جعل ابن عربي الحب على ثلاث مراتب: حب طبيعي وهو حب العوام,وغايته الاتحاد في الروح الحيواني.فتكون روح كل واحد منهما روحاً لصاحبه بطريق الالتذاذ وإثارة الشهوة ونهايته من الفعل النكاح,فإن شهوة الحب تسري في جميع المزاج سريان الماء في الصفوة.بل سريان اللون في المتلون,وحب روحاني نفسي,وغايته التشبه بالمحبوب مع القيام بحق المحبوب ومعرفة قدره,وحب إلهي وهو حب الله للعبد وحب العبد لربه,كما سبحانه يحبهم ويحبونه ونهايته من الطرفين أن يشاهد العبد كونه مظهراً للحق.وهو لذلك الحق الظاهر كالروح للجسم باطنة.وغيب فيه لأنه لايدرك أبداً ولايشهده إلا محب,وان يكونالحق مظهراً للعبد,فيتصف بما يتصف به العبد من الحدود والمقادير والاعراض,حينئذ يكون محبوباً للحق,وإذا كان الامر كما قلنا,فلا حد للمحب يعرف به ذاتي,ولكن يجد بالحدود الرسمية واللفظية لاغير,فمن حد الحب ما عرفه,ومن لم يذقه شرباً ماعرفه,ومن قال:رويت منه ماعرفه,فالحب شرب بلاوعي.

وقد يكون الحب طبيعياً والمحبوب ليس من عالم الطبيعة,ولايكون الحب طبيعياً إلا اذا كان المحب من عالم الطبيعة لابد من ذلك.وذلك أن الحب الطبيعي سببه نظرة أو سماع فيحدث في خيال الناظر مما رآه إن كان المحبوب ممن يدركه البصر,وفي خيال السامع مما سمعه فحمله على نشأته فصوره في خياله بالقوة المصورة,وقد يكون المحبوب ذا صورة طبيعية مطابقة لما تصوره في الخيال بالقوة المصورة أو دون ذلك أو فوق ذلك,وقد لايكون للمحبوب صورة,ولايجوز ان يقبل الصورة فيصور هذا الحب من السماع ما لايمكن أن يتصور,ولم يكن مقصود الطبيعة في تصوير ما لايقبل الحصر والصورة إلا اجتماعها عن أمر محصور ينضبط لها مخافة التبديد والتعلق بما ليس في اليد منه شيء فهذا هو الداعي من تصوير من ليس بصورة أو من تصوير من ليس يشهد له صورة وإن كان ذا صورة وفعل الحب في هذه الصورة أن يعظم شخصها حتى يضيق مجال الخيال عنها فيما يخيل اليه,فتشتد تلك العظمة والكبر التي في تلك الصورة نحولاً في بدن المحب فلهذا تنحل أجساد المحبين فإن مواد الغذاء تنصرف اليها.فتعظم,وتقل عن البدن فيتحيل فإن حرقة الشوق تحرقه فلايبقى للبدن مايتغذى به,وفي ذلك الاحتراق نمو صورة المحبوب في الخيال,فإن ذلك أكملها,ثم أن القوة المصورة تكسو تلك الصورة في الخيال حسناً فائقاً وجمالاً رائقاً يتغير لذلك الحسن صورة المحب الظاهرة,فيصفر لونه وتذبل شفته وتغور عينه ثم أن تلك القوة تكسو تلك الصورة قوة عظيمة تأخذها من قوة بدون المحب تجعله يحب لقاء محبوبه ويجبن عن لقائه,لأنه لايرى في نفسه قوة بدن المحب تجعله يحب لقاء محبوبه ويجبن عن لقائه,لأنه لايرى في نفسه قوة للقائه,ولهذا يغشى على المحب إذا لقي المحبوب ويصعق ومن فيه فضلة,وحبه ناقص يعتريه عند لقاء محبوبه ارتعاد وخبل...

ثم إن قوة الحب الطبيعي تشجع المحب بين يدي محبوبه له لاعليه,فالمحب شجاع مقدام,فلا يزال هذا حاله مادامت تلك الصورة موجودة في خياله الى أن يموت وينحل نظامه,أو يزول عن خياله فيسلو,ومن الحب الطبيعي أن تلتبس تلك الصورة في خياله,فتلصق بصورة نفسه المتخيلة له وإذا تقاربت الصورتان في خياله تقارباً مفرطاً,وتلتصق به لصوق الهواء بالناظر,يطلبه المحب في خياله فلا يتصوره,ويضيع ولاينضبط له للقرب المفرط,فيأخذه لذلك خيال وحيرة مثل ما يأخذ من فقد محبوبه,وهذا هو الاشتياق والشوق من البعد والاشتياق من القرب المفرط.

والمحبوب يعلل أفعال المحب بأحسن التعليل,لأنه ملكه,فيريد أن يظهر شرفه وعلوه حتى يعلو المحبوب,إذ هو المالك,وهو يحب الثناء على نفسه,وهذا كله من أعجب الأشياء أن المعنى أوجب حكمة لمن لم يقم به,وهو المحبوب فإنه أثر فيه حب المحب كما أثر في المحب,وكذلك الحب لايجتمع مع العقل في محل واحد,فلا بد وأن يكون حكم الحب يناقض حكم العقل,فالعقل للنطق والهيام للخرس,ثم انه من شأن الحب الطبيعي أن تكون الصورة التي حصلت في خيال المحب على مقدار المجال الحاصلة فيه بحيث لايفضل عنها منه ما يقبل به شيئاً أصلاً,وإن لم يكن كذلك فما هي صورة الحب,أو بهذا تخالف صورة الحب سائر الصور.

وإن الحب كان سبب إيجاد العالم,فطابق الأسماء الإلهية,ولولا تعشق النفس بالجسم ماتألم عند مفارقته مع كونه ضداً له فجمع بين المقادير والأحوال لوجود النسب والأشكال,فالنسب اصل وجود الأسباب,وإن كانت الأرواح تخالف الأشباح والمعاني تخالف الكلمات والحروف,ولكن تدل الكلمة على المعنى بحكم المطابقة بحيث لو تجسد المعنى لما زاد على كمية الكلمة ومثل هذا النوع يسمى حباً.

وأما الحب الروحاني فخارج عن هذا الحد وبعيد عن المقدار والشكل,وذلك أن القوى الروحانية لها التفات نسبي فمتى عمت النسب في الالتفاتات بين المحب والمحبوب عن نظر أو سماع أو علم.كان ذلك الحب,فإن نقص ولم يستوف النسب لم يكن حباً,ومعنى النسب أن الارواح التي من شأنها أن تهب وتعطي تتوجه على الارواح التي من شأنها أن تأخذ وتمسك,وتلك تتألم بعدم القبول,وهذه تتألم بعدم الفيض,وإن كان لاينعدم إلا أن كونه لم يكمل شروط الاستعداد والزمان سمي ذلك الروح القابل عدم فيض,وليس بصحيح فكل واحد من الزوجين مستفرغ الطاقة في حب الآخر,فمثل هذا الحب إذا تمكن من المحبين لم يشك المحب فرقة محبوبه,لأنه ليس من عالم الأجسام ولا الأجساد,فتقع المفارقة بين الشخصين أو يعتثر فيه القرب المفرط,كما فعل في الحب الطبيعي,فالمعاني لاتتقيد ولاتتحير ولايتخيلها إلا ناقص الفطرة فإنه يتصور ما ليس بصورة,وهذا هو حب العارفين الذين يمتارون به من العوام أصحاب الاتحاد,فهذا هو محب شبه محبوبه في الافتقار لا في الحال والمقدار,ولهذا يعرف المحب قدر المحبوب من حيث ما هو محبوب.

وأما الحب الإلهي فمن اسمه الجميل والنور فيتقدم النور الى أعيان الممكنات فينفي عنها ظلمة نظرها الى نفسها وإمكانها فيحدث لها بصراً هو بصره إذ لا ترى إلا به فيتجلى لتلك العين بالاسم الجميل فتعشق به,فيصير عين ذلك الممكن مظهرا له,فتبطن العين من الممكن فيه أو تغني عن نفسها فلا تعرف أنها محبة له سبحانه أو تفنى عنه نفسها,فلا تعرف أنها مظهر له سبحانه مع كونها على هذه الحالة,وتجد من نفسها أنها تحب نفسها,فإن كل شيء مجبول على حب نفسه وما تم ظاهر إلا هو في غير الممكن,فما أحب الله إلا الله والعبد لايتصف بالحب أو لاحكم له فيه,فإنه ما أحبه منه سوى الظاهر فيه,وهو الظاهر,فلا يعرف أيضاً أنها محبة له فتطلبه,وتحب أن تحبه من حيث أنها ناظرة الى نفسها بعينه فنفس حبها أن تحبه هو بعينه جماله,ولهذا يوصف هذا النور بأنه له أشعة أي أنه شعشعاني لامتداده من الحق الى عين الممكن ليكون مظهراً له بنصب الهاء لااسم فاعل فإذا جمع من هذه صفته بين المتضادات في وصفه,فذلك هو صاحب الحب الإلهي,فإنه يؤدي الى الحاقه بالعدم عند نفسه كما هو في نفس الأمر,فعلامة الحب الإلهي,حب جميع الكائنات في كل حضرة معنوية أو حسية أو خيالية أو متخيلةوولكل حضرة عين من اسمه النور ينظر بها الى اسمه الجميل,فيكسوها ذلك النور حلة وجود فكل محب ماأحب سوى نفسه,فما تعلق المحبة إلا بما ظهر وهو الظاهر فيها,فتلك النسبة بين الظاهر والمظاهر هي الحب ومتعلق الحب إنما هو العدم,فمتعلقها هنا الدوام,ولما كان الحب من صفات الحق,حيث قال يحبهم,ومن صفات الخلق حيث قال ويحبونه اتصف الحب بالعزة لنسبته الى الحق ووصف الحق به وسرى في الخلق بتلك النسبة العزية فأورثت في المحل ذاته من الطرفين,فلهذا ترى المحب يذل تحت عز الحب لاعزة المحبوب,فإن المحبوب قد يكون مملوكاً للمحب مقهور تحت سلطانه,ومع هذا تجده يذل له المحب فعملنا أن تلك عزة الحب لاعزة المحبوب...

فالمحب في حكم الحب لا في حكم المحبوب,وهي من صفته,وصفته عينه,فعينه تحكم عليه لاأمر زائد فلانقص غير أن أثره في المخلوقين التلاشي عند استحكامه لأنه يقبل التلاشي,فلهذا يتنوع العالم في الصور فيكون في صوره,فإذا أفرط فيها الحب من حيث لايعلم وحصل التجلي من حيث لايظهر تلاشت الصورة وظهرت في العين صورة أخرى.

فحب الله لاينكر على محب حب من أحب فإنه لايرى محباً إلا الله في مظهر ما,ومن ليس له هذا الحب الإلهي فهو ينكر على من يحب...وانه يستحيل أن يحب الله تعالى في أحد,فإن الحق لايمكن أن يضاف اليه,ولا الى ما يكون منه نسبة عدم أصلاً,والحب متعلقة العدم,فلا حب يتعلق بالله من مخلوق,لكن حب الله يتعلق بالمخلوق لأن المخلوق معدوم,فالمخلوق محبوب لله أبداً دائماً,وما دام الحب لايتصور معه وجود المخلوق فالمخلوق لايوجد أبداً فأعطيت هذه الحقيقة أن يكون المخلوق مظهراً للحق لاظاهراً,فمن أحب شخصاً بالحب الإلهي,فعلى هذا الحد يكون حبه إياه فلا يتقيد بالخيال ولاالجمال,ولابحال ما فإنها كلها موجودة له,فلا يتعلق الحب بها,فقد بان الفرقان بين المراتب الثلاث في الحب,واعلم أن الخيال حق كله والتخيل منه حق,ومنه باطل.

وأما كأس الحب فالجواب هو القلب من المحب لاعقله ولاحسه,فإن القلب يتقلب من حال الى حال,كما أن الله الذي هو المحبوب في أفعاله كالكأس الزجاجي الأبيض الصافي,فيتنوع بحسب تنوع المائع المحال فيه,فلون المحب لون محبوبه,وليس هذا إلا للقلب فإن العقل من عالم التقييد,ولهذا سمي عقلاً من العقال.
والحس معلوم بالضرورة انه من عالم التقييد بخلاف القلب,وذلك أن الحب له أحكام كثيرة مختلفة متضادة فلا يقبلها إلا من قوته الانقلاب معه فيها,وذلك لايكون إلا القلب.

وإن الله جميل يحب الجمال,وهو يحب العالم,فلاشيء اجمل من العالم,وهو جميل والجميل محبوب لذاته,فالعالم كله محب لله وجمال صنعه سار في خلقه,والعالم مظاهره,فحب العالم بعضه بعضاً حب من حب الله نفسه,فإن الحب صفة الموجود,وما في الوجود إلا الله والجلال والجمال لله من الأوصاف الذاتية في نفسه وفي صنعه والهيبة التي هي من أثر الجلال والأنس الذي هو من أثر الجمال,نعتان للمخلوق لا للخالق,ولا مما يوصف به ولايهاب ولايأنس إلا موجود,ولاموجود إلا لله,فالأثر عين الصفة والصفة ليست مغايرة للموصوف في حال اتصافه بها بل هي عين الموصوف.