كانت تلك القرية تنعم بالهدوء وجميع سكانها ترتسم على وجوههم ابتسامة الرضا وكانوا كلهم يعملون بجد ونشاط إلا ذلك الغ ريب الذي طرأ عليهم واستقر في القرية وادعى انه يعالج الأمراض وان لديه قدرة عجيبة على تخليص المرضى من أمراضهم المستعصية , واقتنع أهل القرية البسطاء بهذا الغريب الذي استطاع أن يقنعهم بقدراته المزعومة بتحايله عليهم . وذات يوم اشتكي أحد الفلاحين من سرقة نقوده التي كان يحتفظ بها في منزله واتجه الى عمدة القرية باكيا رافعا صوته الحزين وكلماته تخرج مبعثرة : لقد سرق أحدهم أموالي يا حضرة العمدة كل ما ادخرته للزواج سرقة اللص .. لم يدع قرشا واحدا .. أنقذني يا حضرة العمدة . اطرق العمدة برأسه يتأمل الأرض قليلا قبل أن يرفع وجهه إلى الفلاح قائلا : اخبرني بصدق هل هناك أحد يدخل منزلك أو يسكن معك ؟ أجابه الفلاح في سرعة : كلا يا سيادة العمدة أنا اسكن وحدي في أطراف القرية وكل صباح اخذ الفأس واتجه إلى الحقل اعمل فيه حتى غروب الشمس ثم أعود متعبا لارتمى على فراشي حتى يأتي الصباح . وهنا سأله العمدة : هل تشك في أحد معين ؟ أجابه الفلاح بسرعة : لا يا حضرة العمدة .. فكل سكان القرية أخوتي وأحبابي وهنا أشار إليه العمدة قائلا : انصرف الآن وحينما نتوصل لشيء سوف نخبرك . ولم يمضى نهار ذلك اليوم حتى فوجئ العمدة ببعض سكان القرية يأتون مهرولين وكل منهم يخبره بنفس القصة .. أحدهم سرق أموالهم ليلة أمس .. وسقط العمدة في حيرة فالقرية هادئة لا يوجد فيها لصوص والكل يعمل حتى يكسب وينفق على نفسه وعياله من يا ترى التي تسلل ليلا وسرق منازل الفلاحين البسطاء . وظل العمدة طوال الليل ساهرا أفكاره تتأرجح ذات اليمين وذات الشمال لا يجد حلا لتلك القضية . في صباح اليوم التالي فوجئ أهل القرية بذلك الغريب الذي استقر في القرية مؤخرا وقد خرج من كوخه وهو يصيح بصوت عال : الجن أعلن الحرب عليكم .. الجن يسكن بيوتكم ويسرق أموالكم وقد يقتل أولادكم .. سارعوا إلى إرضائه واتقاء شره .. خذوا منى الأحجبة التي ستطرد الجن من منازلكم ليعود لكم الهدوء . لم يهتم الكثير من أهل القرية بهذا النداء ولكن بعضهم شعر بالخوف من حديث ذلك الدجال واتجهوا إليه كي يصنع لهم الأحجبة التي تحميهم من العفاريت ودفعوا له الكثير مقابل هذه الأحجبة .. وما هى إلا ساعات من بداية الليل حتى استيقظ أهل القرية على صوت صراخ وعويل ورائحة الدخان تملأ المكان لقد كان بيت أحدهم يحترق ولم يكن هناك سبب ظاهر وكان العمدة يقف متحيرا مع أهل القرية الذين يحاولون جاهدين إطفاء الحريق دون جدوى .. وفي هذه الأثناء ظهر الدجال وهو يصرخ في قوة : الجن اخذوا أموالكم وها هم يحرقون بيوتكم وغدا سيأتى الدور على أولادكم . وهنا ذهب الجميع إلى منزل ذلك الدجال وأعطوه الكثير من الأموال ليصنع لهم الأحجبة حتى لا يقتل الجن أولادهم . ولكن عمدة القرية الذكي لم يقتنع أن هذه الأفعال صادرة من الجن .. انه ذلك الدجال الغريب الذي يحاول أن ينصب على أهل القرية البسطاء .. ولكن كيف يكشفه .. كيف ؟ وهنا برزت في ذهنه فكرة قرر تنفيذها على الفور فنادى على أحد الحرس وهمس إليه في أذنه ببعض الكلمات ثم دخل إلى غرفته بسرعة وارتدى ملابسا قديمة كان يضعها في أحد الصناديق ووضع على ذقنه لحية مستعارة طويلة ووضع حول رقبته الكثير من العقود وأمسك في يده مسبحة طويلة ثم خرج في ظلام الليل يطرق كل أبواب القرية وهو يعلم أن أحدا من أهل القرية لن يعرفه لأنه متنكر , وكلما طرق على باب من أبواب القرية أخبر صاحبه أنه شيخ أتى من بلاد بعيدة كي يخبرهم عمن يفعل فيهم هذه المصائب وبمن يسرق ويحرق ويقتل , وحينما يسأله أحدهم عن الفاعل يبتسم قائلا : في الصباح ستعرفون كل شئ . ولم تنم القرية بأكملها حتى أشرق نور الصباح واتجه أهل القرية إلى الساحة الواسعة ليجدوا العمدة المتنكر في صورة شيخ وقد بدأ يصرخ وهو يشير بإصبعه إلى حذاء قديم موضوع على الأرض قائلا : أيها الحذاء القديم .. تكلم .. أخبرنا من يفعل كل هذه الشرور في أهل القرية الطيبة . وهنا حدثت المفاجأة .. نطق الحذاء في صوت ضعيف : لن يصدق أهل القرية ولكنني سأخبرهم أيها الشيخ الطيب . وظهرت علامات الترقب على وجوه أهل القرية وبدأ الدجال الغريب يبتلع ريقه في صعوبة وقد تأكد أنه أمام ساحر قدير , وأخذ يتطلع إلى الحذاء في خوف بينما تابع الحذاء العجيب حديثة قائلا : يا أهل القرية البسطاء لقد كنتم تعيشون في حب حتى أتى إليكم شخص شرير سرق أموالكم وحرق بيوتكم وألقى التهمة على الجن كي يصنع لكم الأحجبة وتدفعون له أموالكم انه ذلك الدجال الغريب الذي أتى إليكم .. أخرجوه من القرية . وهنا اتجهت العيون إلى ذلك الدجال الغريب الذي بدأ يرتعد في خوف وهو يقول : لا تصدقوا هذا الحذاء انه يكذب . وهنا تكلم الحذاء مرة أخرى قائلا : هل ستعترف وترد لهم أموالهم أم أقتلك ؟ وهنا صرخ الدجال في رعب : لا ..سأعترف .. سأعيد لهم كل ما سرقته . أنا اللص أنا اللص وهنا خلع العمدة ثياب التنكر واللحية المستعارة وهو يشير الى الحذاء قائلا: اظهر أيها الحذاء . وهنا فتحت طاقة من الأرض يختبأ داخلها الحارس وكان قد فتح ثقب في الحذاء يتكلم منه وهو بداخل حفرة في الأرض , واندهش أهل القرية ولكن قبل أن تكتمل دهشتهم كان الحارس يلقى القبض على الدجال ويتجه به إلى سجن القرية بينما العمدة يقول : لقد انكشف اللص ولكن لا أريد منكم أن تصدقوا الدجالين فهم يريدون سرقة أموالكم .وعادت للقرية بهجتها بعد أن أعاد لهم العمدة أموالهم وعاشوا لسنوات طويلة يقصون على أولادهم قصة الحذاء الذي تكلم .


حمدى حسانين