دولة هي من ألّفت ولحّنت النشيد الوطني للجزائر.. بين دولة ساهمت ماديا ومعنويا وبشريا في ثورة الخضراء الحرة.. كيف حوّلت مباراة كرة القدم فجأة مصر لدولة معادية يُحرق علمها كما يحرق الأشقاء في فلسطين علم الصهاينة في الأراضي المحتلة؟ كيف تحول الصدام الرياضي لصدام حضارات ينال فيه من رموز الشعب المصري وأصوله التاريخية -الدولة الفاطمية- بل ولا يمنع ذلك أن يقلب الأخوة الأشقاء الانتصار الذي شارك ويفخر به العرب جميعا -انتصار 1973- إلى هزيمة في قلب واضح وظالم للحقائق؟ لم يجد معه الإعلامي عمرو أديب بدّا من الدعوة عليهم قائلا: ربنا ينكد عليهم -في إشارة منه إلى المباراة المرتقبة في الرابع عشر من نوفمبر-هذا ما وصل الحال بنا إليه.



التاريخ الرياضي بين البلدين ربما يكون مشحونا بعض الشيء، شئنا أم أبينا هذه هي الحقيقة، الحقيقة التي تقول إن لاعب المنتخب الجزائري الأخضر البلومي تعدّى بالضرب على طبيب الجهاز الفني وأحدث به عاهة مستديمة في مباراة الفريقين في موقف مشابه عام 1989وصدر على إثره حكم من القضاء المصري بالسجن ومَنَعَه من دخول مصر لسنوات امتدت حتى لحظة كتابة هذه السطور، التاريخ الذي يقول بأن أتوبيس لاعبي المنتخب المصري لقي من التكسير ما يكفي ويفيض في مباراة الذهاب في التصفيات ذاتها، التاريخ الذي يشهد بتعدي حسام حسن على الحكم الرابع في بطولة شمال إفريقيا بين فريقي شباب بجاية والمصري وأوقف على إثرها من الاتحاد الإفريقي.



ولكن هل كل ما سلف يعني أن تتحول مصر لإسرائيل العرب، وألا ينفصل اسمها في أي جملة جزائرية مفيدة عن لقب الحرامية، وأن يتنصل من زيارتها أحد كبار الإعلاميين الجزائريين، مؤكدا في أحد أعمدته أنه يحرص دائما ألا يلوث جواز سفره بتأشيرة دخول الأراضي المصرية.. طب وبعدين.. إلى أين.. آخرتها إيه؟.. رايحين على فين؟!!!



تفتكر كأس العالم هو سبب كراهية الجزائريين لنا أم شيء آخر؟!!

تفتكر مصر -كشعب أو نظام أو رموز- استفزّت الجزائريين للوصول إلى ما هم عليه الآن؟

هل فيه أمل إن علاقتنا بيهم تتغير ولاّ عليه العوض؟

noraaaam