وراء كل عظيم امرأه ... صدى الماضى الحاضر ؟؟

لعل أي امرأة لن تعارض هذا الرأي، ولن تعترض على أن في يد المرأة إسعاد أسرتها أو إشقاءها، وخاصة الزوج الذي هو دعامة الأسرة، فإن أسعدته سعدت الأسرة واستقرت والعكس بالعكس فتنهار الأسرة بشقاء الزوج. هذه الحقيقة التي لا تعرفها المرأة في هذا العصر الذي أصيبت به بالأنانية، وهذه الحقيقة هي أن إسعاد الزوج لا يتطلب جهداً كبيراً، فهو الذي إذا أحاطته زوجته بالرعاية الحقة والحنان الوافر، مع الإدارة السليمة لاقتصاد الأسرة دون إسراف وتبذير، عند ذلك تصنع منه رجلاً محباً لأسرته، ناجحاً في حياته، نافعاً في بيئته، وما أكثر ما صنعته السعادة الزوجية التي تكونها المرأة، وما أكثر ما صنعت من عظماء الرجال، لذلك قيل: ((وراء كل عظيم امرأة ... )).

ـ إثنان من العظماء:

وهنا يجب أن نوضح أن صنع الرجل العظيم لا ينحصر بالزوجة تجاه زوجها بل إن هذه القدرة المتفوقة عند المرأة الذكية المخلصة تشمل الأم أيضاً بالنسبة لابنها.
ومن هذه النساء والدة الرجل العالمي أديسون المخترع العظيم فهو عندما كان صبياً، كان بالغ الكسل في المدرسة وكان المسؤول يطرده دائماً من المدرسة عندما يسقط في دروسه كلها. فكانت أمه ترجعه إلى المدرسة بتوسلات ووسائط حتى ـ أخيراً ـ لم تعد المدرسة تقبله بأي حال من الأحوال، فأخذته أمه بيدها راجعة إلى البيت وحولها أولاد المدرسة يصيحون بها (يا أم الكسلان) ويكررون الصياح ضاحكين هازجين.

ولكن قدرة حواء على تحدي النوائب والخطوب، هذه القدرة التي تكمن في الكثيرات من الذكيات المخلصات، جعلتها تقف شامخة أمام مصيبة ولدها في المدرسة وخسارته لمستقبله، فاشترت له ما يلزم من الكتب وراحت تعلمه كل البرامج المدرسية بجد واجتهاد وصبر وإرادة لا توجد إلا عند حواء العاطفية الذكية الخلاقة المبدعة التي تذيب نفسها كالشمعة لتنير طريق من تحب.
وأمام هذا الجهد الجبار، كانت المصيبة تتراجع شهراً بعد شهر وسنة بعد سنة حتى وجدت من ولدها ذلك العالم المفكر الجاد الراسخ في مجال الاختراع وإنارة الطريق أمام الفكر الإنساني المتوثب الصاعد.

لا أريد أن أشرد عن الموضوع ولكن أحب أن أبين شدة ذكاء المرأة وإخلاصها في بناء مَن تحب، وأنها طبعاً ستنجح في بناء السعادة الزوجية على هذا الأساس من الذكاء والتصميم.
وأعرف هنا في عهدنا الحاضر أماً كانت تحمل على ظهرها ولدها المقعد إلى المدرسة ولم تتركه بدون تعليم حتى بلغ الحادية عشرة عندما شفي وتابع دراسته الناجحة التي رفعته في سلك الحقوق. والشواهد كثيرة من بناتنا العربيات وفي التاريخ القديم نذكر زوجة النبي أيوب (ع) التي ظلت تخدمه في مرضه الشديد سبع أو ثماني سنوات بكل إخلاص وبدون كلل أو ملل.

وإذا قلت شيئاً آخر فعلته إحدى الزوجات بكل مشقة وجهد لكي تحافظ على حياتها الزوجية ومستقبل أطفالها فإن من الصعب أن يصدقه أحد، وهو أن امرأة تزوج زوجها بأخرى في غيابها في بلد آخر عند أهلها. وعندما رجعت كان المعارف ينتظرون المعارك التي ستقوم بينها وبينه. ولكن لم يحد شيء من هذا. وإنما الذي حدث، كما قال هو نفسه بلهجة كلها مرح وتقدير لأخلاقها العالية وعقلها الرصين، قال: لم أجد عندها إلا بيتاً نظيفاً مرتباً واستقبلتني بالبشاشة واللطف والأدب والتهذيب فقبلت يدي على عادتها وأجلستني في المكان المريح الذي هيأته بشكل اعتادت أن تعده لي في بدء زواجي بها ووجدتها طبخت لي الطعام الذي تعرف أنني أحبه. .

ثم لم تأت إطلاقاً على ذكر زواجي الثاني مع أنني كنت متأكداً من أن شقيقتي وغيرها كانوا أخبروها به ثم أخبروني بأنها لم تعلق بأية كلمة على هذا الزواج وإن كان قدا بدا على وجهها الألم الشديد، ولكنها ضغطت على نفسها كثيراً لكي لا تظهر شيئاً أمامهم تبعاً لتعلقها الذي فرض عليها أن تحافظ على هدوء بيتها ومستقبل أطفالها وحياتهم في كنف والدهم. ورأيت من استقبالها الباش لي أنها تفضل العطاء الدائم كما كنت أعرفها قبلاً وهي تبادل السيئة بالحسنة فاحترمتها جداً وعشت بسمو أخلاقها هذه حتى أخيراً رأيت نفسي أفضلها على كل امرأة في العالم بما فيهن هذه الثانية التي تزوجتها. والتي تضاءل تأثيرها في نفسي وكل أحاسيسي أمام السعادة النفسية التي رأيتها من هذه الزوجة بتسامحها معي وسعيها لإسعادي الذي ظل كما كان عند بدء زواجنا، لم يغيره زواجي الثاني ولم يضعفه، فرأيتني أمام درس لا أنساه من هذه الزوجة الودود الولود السامية النفس والعقل والوجدان، ما جعلني أترك المرأة الأخرى وأحيا معها ولها.